تقدمت شاحنة قديمة على طريق ريفي محاط بحقول أرز خضراء و منازل متواضعة جدا، معظم السكان مزارعون و بستانيون.
كلما تعمّقوا قلّ الناس، حتى توقفت الشاحنة أمام منزل كبير، يبدو جميلا جدا من الخارج. خلف المقود شرطي شاب، لا يزال وسيما كما كان دائما، و بجانبه رجل ذو بشرة داكنة و ندبة على الوجه يحمل طفلا نائما في حضنه، فقط صوت أنفاسهم يؤكّد أنهم ما زالوا أحياء.
“جاهز، هنا”
“…”
نزل سوك من الشاحنة، يراقب المنزل ذو الطابقين أمامه، خارجُه يدل على العظمة، مع ملحق للعمال و بحيرة و جناح بجانبها. الطبيعة المحيطة تحت ظلال أشجار كبيرة و صغيرة، هادئة و مرحِّبة جدا.
“أعطني الطفل”
اخد راما روب بين ذراعيه، استيقظ الطفل ناعسا.
“أمي”
“شش، أمسكتك”
“لمن هذا المنزل؟”
سأل سوك، لم يرد راما فورا، بل مشى يقود سوك عبر المنزل إلى حديقة خلفية، يتوقف أمام مذبح مع إناءين و تقديمات في صورة مشوشة، امرأة تشبه راما كثيرا.
“هؤلاء والدايَّ ماتا قبل خمس و عشرين سنة في سرقة”
شرح راما.
“…”
حافظ سوك على صمته.
“سألت عن السبب في كرهي للصوص كثيرا. تيغر إيب قتل والديَّ بطريقة فظيعة، لهذا اخترت واجبي و انتقامي فوق كل شيء في حياتي. تلك الأمور كانت أوضح من أي شعور، و لم أستطع التخلّي عنهما مهما أردت”
اعترف راما.
نظر سوك إليه بعيون حزينة، لم يعرف أن راما حمل ألمًا كهذا طوال الوقت.
“روب، سلِّم هؤلاء والديَّ و أجدادك”
راما ينحني ليتحدث إلى الطفل قبل أن يتركه على الأرض.
“حسنا، مرحبا أجداد”
رد روب، ينظر بعيون كبيرة و يسجد سجودا لطيفا و غير ماهر. لو كان والداه حيّين، لكانا سعيدَين جدا بحفيدهم، يحبّانه و يمنحانه كل شيء، لكن القدر لم يسمح لهم. كانت سائبة.
داخل المنزل، كان كل شيء كما يتذكره راما، صور، أثاث، ذكريات.
نظر سوك إلى صورة الرجل في زي الكاديت الشرطي، بوجه شاب لكنه شديد الوحشية، خاصة تلك العينين القويتين و القاسيتين.
بحذر، أخرج سوك صورة دائما يحملها، و أرها لرَاما، صورة له في تخرجه من الأكاديمية.
“من أين أخذتها؟”
سأل راما، يعقد حاجبيه.
“هي لي. لو لم يحدث ما حدث، لكنتُ شرطيا أيضا. سأكون في مجموعة ما أظن”
اعترف سوك.
“لا عجب أن تعرف من أنا”
“هكذا، كنتَ مشهورا بين الكاديت. كلهم يعجبون بك و يريدون أن يكونوا مثلك. أنا كنت واحدا منهم”
أدمجت سوك يده بدعوة، “أخا أكبر”، مرة أخرى بصوت صغير جدا.
“إذن كنت تحبّني منذ ذلك الحين؟”
مزح راما.
“و حسب، إنما أعجبت بك فقط”
صحح سوك، مزعوجا من غروره.
“من كان يتخيل أننا سنلتقي مرة أخرى، و أن ما يحدث حسنا، تعرف، هذا”
“صحيح”
أقر راما.
“لماذا أحضرتنا هنا؟”
سأل سوك.
“بعيدا عن الناس، خاصة. و هي لك تماما، أريد أن أعطي هذا المنزل لك و لروب. لا يجب أن تعود هناك مرة أخرى. أعني أنك آمن”
قال راما، يشير إلى المكان حيث يعيشان بايتونغ و سايجاي، لأنه لم يترك سوك يمرّ الحدود معهما. بروانغ أوكله إلى راما قبل الموت.
في ذلك اليوم، جاء راما إلى المعسكر بعد شعوره بسوء سلوك سوك المشبوه. واجه اللصوص في مشهد دام، و قتل تيغر يود و تيغر خان بيديه. ثم نادى القوات الشرطية، فتمكّنوا من القبض على اللصوص الصغار، بعضهم هرب، و بعضهم استسلم. للذين استسلموا، عرض راما حياة جديدة، أما الذين قاوموا، فقتلهم بلا رحمة، خاتما أرواحهم حتى لا يعودوا إلى هذا العالم.
“تُعطيني هذا المنزل، ماذا؟”
سأل سوك.
“أجل، كان لجدتي الكبرى. وُلدت هنا و بقيت حتى الخامسة من عمري، عندما انتقلت مع أبي إلى العاصمة. لكن كل صيف كانت أمي تأخذني للعطل. مكان آمن لك و لروب. أعدك”
شرح راما.
“و أنت ماذا ستفعل؟”
سأل سوك، يحبس نفسه، يخشى الجواب.
“تيغر سوك مات في هذا العالم، أمامي فقط سوك أب روب”
قال راما، ينظر إلى الطفل الذي يلعب على الأرض. “أينما كان زوجي و ابني، سأكون هناك، إذا لم تكرهني إلى حد غير التحمل.”
“اخترت أن تتركنا نحن، رغم كل أسبابك. كانت قسوة مطلقة، و في ذلك الوقت كاد الألم أن يقتلني”، قال سوك.
“لا أتوقع غفرانك الآن. أفهم، لكن أريد أن أشتهي حقا أن تفعل يوما ما. سأستعمل باقي حياتي لتعويضك أنت و روب” وعد راما، “فقط”.
“…”
“أعطني فرصة لأثبته”
حافظ سوك على الصمت.
“سوك، لا يجب أن تصدّقني. فقط دعني أعتني بهم”
أصر راما.
“إذن اعتنِ بنا”
قال سوك بعد توقف طويل، “أرني أنه حقيقة”.
كان قلبه مقسوما، لكن جزءا واحدا، الأقوى، أراد أن يكون راما بجانبه مرة أخرى.
قرر الثقة مرة أخرى، تأمل أن يشفي الوقت الجروح الباقية.
راما، من جانبه، تعلم أيضا من معسكر النمور.
قبل ذلك، كان عالمه أبيض أو أسود، صحيح أو خاطئ، لكنهما علّماه أن بين الخير شرّا، و بين الشر خيرا، لا شيء كامل، و كل شيء يعتمد على اختيارات كل فرد.
من كان يظن أن شرطيا مثله، يكره اللصوص حتى العظام، سينتهي معشوقا لرجل، و مع صديق كانوا نمورا؟ كان من الصعب تصديق ذلك، لكنه حدث.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!