فصل 28

فصل 28

فتحَ لي وون البابَ دون تفكير، فكادَ أن يصطدمَ بـقيصر الذي كان يسيرُ في الرِّواق. كان قيصرُ يرتدي عادةً ملابسَ غيرَ رسمية لأنه يمكثُ في المنزل طوال الوقت، لكن اليوم كان مختلفًا؛ فقد بدا كخادمٍ نبيلٍ بهيئةٍ صارمة، مرتديًا بذلتَهُ الرمادية، وذراعاهُ معقودتان خلف ظهره، كما رآهُ لأول مرة. ابتسم قيصر وقال للي وون، الذي توقّف فجأةً وعيناهُ متّسعتان دهشةً:
“آه، كم اشتقتُ لهذه اللحظة الجميلة.”
لم يقل لي وون شيئًا وهو يراهُ يفتحُ ذراعيه. لكن أحداث الأمس عادت فجأةً إلى ذهنه، فانفجر غضبًا. اندفع لي وون ودفع الوثائق التي كان يحملها نحو قيصر، الذي كان يمدّ ذراعيه نحوه. التقط قيصر الوثائق انعكاسيًا، فقال لي وون بحدّة:
“سنراجع كلَّ هذا اليوم، ونتحدّث عنه.”
ثم استدار لي وون ودخل غرفة الدراسة. سُمِعَ ضحكُ قيصر خلفه، فعقد حاجبيه بضيق. ما الممتعُ في التلاعب بالآخرين إلى هذا الحد؟ في النهاية، إنهم مافيا. مرّر لي وون يده في شعره بعنف.
لم ينتهِ عمله حتى وقتٍ متأخر. اضطرّ لي وون للعودة وقراءة المكان ذاته مراتٍ عديدة أثناء مراجعة الوثائق. كان يظنّ أن عليه أن يكون لامعًا، لكنه في قرارة نفسه لم يكن مقتنعًا بذلك.
حين لا تسير الأمور جيدًا، كان يتوتر. لقد تولّى هذه المهمة لإنهاء محاكمة نيكولاي، لكن بدل البحث عن الأدلة، كان يضيّع وقته في أعمالٍ ورقيةٍ لا تنتهي.
كم من الوقت يمكنه الاستمرار هكذا؟
بعد ساعاتٍ من التكرار العبثي، استسلم أخيرًا وألقى بالأوراق جانبًا. لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا. احتاج إلى تهدئة ذهنه قليلًا… ماذا لو خرج في نزهة بعد هذا الوقت الطويل؟
تذكّر الأيام الماضية حين كان شبهَ محبوسٍ في المنزل بسبب الثلج، فنهض بحماس. ترك ما كان يفعله، وعاد إلى غرفته عبر الباب المتصل بغرفة الدراسة، ارتدى معطفه وغادر.
في تلك اللحظة، جاءه صوتٌ هادئ من الخلف:
“هل تحتاجُ شيئًا؟”
كما توقّع، التفت لي وون، فوجد الخادم واقفًا ينظر إليه. كان من الصعب عليه التكيّف مع ظهور الخادم المفاجئ في كل مرة، وكأنه يراقبه دائمًا.
وعندما لاحظ نظرات الخادم تتجه إلى معطفه، قال:
“فقط أريد التمشي قليلًا.”
لمعت عينا الخادم لوهلة، ثم قال ببرود:
“أحقًا؟ انتظر لحظة…”
اختفى، ثم عاد وهو يحمل قبعةً فروية:
“قال السيّد أن ترتدي هذه إن خرجت.”
نظر لي وون بصمت إلى قبعة الـ”شابكا” ذات الفرو الكثيف. لم يكن يرغب في ارتدائها، لكنه تخيّل البرد في الحديقة المغطاة بالثلج، فشعر بالقشعريرة. بعد لحظة، شكره باقتضاب ووضعها على رأسه.
“هل ستطيل الخروج؟”
تردّد لي وون قليلًا، ثم قال:
“ربما… سأعود وقت العشاء.”
أجابه الخادم:
“سيُحضَّر الطعام متى شئت، فلا تتردد في العودة.”
أومأ لي وون شاكرًا وغادر القصر. ظلّ الخادم يراقبه بعينين نافذتين وهو يسير في الممر المُزال عنه الثلج.
امتدّت الحديقة أمامه بلا نهاية، مكسوّةً ببياضٍ أخّاذ. كانت جميلةً لدرجة أن أيّ شخصٍ سيرغب في التجوّل فيها… لكن لي وون لم يشعر بذلك الجمال. كانت أفكاره تتقافز بلا توقف، وعجز عن تهدئة ذهنه.
مدّ يده دون وعي ليعدّل قبعته، فتذكّر فجأةً أصابعًا طويلة كانت تعبث بشعره. عقد حاجبيه واستمر في المشي. كانت أفكاره متشابكة بين محاكمة نيكولاي وإنكار بيردياييف.
حاول تجاهلها، لكنها عادت. عينان فضّيتان، شفتان مبتسمتان بخفّة، وأصابع تمتد نحوه…
غطّى أذنيه فجأةً ثم عبس:
“لماذا أفكّر في هذا؟”
لم يكن منزعجًا من ذلك الرجل، بل من نفسه. كان يكره أن يتأثر بشخصٍ يسخر منه عمدًا.
ركل جذع شجرةٍ مخروطيةٍ قديمة. اهتزّت بعنف، وصدر صوتٌ مكتوم… ثم جاء الخطر.
دوى هديرٌ فوقه، وسقط ظلٌّ ثقيل. رفع رأسه—
وفي اللحظة التالية، سقطت عليه كتلةٌ هائلة من الثلج.
انهار على الأرض، عاجزًا حتى عن التأوّه. بصق الثلج من فمه بصعوبة، وخرج من تحت الكتلة المتراكمة. كان مظهره كارثيًا؛ القبعة مسحوقة، والمعطف مبلل، والبرد يتسلل إلى جسده.
“اللعنة!”
ركل الشجرة مجددًا، ثم لوّح بقبضته في الهواء. كان على وشك الانفجار. عاد إلى القصر وهو يتمتم بالشتائم.
كل هذا… بسبب ذلك الرجل.
عندما عاد، كانت الشمس تغرب. بعد نصف ساعة من المشي، بدأ الجوع ينهشه. كان يرتجف من البرد، فاتجه إلى غرفته بسرعة.
فتح الباب—
وشعر بشيءٍ مريب.
تسلّل توترٌ غريب إلى المكان. فتح الباب ببطء…
ثم اندفع فجأةً نحو الدرج، وصرخ:
“من أنت؟!”
ارتبك الرجل الذي كان يفتّش الغرفة بمصباحٍ يدوي. حاول الهرب، لكن لي وون اندفع خلفه:
“أيها الوغد، إلى أين تذهب؟!”
أمسكه من كتفه وسدّد له لكمةً قوية. سقط الرجل ثم نهض واندلعت بينهما معركةٌ في الظلام.
تبادلا اللكمات والركلات وسط الغرفة. كان القتال فوضويًا وعنيفًا.
فجأة—
صوتُ محرّك سيارةٍ خارج القصر.
تردّد لي وون لثانية… وكانت غلطة.
استغل الرجل الفرصة، وضربه بمرفقه على صدغه. ترنّح لي وون، بينما فرّ الرجل.
“توقّف!”
ترنّح وهو يخرج خلفه، لكن الضوء اشتعل فجأةً—
وأغمض عينيه بقوة.
“ماذا حدث؟!”
كان الخادم قد وصل مسرعًا.
فتح لي وون فمه أخيرًا ليتكلم…

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!