فصل 12

فصل 12

[عام 2480 من التقويم البوذي (1937)، سوبان بوري.]

شاب طويل القامة، نحيل الجسد، في الثالثة و العشرين من عمره، أو يكاد يكمل الرابعة و العشرين، كان يسير بخطى واثقة، بعينين تشعان بالفرح و ابتسامة لا تفارق وجهه.

كان تشانا سوك ريانغسوبان طالبًا في أكاديمية الشرطة، مُقبلًا على التخرج برتبة ملازم ثانٍ، جذاب الهيئة، ذكيٌّ بشدة، و محبوب من الجميع دون استثناء.

كان يتأمل ضفتي النهر بعينين تفيضان بالحيوية، بينما يحمله القارب عبر مياه النهر، يراقب المناظر التي غابت عنه منذ زمن. و رغم أن دراسته كانت في ناخون باتوم القريبة، بأكاديمية الشرطة في هواي تشوراكي، فإن الطريق كان شاقًا، فلم يكن يعود إلى منزله إلا نادرًا. لكنه اليوم عاد في إجازة طويلة، تزامنت مع عيد ميلاد شقيقته الصغرى، و كان يخطط لمفاجأتهم.

بعد أشهر قليلة سيتخرج رسميًا، و كان مصممًا على الالتحاق بالشرطة في أقرب فرصة، لا لشيء سوى ليبدأ في كسب المال لمساعدة شقيقته لتحقيق حلمها في دراسة التمريض.

ابتسم لوحده و هو يعانق الحقيبة التي تحتوي على هدية لأخته الصغيرة.

كان منزلهم المكون من طابقين، المحاط بحديقة واسعة، يعكس حياة ميسورة، ليست فارهة، لكنها خالية من الحاجة. كانت عائلة سوك تعمل في زراعة الليتشي و المانغوستين و جوز الهند، و تبيع منتجاتها للتجار الصينيين أو في السوق المحلي.

“أبي! أمي! ريراي! أين أنتم؟” صاح سوك و هو يدخل المنزل و لم يجد أحدًا.

فجأة…
بام!
دوى صوت ارتطام شديد، تبعه صراخ مفزع صادر من الطابق العلوي. دون تفكير، ركض سوك بسرعة و عبر درجات السلم قفزًا.

“ساعدوني… أرجوكم!” كانت صرخة خافتة باكية.

سقطت حقيبة الهدية من يده، و ركض نحو الباب نصف المفتوح.

من خلال الفجوة، رأى ما كاد يفقده صوابه: أخته الصغيرة ريراي، بملابس ممزقة، تتوسل و تقاوم، و أسفلها رجل يعرف ظهره جيدًا.

كان ذلك ظهر والده.

اشتعل غضب سوك، احترق عقله و انطفأ كل وعي داخله، و تحول في لحظة إلى نار.

دون كلمة، أمسك بزجاجة على الطاولة، قبض عليها من عنقها، و اقترب بخطى صلبة، ثم حطمها بكل قوته على رأس الرجل.

“آااخ! من هذا اللعين…؟!” صرخ الأب.

“كيف تجرؤ؟!” زأر سوك بدموع تختنق في حلقه.

“سوك!” قال الأب الضخم، و هو يترنح و يضع يده على رأسه المدمى.

“إنها ابنتك اللعينة! كيف تفعل بها هذا؟!”

“و أنت كيف تجرؤ على ضربي؟ تريد أن تقتلني؟!” صاح الأب و هو في حالة سكر و هياج “ريراي ابنتي، لهذا أفعل بها ما أشاء! و هي تحب ذلك!”

“لا، هذا كذب!” صرخت ريراي، في انكسار، معلنة أن هذه لم تكن المرة الأولى.

الدموع المنهمرة من عيني أخته، و اعتراف والده الصادم، سلبا سوك آخر ذرة عقل. دون أي فرصة للدفاع، غرس عنق الزجاجة المكسورة مرارًا في بطن الرجل، حتى سقط على الأرض غارقًا في بركة من الدماء.

