كان ثقل القلق يخنق صدر سوك، و لم يكن يعلم كيف يخرج من هذا المأزق. قبوله بالاتفاق مع راما لم يكن سوى تصرف يائس لحماية ابنه، معتقدًا أنه حين يهدأ سيتمكن لاحقًا من إيجاد حل أكثر عقلانية. لكن… لم يكن هناك مفر. سوك كان يعلم أنه لا يستطيع الهروب، حتى كبار زعماء اللصوص كانوا يخشون القوة الروحية و الوحشية التي يمتلكها راما. و إن هرب إلى أقاصي الأرض، سيجده راما، هو و ابنه الصغير روب.
كانت جنون الارتياب ينهش قلبه، غير قادر على إزاحة نظره عن طفله، خائفًا من أن يعود راما لاختطافه، أو أن يفعل ما هو أسوأ بكثير. بالطبع، تم التخلي عن خطة السرقة فورًا، و عندما عادت القافلة إلى المعسكر، أسرع سوك للاعتذار لـتايغر بروينغ، مثقلًا بالذنب، و انحنى بأعمق تحية قدمها في حياته.
” سامحني يا زعيم… آسف، آسف جدًا… روب كان مريضًا، و لم أستطع تركه وحيدًا…”
قال سوك و وجهه شاحب منهك، و الآخرون معتقدين فعلًا أن غيابه بسبب مرض ابنه، لم يشكّوا في شيء. تفرقوا كلٌّ إلى حجرته لينال قسطًا من الراحة، غير أن هان أحد اللصوص، بقي يحدّق فيه من أعلى إلى أسفل و كأنه يود قتله.
” و لمَ تعتذر عن أمرٍ تافه كهذا؟ هل تحسّن ابنك؟ “سأله تايغر بروينغ.
” نعم يا زعيم… لكنه…”
” الأطفال الصغار يمرضون هكذا “قال الزعيم بتفهم”. ارفع رأسك، لا تتصرف معي بهذا الشكل.”
” …شكرًا لتفهمك، زعيم.”
” غريب أمرك… وجهك لا يبعث على الطمأنينة. هل يعقل أنك تعتذر كل هذا الاعتذار لأنك تطمح لنيل نصيب من الغنيمة؟ ” قاطعهم هان بسخرية، غاضبًا من اهتمام سوك بنظرة الزعيم.
” لا، لا أريد شيئًا… أعلم أنني لا أستحق هذه المرة “دافع سوك عن نفسه.
” جيد أنك تعلم… من لا يشارك لا ينال شيئًا “قال هان بحدة.
” لكنك قلت إنك تحتاج المال لأجل أمك و تسجيل أختك بالمدرسة “تذكر تايغر بروينغ السبب الذي جعل سوك يتطوع للقيادة في تلك السرقة.
” … لا يهم، لدي بعض المدخرات على أي حال “ردّ سوك.
” كما تشاء، و إن احتجت شيئًا، أخبرني، أو تحدّث مع ساي جاي مباشرة.
قالها الزعيم بلطف، مما زاد شعور سوك بثقل الاتفاق الذي أبرمه مع راما.
ساي جاي زوجة تايغر بروينغ، كانت لا تزال تعيش في المعسكر. أما بايتونغ، التي كانت تحب سوك، فقد ساعدته خلال حمله و ولادة روب، ثم تزوجت من رجل بسيط و صادق و ابتعدت عن المعسكر نهائيًا. هان كان قد حاول خطبتها لسنوات، بل طلب من الزعيم أن يجبرها على الزواج به، لكن سوك دافع عنها مما زاد من كراهية هان له. و لم يمنع هان من الانتقام سوى احترامه الشديد للزعيم.
” سأذهب لرؤية ابني “قال سوك مودعًا.
” اذهب، اذهب “أجابه الزعيم.
” و لمَ تركته يرحل بهذه السهولة؟ ألا تنوي التحقيق معه؟ “سأل هان و هو يحدق في سوك ثم التفت إلى الزعيم.
” و ماذا تريدني أن أسأله؟ “رد الزعيم.
” لقد اختفى فجأة! و ماذا لو كانت قصة مرض الطفل مجرد عذر؟! انظر إلى كم مرة اعتذر! ماذا لو كان يعلم أن الشرطة كانت تترصدنا؟!”
قال هان بريبة، مشيرًا إلى أن السرقة الأخيرة كادت تودي بهم إلى السجن.
” لا أظن أن سوك قد يخونني “قال الزعيم بثقة.
” و ماذا لو كنت مخطئًا؟ أنت تثق به أكثر من اللازم، أما أنا فلا. ناهيك أنه قتل والده بنفسه، ألا تتذكر؟! “صرخ هان.
” لقد كان ذلك منذ زمن، و كان من أجل أخته، لمَ تعيد الأمر دائمًا؟ ما الذي بينك و بين سوك؟ “سأله الزعيم.
