عاد سوك إلى المخيم مترنحًا بقلب محطم و وجه ما زال ملطخًا بدماء جافة. كانت الجراح الغائرة في وجهه لا يمكن إخفاؤها مهما حاول شاهدة على الألم الذي مر به.
“ماذا حدث لك يا سوك؟ تبًا!”
صرخ صوت قلق كان صوت هوان الذي رآه من بعيد و هو يقترب بحال يرثى لها.
“أتريد أن أداوي جرحك؟ أوتش مهلاً…”
“لا شيء بي” رد سوك رافضًا المساعدة محاولًا الهروب. لم يكن مستعدًا للكلام مع أحد.
“لكن وجهك!” أصر هوان “من الذي فعل هذا بك؟ من الذي تجرأ على تمزيق وجهك بهذا الشكل؟” قال بنبرة لم تخل من السخرية كما لو كان يستمتع بالمشهد “ألم تكن أنت الرجل القوي دائمًا؟”
“ليس من شأنك تبًا لك!”
استدار سوك نحوه فجأة يرمقه بنظرة نارية جعلت هوان يتراجع خطوة ثم ما لبث أن استعاد وقاحته المعتادة.
“هاه شجاع حقًا يا صاحب الوجه المشقوق.”
قالها هوان منتشيًا واثقًا بأن أحدًا لن ينافسه بعد الآن. فبسمة سوك و جماله اللذان كانا مصدر جاذبيته لن يصمدا مع ندبة كهذه.
لكن سوك في تلك اللحظة كان يضغط على قبضتيه بقوة حتى غُرست أظافره في راحتيه، كتم غضبه بأسنانه ثم خفض رأسه و غادر بصمت. كلمات هوان لم تكن سوى سكين أخرى تُغرز في جرحه المفتوح.
في مكان آخر جلس راما و تقدم منه أحدهم واضعًا زجاجة خمر محلي أمامه بعنف:
“هاك أردت شيئًا قويًا أليس كذلك؟ هذا يتجاوز الخمسين درجة سيجعل منك كلبًا هائجًا.”
أمسك راما بالزجاجة و شرب منها بجنون كأنه يحاول إطفاء نيران تلتهم صدره. لم يتحمل كلاوُ المشهد فانتزعها منه:
“أيها الأحمق! تمهل ستقتل نفسك!”
لكن راما لم يرد أشعل سيجارة و التجاعيد تعلو جبينه من شدة التوتر.
“صب المزيد بسرعة” أمر راما بنبرة خالية من الرحمة.
“قلت إنك ستقتله لماذا تركته؟” سأله كلاوُ و هو يصب كأسًا آخر محاولًا استفزازه.
“إنه حامل” رد راما بهدوء قاتل.
“ماذا؟ حامل؟!”
صرخ كلاوُ مذهولًا.
“لماذا تصرخ أيها الأحمق؟” زمجر راما ناظرًا حوله. لحسن الحظ كان الجميع منشغلًا في رهانات الديوك.
“أنا فقط مندهش لا أكثر. و ماذا ستفعل الآن؟” سأله كلاوُ بفضول.
“لا شيء. كل في طريقه كأننا لم نعرف بعضنا من قبل.”
قالها راما ببرود لم يخل من الحزن لكن بلا أثر لعاطفة ظاهرة.
تأمل كلاوُ هذا الجفاء. كيف لرجل أن يقطع ما بينه و بين شخص يحبه بهذا الشكل خاصة وقد أصبح أبًا؟
“قلبك أصلب من الصخور. هل تستطيع حقًا ترك حبيبك و طفلك هكذا؟” سأله كلاوُ.
“لم أقتله لا الأم و لا الطفل. و هذا يكفي.”
“أفهم أن خداعه لك أغضبك لكن ذلك لا يساوي شيئًا أمام حياة طفل. إن كان الأمر صعبًا عليه دعه ينضم إلينا و سأتحدث أنا مع القائد.”
“لا. لن أعود إليه.”
قالها راما بقسوة.
“ستندم على هذا صدقني.”
“لن أندم.”
أجابه بصوت حاسم و كأن قلبه قد أغلق تمامًا.