“ما الذي حدث يا سوك؟!” كانت الأم قد عادت لتوها من السوق، و قالت و هي تلهث، و عيناها تتسعان من الهلع “سوك! ابني، انظر إليّ… قل لي ماذا حدث؟!”

“أمي… أبي فعل شيئًا فظيعًا بـريراي…”

فهمت الأم على الفور. نظرت إلى ابنتها المنكمشة في الزاوية، تحتضن ركبتيها، عيناها مليئتان بالرعب و الدموع. ثم إلى سوك الذي جلس مذهولًا، غارقًا في دموعه، و ملابسه الرسمية ملطخة بالدم، تفوح منها رائحة الحديد الحادة. ثم ارتمت في حضن ابنتها تبكي، ليبقى مشهد البكاء هو آخر ما احتفظ به سوك في ذاكرته قبل أن يهرب، مطاردًا من رجال الشرطة.

بوم!
الدم يغطي جسده، من الطلقات التي أصابته أثناء مطاردته. كان سوك يركض، بكل ما تبقى لديه من قوة. لم يفكر إلا في النجاة… ألا يُقبض عليه.

“قف!” صرخ أحد الضباط خلفه.

لكنه لم يتوقف.

“آه… آه…”

لا يعلم كم ركض، لكن الأقدار ساقته إلى قرية نائية في عمق الوادي. كان بصره قد بدأ يتشوش، و عرقه يتصبب من جبينه.

ثم رأى من بعيد، شخصًا يقترب منه. حاول أن يصرخ، أن يتحرك، لكنه انهار.

أنفاسه ضحلة، و ألمه لا يُحتمل.

“هل سأموت هنا؟” فكر.

“آااه…”

استيقظ سوك من كابوسه، و هو يلهث و يتنفس بصعوبة، صدره يرتجف و كأنه يريد أن ينفجر.

رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحادثة، لم ينسَ شيئًا منها. بعد أن قتل والده، هرب من مطاردة الشرطة، حتى قادته الأقدار إلى مخيم النمر بروانغ، الذي أنقذه من الموت. كان قد أصيب بطلقات نارية، فعالجه بروانغ بالسحر، و حين علم بقصته، عرض عليه الانضمام إليهم.

لم يكن أمامه خيار.

كانت فكرة أن يعيش كقاطع طريق كي ينجو مغرية للغاية. فقرر البقاء، خاصة و أن قواعدهم كانت مختلفة: “لا نقتل، لا نؤذي، لا نواجه السلطات، نسرق فقط عند الحاجة.”

و بفضل خلفيته في الملاكمة، تعلم سوك السحر و فنون القتال، و سرعان ما أصبح اليد اليمنى لبروانغ.

و بعد أن تعافى، و هدأت المطاردة عاد سرًا ليطمئن على أمه و شقيقته. علم أنهما انتقلتا إلى بانكوك للعيش مع أقاربهم.

كانت ريراي قد التحقت بالفعل بكلية التمريض، كما كانت تحلم دائمًا. و كان سوك يرسل لهما المال دون انقطاع، و يزورهما أحيانًا متنكرًا، عبر المراكب، بعيدًا عن أعين السلطات.

لكن كلما رأى شقيقته، كانت ترجوه:
“سلّم نفسك يا أخي. ستقضي بضع سنوات فقط، و سنكون عائلة من جديد.”

“و من سيرعاكما حينها؟” كان يرد.

“أنا و أمي بخير، لا تقلق علينا.”

طوال حياته، كان سوك يدور حول أمه و شقيقته. لكن الآن وجدت حياة جديدة تنبض داخله، حياة صغيرة عليه أن يرعاها بكل ما لديه. كان عليه أن يقاوم، كما قال بروانغ.

فالألم الذي يعيشه ليس ذنب أحد بل ذنبه.

كان يعرف أن راما نار حارقة و مع ذلك، اقترب.

و كان يستحق أن يحترق.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!