” اسأل نفسك! أنت دائمًا تنحاز إليه و تتجاهلني! “احتجّ هان.
” ليس صحيحًا، ما الذي تقوله؟ “أجابه الزعيم.
” أليس كذلك؟ كل ما يفعله سوك تراه مثاليًا، أما أنا فلا تعيرني اهتمامًا أبدًا! أنا هنا أيضًا، لمَ يبدو و كأني غير موجود؟!”
” لا أظن أن أحدًا أفضل من الآخر “قال الزعيم بهدوء.
” إذًا لمَ لا تمنحني قيادة المعسكر؟ لمَ تخطط لتسليمه إيّاها؟ “سأله هان.
” لأنك متهور و لا تستمع حتى لأفكارك… لهذا لا أثق بك في القيادة. ثم إني لم أقل أبدًا إن سوك سيأخذ مكاني، كفّ عن غيرتك “قال الزعيم متنهّدًا و هو يغادر المكان.
“… إن لم تكن تقدرني، فلمَ علي أن أظل مخلصًا لك، بروينغ… “تمتم هان غاضبًا.
في تلك اللحظة، كان سوك غارقًا في أفكاره، عاجزًا عن مشاركة مأزقه مع أحد.
من جهة ابنه كنزه، حب حياته؛ و من جهة أخرى، تايغر بروينغ الذي منحه حياة جديدة، و كأنه أبوه الثاني. ربما عليه أن يضحي بنفسه، فبدونه لن يكون لـراما من يلاحقه، و سينتهي كل شيء. و مع ذلك…
مستلقيًا على سريره تحت ضوء مصباح خافت، نظر سوك إلى وجه طفله بعينين دامعتين من الحزن. هل كان هذا كارما من حياة سابقة، كما كانت تقول العجوز سوما، يدفعهم إلى اللقاء مرة بعد مرة؟ قبّل جبهة ابنه برقة، متمنيًا له أحلامًا سعيدة، ثم أمسك بكفه الصغيرة.
” قلبي الصغير… نوري… مهما حصل، ستحميك أمك. سأفعل أي شيء من أجلك… أعدك…”
همس سوك.
و في تلك الليلة، اتصل سرًا بـفينيانغ، طالبًا منها رعاية روب دون إخبار أحد، ثم غادر المعسكر خلسة.
و فاجأه المطر في الطريق.
كررش.
صوت خطواته على الخشب تردد وسط هطول المطر على السطح. لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كان كافيًا لإيقاظ صاحب المنزل. أسرع راما ممسكًا بمسدسه مركزًا سمعه. ثلاث طرقات منتظمة على الباب الرئيسي. خرج راما من غرفته و نظر من النافذة. فرأى رجلًا طويلًا يرتدي قميصًا صيني الطراز، و بنطالًا أسود واسعًا، و قبعة كولي، ومع ذلك، أدرك راما هويته فورًا.
كرااك.
” وصلت أبكر مما توقعت “قال راما و هو يفتح الباب.
“أتيت لتخبرني شيئًا أم أنك اشتقت إلي؟”
” أريد أن أتكلم عن شيء “قال سوك متجاهلًا سخريته، مركزًا على إعادة التفاوض.
” ادخل “رد راما.
قاد سوك إلى الداخل و أشعل الضوء، كاشفًا عن جذعه العضلي الذي لم يغطّه سوى سروال قطني، إذ لم يكن يرتدي قميصًا.
” خذ.”
قال راما، رامياً عليه منشفة غير مكترث بما إذا كان مبتلًا أم لا، رغم أن عينيه كانت تمسحان جسده بالكامل. جسده المبلل، و ملابسه الملتصقة، و جماله المتوهج…
ابتلع راما ريقه، يلعق شفتيه ليخفي توتره، بينما سوك كان يجفف وجهه و شعره دون أن ينتبه لنظرته.
” أتمنى أن يكون ما جئت لأجله مهمًا، و أنت تأتي في منتصف الليل هكذا “قال راما
” لدي عرض “رد سوك.
” و ما هو عرضك؟”
” سأعطيك كل المعلومات اللازمة للقبض عليهم، بشرط ألا تؤذي أحدًا من المعسكر، و لا تقتل أحدًا “قال سوك بعد تردد طويل، فقد بدا له هذا خياره الوحيد.
” لست قاسيًا كما يقولون، إن لم يقاوموا فلن أطلق النار. تظن أنني أريد المزيد من الذنوب؟ “قال راما، مدركًا لسمعته لكنه غير مهتم بنفيها.
” إذًا، توافق؟ “سأل سوك
” لا أريد دمًا، و لا قطرة.”
” و لمَ تهتم بالآخرين بدلًا من أن تفكر في نفسك و ابنك؟ “رد راما.
” تايغر بروينغ أنقذ حياتي، لولاه لما كنت حيًا الآن “أجابه سوك.