لم يهمه إن وصفه الناس بالقسوة. لم يكن بإمكانه التساهل. هو ضابط في الشرطة العسكرية و سوك مجرم. إن سامحه سيكون قد خان قسمه. كما أن النار المتقدة في صدره نار انتقام لم تهدأ بعد جعلته لا يرى في العالم سوى رؤوس يستحق أصحابها أن يُسقطوا واحدًا تلو الآخر.
في مكان آخر خرج صوت نسائي ناعم:
“سوك؟ هل أنت هنا؟”
أخرج الصوت سوك من شروده. كان قد بكى حتى جفت الدموع و تحولت إلى رماد داخله. أغمض عينيه و أغمي عليه من الإعياء دون أن يضع لقمة في فمه. كانت جراح وجهه قد بدأت تلتهب و لم يكن لديه غير بعض الأعشاب ليعالج بها نفسه.
“باي تونغ…”
قالها بصوت مبحوح حين رأى ابنة زعيم المخيم النمر بروانغ تحمل وعاءً صغيرًا.
“أحضرت لك أرزًا و كاري بسيقان اللوتس. سمعت أنك مصاب و ظننت أنك قد لا تقوى على الطهو. هل تؤلمك كثيرًا؟”
سألته باي تونغ بقلق.
“لا بأس شكرًا لك. لكن لا يجب أن تأتي في هذه الساعة الوقت متأخر.”
“و لم لا؟” سألته.
“لأن الناس ألسنتهم لا ترحم. و بصراحة لا أريد مشاكل مع هوان.”
قالها بضيق.
كان هوان قد بدأ يسخر منه علنًا و الآن فكرة أن يرى باي تونغ تواسيه ستشعل فتيل الغيرة.
“و ما علاقة هوان بالأمر؟”
“أنت تعلمين السبب يا باي تونغ.”
“أنا لا أحب هوان.”
“و أنا لا أحبك أنت.”
قالها سوك قاسيًا، لكنه كان يعلم أن ذلك أفضل من إعطائها أملًا زائفًا.
“لا بأس إن لم تحبني الآن. سأنتظرك مهما طال الزمن.”
قالت باي تونغ بصوت مرتجف دامع متشبثة بأمل ضعيف.
“لا تنتظري. لن تتغير مشاعري صدقيني.”
رد سوك بحسم. هو الآن يحمل طفلًا. حب جديد لم يعد خيارًا.
“سوك…”
همست باي تونغ و دموعها تنهمر.
“لا تبكي لا تبكي…”
قال سوك و هو يمسح دموعها. كان يفهم ألمها لأنه هو نفسه غارق في وجعه. لقد خُذل و طُعن و خانته يدا من ظن أنهما أمان.
و فجأة…
“آه أآغغ…!”
تقيأ بشدة حتى أفرغ ما في جوفه. نسيت باي تونغ حزنها و هرعت إليه تسانده.
“سوك! هل أنت بخير؟ هل السم في الجرح؟ هل أنادي…؟”
“لا لا شيء فقط اذهبي الوقت تأخر و لا أستطيع مرافقتك.”
“لكن يا سوك…”
“أرجوك يا باي تونغ!”
قالها وقد أنهك يرتعش صوته بالكاد يُسمع.
“أستطيع العودة وحدي لكنك لست بخير أنا قلقة عليك.”
قالت و هي تنظر إليه بعين دامعة.
“سأرتاح و سأتحسن. أعدك…”
“حسنًا لكني سأعود غدًا. لا تنس أن تأكل لتستعيد قوتك.”
“بالطبع…”
عاد سوك إلى كوخه حاملًا الوجبة. لم يكن جائعًا لكنه أجبر نفسه على الأكل لأجل الطفل في بطنه لأجل الحياة التي لم تولد بعد. عليه أن يقوى من أجلها.
تمنى من قلبه أن تجد باي تونغ طريقها بعيدًا عنه بعيدًا عن كل هذا الألم.
فالحب ما هو إلا نكتة قاسية.
أحب من لم يبادله المشاعر و وقع في حب من لم يكن له يومًا.
لو كان بإمكان البشر أن يتحكموا في قلوبهم لما تألم أحد.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!