فصل 1

فصل 1

تحدث أحد التوأمين بنعومة، و انحنى قليلا إلى الأمام.

ضحك غرايسون ضحكة قصيرة، خفيفة. و بينما كانت الأنظار تتجه نحوه بحيرة — و قد لفت انتباههم ذلك التعبير الغريب من الرضا على وجهه — رفع كأسه إلى شفتيه، و قال بهدوء:

“إن كان شريكي المقدر هناك.. فليس ثمة ما يعجزني.”

بمجرد أن أنهى كلماته، خفت بريق الأمل في عيني أحد التوأمين، بينما أطلق الآخر ضحكة قصيرة، مشوبة بعدم التصديق. و مع ذلك، كانت أعظم نقاط قوتهما.. قدرتهما على استعادة رباطة جأشهما بسرعة، مهما كان الموقف.

“غرايسون رومانسي حقا،” قال أحدهما بنبرة لطيفة، و كأنه يثني عليه بإخلاص. و لم يتأخر الآخر، فأضاف بحماس، كما لو كان ينتظر فرصته:

“الإيمان بالقدر، و السعي خلفه بكل ما لديك.. أمر مثير للإعجاب فعلا. في هذه الحالة، ما رأيك أن تساعدنا في إطلاق بعض الفيرومونات؟”

بالنسبة للألفا المهيمنين، لم تكن هناك وسيلة أكثر كفاءة لإطلاق الفيرومونات من.. الجسد. و بطبيعة الحال، لم يكن غرايسون يتردد في اللجوء إلى تلك الوسيلة، بل كان يفعل ذلك باستمرار.

فهو، في نهاية المطاف، كان يبحث دائما عن “شريكه المقدر”. و بما أنه لم يكن يعاني من نقص في الشركاء، فقد كان تخفيف الفيرومونات المتراكمة أمرا يسيرا عليه.. سهلا.. و متكررا.

كان الرجلان يعلمان ذلك جيدا، و لهذا، كان تطلعهما لما قد يمنحه غرايسون واضحا، لا لبس فيه. امتدت يد أحدهما إلى جسده بحركة جريئة، بينما انزلقت يد الآخر إلى فخذه الداخلي، و عيناه تشتعلان برغبة مكشوفة. كانا على حافة الانفلات، كأن الانتظار نفسه.. عذاب.

“آه.. لكن.. ألن ينتهي كل هذا، حالما تجد ذلك الشخص؟”

توقف أحدهما فجأة، و كأنه أدرك شيئا متأخرا. نظر إليه الآخران بقلق، غير أن غرايسون أطلق ضحكة خفيفة، و قال بلا اكتراث:

“أي هراء هذا؟ الحب و الجسد أمران منفصلان.. أليس كذلك؟”
ثم أضاف، و كأن الأمر لا يستحق التفكير: “و إلى جانب ذلك.. هذا مجرد تفريغ للفيرومونات. مسألة بقاء.”

كان كثير من الألفا يتعاملون مع أكثر من أوميغا في الوقت نفسه. و رغم أن البعض وصف غرايسون بأنه فاسق حتى بين نظرائه، إلا أنه لم ير في ذلك إلا مبالغة سخيفة. هو لم يفعل سوى البحث؛ بحث متكرر.. عن قدر واحد. و كلما تبين له أنه أخطأ، و أنه مجرد وهم — أنهى الأمر، و مضى قدما. تجربة، و خطأ.. أليس هذا.. طبيعيا؟

أما الفيرومونات — فذلك أمر آخر. ضرورة؛ شيء أقرب إلى الوقاية من مرض لا يرى.

كان التوأمان يدركان ذلك، بل و يدركان هشاشة منطقه، و مع ذلك.. لم يعترضا. فطالما أن غرايسون على هذه الحال، فإن ذلك يصب في مصلحتهما.

“إذن لا بأس، صحيح؟ ما دمت لا تملك أحدا الآن.”

“لنطلق الفيرومونات معا.”

تشبثا به، و رغبة واضحة في إرضائه. في تلك اللحظة، لم يكن هناك حد لما قد يقبلانه. لو أمرهما بالزحف على أربع، لفعلا دون تردد. الخجل.. لم يكن ضمن حساباتهما، كل ما شغلهما.. هو اللذة التي قد يمنحها لهما.

