“لا أستطيع الكف عن الضحك على تشيوا،” قال هيمارات بلهجة متهكمة.
“كفً عن مضايقته،” رد نيران محاولا لجمه.
“الأمر هو أن هذا الفتى، حتى لو قدمت له سما، لالتهمه دون تردد،” واصل هيمارات سخريته.
“و لماذا قد أقدم لـ تشيوا سما من الأساس؟”
كان نيران يتجادل مع هيمارات بينما كان بارنشيفا يقتفي أثرهما بخطى وئيدة، دون أن يبتعد كثيرا. كانا قريبين جدا، و مع ذلك لم ينفك صديقه عن نكء جراح الحرج لديه؛ فما خطبه حقا؟
لا بد أن حرارة الطعام قد فعلت فعلتها في نفسه أكثر من المعتاد، و لكن كبرياءه منعه من الاعتراف بذلك. و لم يكن الأمر مجرد رغبة في أن يطعمه نيران حتى و فمه يحترق، كما لمّح هيمارات بخبث.
لقد بدأت عطلتهم بالفعل، و لكن أروقة المدرسة لم تخلُ يوما من الضجيج؛ فالطلاب الأصغر سنا كانوا يتوافدون يوميا للتحضير للفعالية الرياضية المرتقبة في الشهر المقبل.
كان نيران و رفاقه قد خبروا تلك الطقوس من قبل؛ من تدريبات الغناء إلى رسم اللافتات و تقديم العون في كل زاوية. كان يرجو بأن مهامه كطالب في السنة النهائية ستكون أخف وطأة، و لكن خاب ظنه؛ فما زال العمل يتراكم فوق كاهله.
اجتمع هيمارات و ثارا و ثيبوك للدراسة معا، رغم تباين تخصصاتهم المستقبلية. و في الحقيقة، لم يكن نيران يشعر بحاجة ملحة للدراسة المكثفة، فمن المرجح أن تفتح له منحة رياضية أبواب الجامعة. و علاوة على ذلك، كانت درجاته مرضية تماما، قياسا بالوقت الذي يكرسه للتدريب الشاق.
في ذلك اليوم، عزم نيران على استغلال حصة التدريب ليلقن تشيوا مبادئ الجودو. ساروا نحو الصالة الرياضية، تاركين هيمارات في انتظار ثارا و ثيبوك. و دلف ‘المدرب المرتجل’ و تلميذه الجديد إلى غرفة التبديل لتغيير ملابسهما.
“هل يسعني حقا الانضمام لتدريب الجودو؟ ألن يعترض أحد على وجودي معك؟” سأل تشيوا بحذر.
“بالطبع يمكنك ذلك؛ فالصالة ليست حكرا على أحد. و من يملك الرغبة في التعلم، فالباب مفتوح له في أي وقت. و الحق أنني أبتهج بوجود مهتمين جدد بهذه الرياضة.”
فتح نيران خزانته، و أخرج زي الجودو و حزامه و سلمهما للشاب الفارع. “ارتدِ هذا، غرفة التبديل هناك، و سأنتظرك فوق الحصيرة حين تنتهي.”
“حسنا.”
حين خرجا، وجدا ثارا و ثيبوك قد وصلا، و كل منهما يحمل حقيبة مثقلة. لو أراد نيران التخمين، لقال إنها تكتظ بالكتب، و لو أمعن النظر، لعرف أنها تخفي وراءها ترسانة من الوجبات الخفيفة.
“أين ستحطون رحالكم للدراسة؟”
“هناك، على مقربة من المسبح؛ فلعل النسمات هناك تكون أكثر رأفة بنا.”
“كما تشاؤون.”
كانت صالة الجودو تجاور مسبح المدرسة، فسلك الرفاق بابا جانبيا نحو طاولة تحت شجرة وارفة؛ مكان يبعث على الانشراح. ضيق نيران عينيه و هو يراقبهم و هم يرتبون الوجبات الخفيفة فوق الطاولة بنظام عجيب.
أما الكتب؟ فلم يظهر سوى كتاب واحد هزيل. لقد جاؤوا لـ ‘ادعاء’ الدراسة لا لممارستها فعليا.
“أليس عضو نادي الفلك قادما؟ هل يود التعلم هو الآخر؟ يمكنني تولي أمره،” علق أحدهم بتهكم.
“لقد حضر جوميوت اليوم، و لكنه ربما استقام في طريقه نحو النادي مباشرة،” أجاب نيران.
