“الرائد ناروكريت لاكسانارونغ…” قالها سوك ينطق الاسم و اللقب بدقة “أم ينبغي أن أناديك بالقائد راما؟”
لعب سوك آخر أوراقه محاولًا استقراء ردة فعل راما لكن حدسه كان يصرخ فيه بأن يفر فورًا من أمامه. غير أن تحركه كان أبطأ من اللازم. ففي ومضة دفعه راما أرضًا و جثم فوقه محكمًا سيطرته على جسده.
“دعني! دعني!”
صرخ سوك و هو يحاول المقاومة لكن قبضات راما كانت أقوى. شد يديه و ثبتهما بينما ضغط بمرفقه على عنقه مهددًا بخنق أنفاسه إن شدد الضغط قليلًا فقط.
“آه…”
“كنت تعلم كل شيء و مع ذلك اقتربت مني! قل لي ما خطتك؟ ماذا كنت تخطط بحق الجحيم؟”
سأله راما بصوت متماسك ظاهريًا لكنه يغلي من الداخل ينظر إلى سوك و كأنه غريب. كأن لحظات الحب و الدفء و الوعود المتبادلة لم تكن سوى سراب. و إن كان قد شعر بشيء تجاهه فقد انطفأ كل ذلك أمام خيانته التي جعلت الثقة مستحيلة.
“لا لا توجد خطة أقسم آه…”
همس سوك باستسلام متجمد الجسد لا يريد المقاومة خشية إيذاء الطفل في بطنه. تردد هل يخبره أم يكتم السر؟
“منذ متى علمت أنني عسكري؟”
“من البداية.”
“و كيف عرفت؟”
سكت سوك.
“أجب! كيف عرفت؟”
زمجر راما يهدده بعينين ناريتين.
“آه…”
“إن كذبت مجددًا سأقتلك. أقسم أني سأفعل.”
رغم التهديد أبى سوك أن يبوح بالحقيقة. زاد سكوته من غضب راما الذي بدا مستعدًا للجوء إلى السحر لاستخراج الإجابة.
“تظن أن صمتك سيوقفني؟ تريد حماية عصابتك؟ حسنًا سترى ما أنا قادر عليه.”
أمسك بذقن سوك بقبضته مجبرًا إياه على النظر مباشرة في عينيه و ثبته بركبته حتى لا يفلت ثم بدأ بترديد تعويذة سحرية في سره:
*سا سي مي را…*
شعر سوك بها فورًا. معركة سحرية على وشك أن تبدأ. فأسرع و ردد:
*أغلق أحجب احفظ طفلي في رحمي احفظ كبدي الأحمر و رئتي و قلبي الأعمدة البعيدة النور الذي بالخارج سيحفظني نور النمر سيحميني أوم تي تي ديفاس سفها…*
كرر راما تعويذته خمس مرات ثم نفث أنفاسه على جبهة سوك محاولًا إخضاعه لكن محاولاته باءت بالفشل. فسوك بخبرته لم يكن فريسة سهلة و كان لكل تعويذة رد.
“لا تفعل هذا أرجوك…”
همس سوك بتوسل.
“مثير للإعجاب أحب من يجيدون الدفاع عن أنفسهم. لنر كم تصمد.”
قال راما متحديًا لكن نبرة الرجولة الشرسة فيه كانت تخفي اضطرابًا.
“أرجوك دعني لا أريد القتال معك.”
بصوت مرتجف و نظرة دامعة تابع:
“أنا حامل أحمل طفلك. إنه طفلنا أرجوك لا تؤذه.”
لم يخش سوك السكاكين و لا البنادق و لا الموت. كان خوفه الوحيد أن يُؤذى طفله الذي في أحشائه.
“حامل؟ ها كنت أشك بذلك.”
رد راما بابتسامة ساخرة بلا أي أثر للدهشة.
“كيف عرفت؟”
“أعراضك فضحتك. و الرائحة كانت أوضح من أن تُخفى. كنت ستقول هذا أليس كذلك؟”
أومأ سوك برأسه خائفًا و عيناه تطلبان الرحمة.
