في غضون شهر لم يخرج فريق اللصوص للسرقة سوى مرة واحدة و أحيانًا تمر أسابيع دون أي نشاط. لذا كان صيد الحيوانات وسيلة أخرى يعتمدونها للبقاء.
خرج سوك من المعسكر متجهًا إلى أعماق الغابة يحمل قوسًا يدويًا صنعه بنفسه خصيصًا لهذه الرحلات. استخدام الأسلحة النارية كان صاخبًا للغاية يثير الذعر بين الحيوانات و قد يجذب زوارًا غير مرحب بهم.
كان جسده الطويل المتناسق يتحرك بهدوء عبر دروب وعرة حتى وصل إلى موقع مثالي يمكنه فيه التمويه جيدًا.
أخرج صفارة من الخيزران كانت معلقة حول عنقه و وضعها على شفتيه.
حين نفخ فيها صدر صوت حاد يشبه نداء طائر بري تردد في الهواء.
لم يمض وقت طويل حتى هبط صقر صيد ضخم على ذراعه التي كان يغطيها بجلد جاموس متين ليتفادى مخالب الطائر.
“أصبحت أقوى و أضخم أليس كذلك؟” همس سوك و هو بالكاد يستطيع تحمل وزن الطائر على ذراعه.
كان قد عثر على هذا الصقر مصابًا في إحدى رحلات الصيد السابقة فاعتنى به و دربه حتى صار مطيعًا و مرافقًا له.
رفع سوك ذراعه معطيًا إشارة الانطلاق فانطلقت الأجنحة الداكنة في الهواء تحلق في السماء باحثة عن فريسة بعينيها الحادتين.
تبعه سوك بخطوات متسارعة لكن ما إن تقدم قليلًا حتى داهمه دوار مفاجئ فاضطر للجلوس تحت شجرة كبيرة ليرتاح.
اتكأ الشاب بجسده و أغمض عينيه محاولًا التنفس بعمق رافعًا وجهه ليستقبل نسيم الغابة المنعش. شيئًا فشيئًا بدأ يشعر بتحسن.
رش وجهه بالماء النقي الذي كان يحمله محاولًا التفكير بصفاء فيما يحصل معه.
منذ آخر لقاء له عند الشلال ازدادت الأعراض سوءًا: دوار متكرر و إرهاق شديد رغم نومه الجيد و تناوله للطعام.
فكر طويلًا حتى أوجعه رأسه لكنه لم يجد تفسيرًا منطقيًا و مع ذلك كان متيقنًا أن هناك أمرًا غير طبيعي يحدث في جسده.
نهض بصعوبة و قرر إلغاء رحلة الصيد و العودة إلى القرية.
لكنه بدلًا من سلك الطريق المعتاد انحرف نحو ممر آخر حتى وصل إلى كوخ مهجور عند حافة حقل أرز في قلب الغابة.
كان الكوخ قديمًا و متهالكًا لدرجة توحي بأنه قد ينهار في أي لحظة.
“أمي سوما أنا سوك” نادى بصوت خافت قبل أن يدخل و كأنه اعتاد زيارتها.
انحنى على ركبتيه و اقترب من عجوز أحدودب ظهرها كانت تجلس في وسط الكوخ تنتظر قدومه.
أمامها مذبح صغير تحيط به قرابين للأرواح الحارسة للغابة و الجبال و هي كائنات روحية يقدسها أهل القرية.
“ما الذي جاء بك يا سوك؟” سألت العجوز القابلة التي كانت محل احترام كبير في معسكر النمر بروانغ.
فبالإضافة إلى توليد النساء بالطرق التقليدية كانت تعالج المرضى بالأعشاب.
“لا أشعر أنني بخير يا أمي. مر وقت طويل على هذه الحالة و لم تتحسن” قال سوك بنبرة مرهقة.
“صف لي ما تشعر به” طلبت العجوز و هي تمسك بكفه بأصابعها المتجعدة.
“دوار و افتقار للطاقة. أحيانًا أستيقظ مع حرارة مرتفعة لكنها تزول بعد الاستحمام” أجاب.
“و هل تشتهي أطعمة غريبة مؤخرًا؟” سألته بنبرة بطيئة.
“لا أكلي طبيعي” قال بثقة.
“همم” أغمضت سوما عينيها و بدأت تدلك كفه برفق “أشعر بوجود حياة بداخلك.”
“ماذا تقصدين بحياة؟ ما معنى هذا الكلام يا أمي؟” سأل سوك بدهشة.
“روح صغيرة يبدو أنه طفل. ستصبح أبًا يا بني” قالت العجوز ببساطة.
“أنا فقط أشعر بالدوار يا أمي و كما أنني أتناول الأعشاب التي تمنع الحمل دائمًا. كيف يمكن أن أكون حاملًا؟ هذا مستحيل!”
قال سوك بذهول رغم أنه كان يعلم جيدًا أن نبوءات سوما لم تخطئ يومًا.