“ألديهم أنشطة في هذا الوقت أيضا؟”
“نعم، إنهم بصدد ابتكار جهاز لاكتشاف الحياة خارج كوكب الأرض.”
“…”
“إذن، من أين نبدأ؟” سأل بارنشيفا بجدية.
تمكن نيران أخيرا من رؤية الصبي بالزي الكامل؛ و لا يمكن إنكار أن الزي قد أضفى عليه هيبة الرياضيين بفضل قامته الممشوقة و ثبات جسده، على نقيض الطلاب الذين يميلون للتراخي.
“سنبدأ بتمارين الإحماء أولا.”
وقفا وجها لوجه، و كان نيران يؤدي الحركات كعرض توضيحي، بينما كان بارنشيفا يحاكيه بدقة متناهية لا تشوبها شائبة.
بعد الفراغ من الإحماء، حان وقت الجد. “أخبرني بصدق، هل تملك أي دراية سابقة بالجودو؟”
“..أعرف القليل فقط، و لكني كدت أنسى كل ما تعلمته.”
“إذن، سنبدأ بتعلم الوضعية الأساسية.”
لم يدرِ نيران أهي اللياقة البدنية العالية أم موهبة فطرية، و لكن بارنشيفا تبنى الوضعية من المرة الأولى و كأنه خُلق لها. مال رأس نيران بتعجب؛ فقد تذكر حين لعبا كرة السلة معا و زعم تشيوا حينها افتقاره للمهارة، و لكنه في الواقع كان يوارِي براعة واضحة.
هل يكرر الكرة الآن؟ توجب على نيران التحقق من ذلك.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على محيا نيران قبل أن يشرع في تلقينه تقنيات أكثر تعقيدا بوتيرة متسارعة. و مما رآه، أدرك أن بارنشيفا لا يعرف ‘القليل فقط’ بل لديه مستوى يقترب من الاحتراف.
و مع ذلك، لم يكن ذلك كافيا لإشباع فضول نيران، فأراد اختباره في نزال حقيقي؛ فالقتال يستلزم سرعة البديهة و اتخاذ القرار في جزء من الثانية. أراد أن يرى رد فعل تشيوا في مأزق كهذا.
فجأة، غمر نيران شعور غريب، و كأنه يضع يده على سر لم يلحظه سواه. ربما كان بارنشيفا يتعمد هذا الارتباك المصطنع، يكشف عن براعته بجرعات محسوبة ليبقي نيران مفتونا بهذا ‘الاكتشاف’ التدريجي.
أو ربما كان نيران يبالغ في التفكير فحسب.
“قلت إنك تعلمت سابقا.. فهل تذكرت أي تقنية؟”
دنا نيران منه بحذر، و قبض على ياقة زي الشاب الطويل، و غرق في عينيه. “حين تشرحها لي، أشعر أن الذاكرة تعود إليّ.”
“حقا يا تشيوا؟”
“..نعم.”
“حسن، إذن..”
أحكم نيران قبضته، و أدار جسد تشيوا في وضعية تشبه مقدمة القفل الخلفي؛ و في الحقيقة، بدا الموقف و كأنه عناق دافئ. و لكن قبل أن يطول الموقف، دار نيران بجسده و أطاح ببارنشيفا على ظهره فوق الحصيرة.
صفير!
انحرفت نظارات بارنشيفا قليلا، فانحنى نيران ليعيدها لمكانها بعناية. لاحظ نيران أن الصبي حاول موازنة حركته بدقة متناهية قبل السقوط، و كأن مهارته تأبى الاستسلام. يا لذكائه! هل تظاهر بالجهل فقط ليدنو منه؟
“هل آلمك السقوط؟ أتود الاستمرار؟”
“يمكننا المواصلة.”
راودت نيران رغبة في سؤاله صراحة: لماذا تطلب التعليم و أنت تتقن الفن؟ و لكنه آثر الصمت و الاستمتاع باللعبة.
“أتريد تعلم تقنية أكثر تقدما؟ و لكن لو أطحت بك فعليا.. فقد يؤلمك الأمر.”
“لن يؤلمني،” أجاب بارنشيفا بثقة مطلقة، و كأنه يرحب بالسقوط مجددا.
إذن، سيمضي نيران في هذه اللعبة حتى نهايتها.
لقنه تقنية أكثر تعقيدا، و انخرطا في التدريب في الوقت الذي حضر فيه هيمارات للمراقبة، مدعيا السأم من “الدراسة” المزعومة. و سرعان ما لحق به ثارا و ثيبوك.