“أرجوك حبيبي…”
همس بتوسل يائس متمنيًا أن يستعيد قلب راما شيئًا من لينه.
“لا. كنت تعرف أني شرطي و مع ذلك سلمت لي جسدك حتى حملت! هل ظننت أن الطفل سيكون طوق نجاة؟ وسيلة لتربطني بك؟”
“لا! لست على حق!”
“بل أنا محق! أنتم قطاع الطرق لا تفكرون إلا بالمكر و الخداع.”
“أعترف أني كذبت لكن بشأن الطفل لم أكذب أبدًا…”
توقف لم يشأ قول *لم أخطط لهذا الحمل* لأن الطفل صار الآن جزءًا منه.
“كل قطاع الطرق سواء لا يُؤتمنون.”
قال راما بجفاء تتوهج عينيه بشبح ألم قديم.
“هذا ليس عدلًا! لسنا مجرمين بطبيعتنا بل مضطرون! نسرق من الأغنياء الطغاة و لا نؤذي الفقراء مثلنا!”
“نسرق من الأغنياء؟ هذه حجة الضعفاء لتبرير جرائمهم. لا يوجد قطاع طرق طيبون. لا أحد شريف يسلك هذا الطريق!”
“ليس الكل يملك نفس فرصك أيها الأحمق!”
“فرص؟ ماذا تعرف عن حياتي يا سوك؟”
ضحك راما بسخرية مرة ثم زمجر:
“اخترت أن تكون سارقًا قاتلًا مغتصبًا. كم عائلة دمرها أمثالك؟ ما الخير في ذلك؟”
ظلت صورة والديه المعلقين بالحبال محفورة في ذاكرته و لم يكن ليستطيع نسيانها. ارتجف، ناره لا تنطفئ و غضبه يغذي خطواته.
“لا تفكر باستخدام الطفل ضدي. لن ينفعك.”
“لم أفكر بهذا قط يا راما! ماذا ستفعل؟”
الخوف بدأ يعصر قلب سوك من جديد فعاد يتلوى يحاول الإفلات.
“جرب طعم الألم كي تذكرني حتى آخر يوم في حياتك. لتتعلم ألا تخونني مجددًا أيها الشيطان.”
قالها راما و هو يسحب خنجر سوك القصير بنظرة دامية خالية من الحب.
“راما لا تفعل!”
صرخ سوك لكن الخنجر كان أسرع و شق وجهه من زاوية فمه حتى تحت عينه.
“آاااه!”
“تذكر كلماتي.”
قالها راما و هو يجذبه من شعره رافعًا وجهه الدامي. امتزجت دموعه بدمه و غلبت رائحة الحديد على رائحة زهوره. لكنه لم ير ذرة شفقة في عيني راما.
تشنجت شفتا سوك و انكسر قلبه.
“هيك هيك أرجوك…”
“…”
“طفلي فقط أرجوك…”
“سأدعك تذهب. إن ندمت و تبت فخير. و إن لم تفعل فهذا شأنك. لن أعود إليك.”
“…”
“افعل ما تشاء بشأن الطفل. لكن إن اكتشفت أنك ما زلت في مخيم العصابة سأقطع رأسك بنفسي.”
قال راما و هو يترك شعره فجأة ما جعل رأس سوك يرتد بقوة. ثم وقف و ابتعد دون أن يلتفت.
ظل سوك يحدق في ظهر راما العريض عبر غشاوة من الدموع. كان الألم الذي حفره في قلبه أعمق من الجرح في وجهه. وضع يده المرتعشة على بطنه يطمئن الحياة الصغيرة داخله. رغم أنه أراد التمسك بحبه لم يعد قادرًا.
ماضيه الأليم جره إلى هذا المصير و لم يكن يستطيع أن يخون رفاقه. و الآن عند مفترق طرق لم يكن غريبًا أن تنتهي قصتهما بدموع و ندم.
كانا كخطين متوازيين لا يمكن أن يلتقيا.
كل ما تبقى لسوك هو أن يودع قلبه و يصلي ألا يلتقيا مجددًا.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!