اشتدت رائحة فيرومونات غرايسون — التي كانت دائما تحيط به بخفة — حتى غدت أثقل، و أعمق. و لم يمض وقت طويل حتى بدأت أنفاس التوأمين تختل، و عيونهما تذوب في ضباب كثيف.

انحنى نحوهما، و قبلهما بالتناوب. امتد لسانه بنعومة، متداخلا مع لسانيهما، ناشرا دفء الفيرومونات في أعماقهما. ارتجفت بطونهما، و اشتعلت الرغبة فيهما حد الاختناق.

راقبهما غرايسون بابتسامة خافتة، بينما أنهى شرابه بهدوء. كانا ينتظران اللحظة التي يضع فيها الكأس.. ليجذبهما إليه، لكن — همس فجأة، بصوت هادئ:

“آسف.. لكن علي أن أغادر الآن.”

“..هاه؟”

لم يستوعبا كلماته فورا، رمشا بذهول. و أضاف، بنبرة خفيفة أقرب إلى المزاح:

“أليكس لا يحب النوم وحيدا.”

“أليكس؟”

“كلبك؟ الروتوايلر؟”

تبادلا النظرات، و الفهم يتسلل إليهما ببطء، لكن غرايسون كان قد نهض بالفعل، بلا أدنى تردد.

“انتظر — لحظة، غرايسون!”

تمكن أحدهما من الإمساك به بصعوبة، و صرخ: “إلى أين تذهب؟ ألم تكن ستبقى معنا؟”

حتى و هما في ذروة اضطرابهما، كان صوتهما يحمل رجاء حقيقيا، أما الآخر، فقد كان على وشك البكاء. و حين رأى تعابيرهما، عبس غرايسون.. و ضحك.

“أنا؟ و لماذا؟”

ثم أضاف، بنبرة لطيفة على نحو مفاجئ: “لا أشارك الفراش مع شخص سبق و شاركته.”

“غرايسون!”

“لا تذهب!”

“أيها الوغد—!”

تلاشت أصواتهما خلفه، و لم يلتفت. خلفه، كانا يتلويان من أثر الفيرومونات التي تركها، أما هو — فكان قد فقد الاهتمام بالفعل.
في الخارج، تغير كل شيء فجأة.

“اتركاني!”

دفع التوأمان الموظفين بعيدا، و عيونهما محتقنة، خليط من الرغبة و الغضب. ثم، و كأنهما تعقبا أثرا غير مرئي، اندفعا في اتجاه واحد — حيث ذهب غرايسون.

في تلك الأثناء، كان هو يسير في الرواق، يدندن لحنا خفيفا. فكر بسخرية: الأوميغا.. يكفي دفعة صغيرة من الفيرومونات، و يفقدون السيطرة. ابتسم؛ كان توسلهم له.. مسليا. لكن البقاء؟ مضيعة للوقت. لم يكونوا قدره، و حتى كوسيلة.. لا حاجة لإعادة التجربة.

قبل يومين فقط، كان قد فرغ فيروموناته، لا داعي لبذل جهد إضافي.

و رغم ذلك — جاء إلى هذا الحفل، أملا.. في العثور على قدره. و مرة أخرى — لا شيء.

“النار..”

عبس دون وعي؛ كلمات العرافة.. لم تغادره.

“تف.”

نقر بلسانه، و توقف عن الدندنة. شعور مفاجئ بالضجر اجتاحه. كم مضى من عمره.. يطارد ذلك “القدر”؟

“ستلتقي بشخص كهذا يوما ما.”

صوت الأوميغا الذي أنجبه؛ كأنه لعنة. و هو — ما يزال وحيدا.
تنهد، و أدخل يديه في جيبيه. و في تلك اللحظة — شعر بشيء. حضور ثقيل.. يقترب بسرعة من الخلف.

“ما —”

استدار.. متأخرا.

ضربة حادة ارتطمت برأسه، و لأول مرة — سمع الصدى داخل جمجمته.

ثم.. سقط كل شيء في صمت مفاجئ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!