” و هل لهذا السبب قبلت أن تكون كلبه؟ “قال راما بازدراء.
” فكر كما تشاء “قال سوك بلا رغبة في الجدل.
“فقط عدني بذلك وسأنصرف.”
” دعني أخبرك شيئًا، سوك “قال راما، مقتربًا منه و عيناه تلمعان بحدة
“. أوامر رؤسائي واضحة: إلقاء القبض عليهم، أحياءً أو أموات. ما تطلبه كثير. تطلب مني مخالفة أوامر عليا.”
” إذًا لن تقبل؟ “سأل سوك.
” إن كنت تريد مني أن أوافق على أمر يناسبك فقط، فعليك أن تقدم لي شيئًا بالمقابل. شيئًا أكثر من اقتحام منزلي و النظر إليّ و كأنك تود قتلي.”
” ماذا تعني بذلك؟”
سأل سوك باحثا عن إجابة، لكن نظرة راما التي كانت حادة تحولت إلى رغبة جعلت جسد سوك يرتعش.
” … أمتعني، و ربما أغيّر رأيي “قال راما.
” أمتعك؟ ما هذا الهراء الذي تقوله؟”
” انزع ملابسك، أرني كم ستقدم مقابل نجاة قريتك “أمره راما.
لم يكن سوك ساذجًا، أدرك ما كان يقصده راما.
” أيها الحقير!”
صرخ سوك و هجم عليه غاضبًا، لكمه في وجهه و ركله بقوة في صدره. تراجع راما متأرجحًا.
” ها؟ تريد القتال؟ شجاع حقًا “قال راما و هو يلعق الدم من شفتيه.
” أجيد القتال جيدًا! في المرة السابقة لم أقاتلك لأني خفت على طفلي… اللعنة! كنت تعلم أنني حامل، و مع ذلك آذيتني أيها الوغد! قلت أنني كذبت؟ و إن كذبت، فماذا؟! هل لأنني لص أصبحت تكرهني؟! ألم تكن تحبني؟! كنت تردد أنك تحبني! و أنا… كنت أحبك كثيرًا! أحببتك لدرجة أنني بقيت معك و تركتك تلمسني حتى حملت منك! كيف استطعت معاملتي هكذا؟! آه… كيف فعلت بي كل هذا؟! “صرخ سوك، يفرغ كل ألمه.
” و في المرة السابقة أيضًا، استخدمت ابني كرهينة! كيف لي أن أقاتلك و ابني خلفك! أيها السافل! حتى أحطّ اللصوص لا ينحدرون لمستواك!”
” و إن كنت تحب ابنك لهذا الحد، لمَ تختبئ في معسكر لصوص؟! “صاح راما في وجهه.
” لدي أسبابي! حسنًا؟!”
” لا يهمني أسبابك! و لا يهمني كلامك! سأخرجك من هناك، حتى و لو جسدًا بلا روح! تظنني أريد رؤيتك تعيش كفأر هارب، و سمعتك ملطخة؟! “صرخ راما.
” فقط أَقْسِم! “صرخ سوك، لا يريد قتالًا بل تفريغًا.
“فقط قل إنك لن تؤذيهم! فقط… إن خضعت، فعدني ألا تتراجع.”
” لدي من الشرف ما يكفي كشرطي “قال راما.
” حسنًا “قبل سوك.
“… لا تعبس هكذا “قال راما، يقترب حتى تلاقت أنفاسهما.
“أم أنك تخاف الوقوع في حبي من جديد؟”
” لن أقع في حبك مرة أخرى أبدًا…”
قالها سوك باحتقار.
ضحك راما، و أمسك بعنقه و قرّب وجهه منه . “عيناك لا تكذبان، أيها الجميل… “همس، يلعق الندبة على خد سوك بطرف لسانه.
” أكرهك. أكرهك بشدة. أكرهك كثيرًا يا راما…”
قال سوك و هو يضغط على أسنانه، و الحقد يملأ عينيه، بينما راما يضحك بلا رحمة.
” سأدّعي أني صدقتك.”
قالها راما بابتسامة شريرة، ثم أجبر سوك على رفع وجهه ليبدأ قبلة جائعة. قاوم سوك، و أطبق شفتيه رافضًا الانصياع.
” هيه… لست في موقع يسمح لك بالرفض. افتح فمك “أمره راما.
و بعد لحظة، خضع سوك و سمح للسان راما باقتحام فمه بوحشية دون أثر للحنان. و دون أن يشعر، بادل سوك القبلة، ضائعًا وسط زخم اللحظة، و صوت المطر يتداخل مع أنفاسهما. ثم نزل راما إلى عنق سوك، يشم العطر الذي اشتاقه منذ أربع سنوات. و مع أن سوك لم يكن صغيرًا، إلا أن راما حمله بسهولة و سار به إلى غرفة النوم.
” انزع ملابسك… أريد أن أرى زوجي بلا شيء على جسده.”أمره راما
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!