تدهورت صحة سوك يومًا بعد يوم، جسديًا و نفسيًا، حتى أصبحت حالته تُشبه أيامه الأولى في المخيم. أثارت حالته قلق ساي جاي و باي تونغ، اللتان أصبحتا بمثابة راعيتين له في الآونة الأخيرة.
ساي جاي، بخبرتها الطويلة لم تكن واثقة في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت الأعراض تتحدث عن نفسها. فقد أصبح سوك يعاني من دوار شديد و غثيان متكرر، حتى بات عاجزًا عن شرب كوب ماء دون أن يتقيأ.
“بروينغ، أظن أن هناك أمرًا غير طبيعي يحدث مع سوك” قالت ساي جاي و هي تحادث النمر بروانغ آملة أن يساعدها في كشف الحقيقة.
“غير طبيعي؟ ماذا تقصدين؟” سأل بروانغ.
“لقد راقبت حالته لأيام عدة، و أعتقد أنه حامل” أجابت ساي جاي بنبرة جادة.
“مستحيل!” قال بروانغ بدهشة.
“لا تنسَ أن سوك من سلالة الكراوس، و يستطيع الحمل كما النساء. أريدك أن تجعله يتحدث، و أن تعرف كيف أصيب بجرح وجهه. أشك أن الأمرين مرتبطان” قالت ساي جاي.
تجهم وجه النمر بروانغ و هو يستمع، ثم سألها:
“هل أنتِ متأكدة؟”
“تمامًا” أجابت بثقة “هذه الأعراض هي أعراض الحمل، لا شك فيها.”
“و من يكون والد الجنين؟” سأل بروانغ و هو يفكر “لم يُظهر سوك اهتمامًا بأحد، حتى بابنتي باي تونغ، رغم جمالها.”
ثم خطر في باله احتمال أسوأ:
“أم أنه تعرض لاعتداء؟”
“أخشى أن يكون كذلك، و هذا ما يقلقني” قالت ساي جاي، و قد بدت ملامح الحزن على وجهها.
فرغم قوة سوك، فإن لكل إنسان لحظة ضعف. و كان صمته بشأن جرحه، إلى جانب تدهور صحته، دليلًا على أن أمرًا خطيرًا قد حدث له.
“نادوا لي سوك حالًا!” أمر بروانغ بصوت حازم.
“حالًا، سيدي” جاء الرد، و تبعه صوت خطوات مسرعة.
لم تمضِ لحظات حتى دخل سوك إلى منزل القائد، بوجه شاحب و جسد هزيل، و قد بدت عليه علامات التعب و الإنهاك.
“لماذا طلبتني؟” سأل سوك بصوت خافت، ثم نظر إلى ساي جاي، التي جلست بقربه بنظرة متوترة.
أمعن بروانغ النظر فيه. رأى فيه نفسه في سن التاسعة عشرة، حين بدأ طريقه في حياة التمرد. لم يكن الأمر سهلًا أبدًا.
أحيانًا، يتعين على المرء أن يغلق قلبه عن الأخلاق و العدل، لأن هذا العالم لا يرحم الضعفاء، بل لا ينجو فيه إلا الأقوياء.
“أنت بمثابة ابن أو حفيد لي، و نحن هنا في المخيم إخوة في السراء والضراء” قال بروانغ.
“أعلم ذلك، سيدي…”
رد سوك و هو يطرق بنظره إلى يديه المتشابكتين، و كأنه يعرف أن لحظة المواجهة قد اقتربت.
“إذًا، هل يمكنك أن تخبرني ما بك؟” سأله بروانغ.
“لقد خيبت ظنك” اعترف سوك.
“حدثني. إن كنت لا تزال تحترمني، فقل الحقيقة و لا غيرها” قال بروانغ بصوت صارم كالأوامر.
فتح سوك قلبه، و اعترف بكل شيء. أخبرهم عن علاقته براما، و عن حمله.
كان يعلم أنهم سيكتشفون عاجلًا أم آجلًا، فبطنه لم يعد يخفي الأمر، إذ كان الطفل في داخله أكثر شجاعة منه.
“لن أمنعك من مغادرة المخيم إن أردت ذلك، لكنني قلق عليك إن خرجت. شريكك يبدو أنه ضابط في الشرطة العسكرية، و من رتبة عالية أيضًا” قال بروانغ بنبرة لا تحمل اللوم، بل التفهم “لقد حاول قتلك و قتل الطفل أيضًا. إنه خطر.”
“أعلم” أجاب سوك.
“إن قررت البقاء، فعلينا نقل المخيم قبل ولادة الطفل، و إلا سيجدنا بسهولة. إن تمكن من التسلل إلى مخيم النمر إيب، فلا شك أنه يخطط لشيء خطير. و إن لم نتحرك، سيكون مخيمنا التالي” أوضح بروانغ.
“أنا آسف، سيدي. لم أكن أريد أن أجلب المتاعب. لم أقصد ما حدث.”
قال سوك و انحنى باعتذار، وجهه شاحب و عيناه محمرتان تكتمان الدموع.
“لا تفكر بهذا الشكل. كنا سننقل المخيم في كل الأحوال، فقط سنُسرع ذلك. لكن الأمر الذي يقلقني الآن ليس الانتقال” قال بروانغ، ثم شرب جرعة من مشروبه و وضع الكأس جانبًا.
“ما هو إذًا؟” سألت ساي جاي، و هي تقطع صمتها.
“سوك، الطفل… ماذا لو تذهب إلى أقاربي في ناخون ساوان حتى تضعه هناك؟ ثم تعود. و هم سيهتمون به و يربونه كما يجب. يمكنك زيارته وقتما شئت، و سأضمن لك أنه سيعيش حياة جيدة” اقترح بروانغ.
“لا. لا، أبدًا. أريد أن أربي طفلي بنفسي. أريد أن أكون معه، و أراه ينمو أمامي” قال سوك بوجه مشوش و صوت مرتعش.
“و هل ستتركه ينمو في مخيم لصوص؟ لن يذهب إلى المدرسة، و لن يحصل على ما يحصل عليه باقي الأطفال. و سيظل في خطر دائم” قال بروانغ.
“لكنني لا أستطيع أن أسلمه لأحد” قال سوك، و هو يشعر أن طفله هو الشيء الوحيد المتبقي له في هذه الحياة.
“فكر جيدًا يا سوك. إن ربيته هنا، فسيصير لصًا مثلك. هل هذا ما تريده له؟” قالت ساي جاي، و هي تحاول أن تهديه.
كانت تعلم، من خلال تجربتها كأم، أن ابنها سيُجبر على القتال و السرقة يومًا ما، لمجرد كونه ذكرًا. أما هي كامرأة، فكان مكانها دائمًا محدودًا: ابنة، أو زوجة، أو أم. لكن الذكر مصيره كان مختلفًا.
صمت سوك، و لم يجد ما يقول.
“خذ وقتك للتفكير. أريد الأفضل لك يا سوك. لقد اجتزت محنًا من قبل، و ستجتاز هذه أيضًا. أنا أثق بك” قال بروانغ.
كان النمر بروانغ يحب سوك كابن له. علمه القتال و السحر و كل ما يعرفه، دون أن يبخل عليه بشيء. لكنه لم يكن يريد له أن ينتهي كما انتهى هو لصًا مطاردًا.
كان سوك لا يزال شابًا، و كان يستحق أن ينعم بحياة مختلفة، حياة يستحقها.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!