“إنه القدر يا بني. عندما يحين وقت قدوم روح جديدة لا أحد يستطيع منعه” أجابت سوما بهدوء ثم أضافت “شريكك ليس روحًا نقية بل روح مرتبطة بك من حياة سابقة. كنتما خصمين في الماضي و الآن قُدّر لكما أن تتلاقيا. هذا الطفل سيكون هو الرابط الذي يبدل مصيركما و يربط بينكما إلى الأبد.”
شعر سوك بثقل كبير في صدره. لم يستطع تخيل كيف سيكون رد فعل خام عندما يعرف بالأمر.
لكن إن كانت كلمات العجوز صادقة فلابد من إخباره.
و ربما ما يبدو سيئًا قد يتحول إلى خير.
“أنا…”
رفع كفه الخشنة و وضعها على بطنه فتلاشى القلق في داخله لتحل محله مشاعر دافئة كأنها نور يملأ صدره.
امتلأت عيناه بالدموع و ارتسمت على وجهه المرهق ابتسامة امتزجت بالدهشة و الامتنان.
“إنه أمر رائع…”
راح سوك يعد الأيام منتظرًا لقاءه القادم مع خام و قلبه يضج بالتوتر.
من حوله لاحظوا تغير حاله لكنه قرر ألا يخبر أحدًا حتى يلتقي به أولًا.
و في اليوم المحدد خرج من المعسكر باكرًا و في داخله قلق غريب لا يشبه هدوء النمور الذي اعتاده.
ما إن لمح خام حتى زاد اضطرابه و لوّح بيده:
“خام انتظر…”
قال سوك حين اندفع خام نحوه دون كلمة واحدة يطوقه و يقبله بجموح.
كانت يداه الخشنتان تنزلقان تحت قميصه تعصران صدره الصلب و تداعبان حلمتيه بقوة حتى أطلق سوك أنينًا يجمع بين الألم و اللذة.
لسانه الخشن كان يلعق عنقه لكنه توقف فجأة حين دفعه سوك عنه.
“ما بك؟ هل صرت صعب المنال فجأة؟” سأله خام بحدة.
“ليس الأمر كذلك دعنا نتحدث أولًا من فضلك” قال سوك برجاء.
“أريدك أولًا ثم نتحدث” قال خام بإصرار لكن عينيه الخاليتين من أي دفء أربكتا سوك و أيقظتا داخله إحساسًا بالخطر.
“عندي شيء أقوله لك” قال سوك بنبرة خافتة.
“و أنا أيضًا لدي ما أقوله عنك” رد خام.
“عني؟” سأل سوك و قد بدأ القلق يملأ قلبه إذ شعر بشيء غريب في عيني خام.
“سنعود قريبًا إلى المعسكر الرئيسي. إنه بعيد لذا أريد أن أطلب يدك رسميًا لأخذك معي. ما رأيك؟” قال خام بنبرة مختلفة.
“ليس لدي أهل لتطلب يدهم” رد سوك بصوت متوتر.
“إذًا مع من تعيش؟” سأله خام.
“بمفردي…”
“و لا حتى قريب واحد؟ الآن و أنا أفكر لا أعرف حتى أين تعيش”
قالها خام و هو يضيق عليه بالكلمات يريد الحقيقة.
لكن سوك التزم الصمت.
“لماذا لا ترد؟ هل تفكر في كذبة جديدة؟” قال خام و الغضب في صوته.
“خام إنني فقط…”
“هاه” أطلق خام ضحكة ساخرة لا يعرف إن كانت حقيقية أم مجرد تمثيل “هل تظنني غبيًا؟”
“لا!” نفى سوك بالكاد يخرج صوته “لم أفكر بذلك أبدًا أقسم لك…”
“إذًا لماذا تكذب علي طوال الوقت؟” سأله خام بنبرة باردة جعلت قشعريرة تسري في جسد سوك.
“بمَ كذبت؟” سأله سوك لا يزال يأمل التهرب.
“لن تعترف صحيح؟” قال خام بغضب واضح “أم أن علي أن أنتزع الحقيقة من بروانغ بنفسه زعيمك؟”
“خام لم أرد أن تسير الأمور هكذا. أرجوك اسمعني” توسل سوك يشعر و كأن الأرض تنسحب من تحت قدميه.
“و ماذا كنت تريده أن يحدث؟” أمسك خام بذراعه بشدة ضغط عليه حتى صرخ سوك من الألم “غير أن تخلع ملابسك لي يومًا بعد يوم ماذا كنت تخطط أيضًا أيها الكاذب؟”
“تؤلمني أنت تؤذيني…”
قال سوك بعينين مشتعلتين شعر أن ذراعه على وشك أن تنكسر.
“كاذب…”
“لا يمكنك أن تلومني وحدي! نعم لم أخبرك الحقيقة لكنك أيضًا أخفيت حقيقتك…”
“…”
“أنت عسكري أليس كذلك؟ رجل شرطة…”
سكت خام.
“الرائد ناروكريت لاكسانارونغ…”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!