تولى ثارا مهمة تسجيل النقاط، كونه رفيق نيران في تدريبات الجودو لسنوات، و لا شك أنه لاحظ براعة بارنشيفا الكامنة؛ فقد تبادل مع نيران نظرات ساخرة تفضح المستور.
كان بإمكان نيران إنهاء التدريب، و لكنه أراد معرفة المدى الذي سيصل إليه بارنشيفا. متى سيكشف عن مخالبه و يقاتل بجدية؟ و هل سيظل يرضى بالسقوط مرة تلو الأخرى؟
لقد كان يبالغ في استسلامه، تماما كما فعل مع الطعام الحار الذي أبكاه لمجرد أن نيران هو من أطعمه إياه.
تتطلب رياضة الجودو تلاحما جسديا وثيقا؛ مراقبة الخصم عن قرب و اقتناص نقاط ضعفه. و حين أعطى ثارا الإشارة، واجه الاثنان بعضهما. مال رأس نيران بابتسامة غامضة؛ فأحدهما كان يتملكه التوتر.
و لكن، لم يكن هذا وقت الخجل. رمش بارنشيفا ببطء، و قبل أن يستوعب، كان نيران قد غزا مساحته الشخصية، محدقا فيه عن قرب شديد. حاول الشاب التراجع، و لكن نيران كان أسرع، فأطاح به مجددا.
صفير!
و كادت النظارات أن تفارق أنفه مرة أخرى.
“نيران يتعمد مضايقة تشيوا،” علق أحدهم.
“أضايقه؟ لست أفعل ذلك عمدا،” رد نيران و هو يساعده على تعديل نظارته. “آسف، هل تأذيت؟”
“لا،” أجاب تشيوا باختصار.
“أتود التوقف؟ أم نواصل؟ لأنني سأطيح بك مجددا إن استمررنا.”
“..إذا رغبت في مواصلة تعليمي، فأنا راغب في التعلم.”
واو، هذا الصبي فريد من نوعه حقا.
و هكذا، انتهى المطاف ببارنشيفا و هو يتلقى الطعنة تلو الأخرى فوق الحصيرة. حاول نيران استفزازه ليخرج ما في جعبته، و لكن دون جدوى؛ فقد آثر بارنشيفا الخسارة في كل مرة.
“ظهري يؤلمني بمجرد المشاهدة،” قال هيمارات. “كفى يا تشيوا، لا تحاول تحديه أكثر. تعال لترتاح؛ فقد نال مني التعب و أنا أراقبكما.”
“و لمَ أنت متعب و أنت لم تحرك ساكنا؟”
“روحي هي من تخبرني بذلك،” أجاب هيمارات و هو يتظاهر بالإنهاك.
نظر نيران إلى الصبي المستلقي فوق الحصيرة و ابتسم، ثم جلس بجانبه متربعا. “اسأل تشيوا إن كان يطلب المزيد.”
“..فما قولك؟ أتود المتابعة؟”
“حسن، هذا يكفي،” قال بارنشيفا أخيرا.
أومأ نيران و استلقى بجانبه على ظهره، متأملا سقف الصالة باسترخاء لم يعتده؛ ففي التدريبات الرسمية، كان عليه النهوض فورا بعد كل سقوط. و لكن اليوم، سمح لنفسه بالاستمتاع باللحظة، فالمكان هادئ و لا حاجة للعجلة.
جلس نيران و رفاقه حول الطاولة، مخلفين وراءهم جلبة المدرسة.
قال نيران بابتسامة: “لنذهب لتناول شيء ما، فقد نال الجوع مني.”
“كان يجدر بنا الذهاب منذ أمد، و لكنكما كنتما منشغلين بجودو المشاعر،” مازحه هيمارات.
“أتعلم ماذا..؟”
“هذا الفتى لا يفقه شيئا،” قاطعه ثارا بضحكة.
“الأفضل أن تطعمنا قبل أن يشرع في فلسفاته، فأنا أتضور جوعا!” صاح هيمارات.
انفجر نيران ضاحكا، و هز كتفيه و هو ينظر نحو تشيوا، الذي اشتعلت أذناه حمرة من جديد.
قصدوا مطعما منزليا قريبا، يشتهر بطبخ ‘العمة تانغ’ الذي يعشقه نيران. و كعادتهم، ختموا جولتهم في متجر الآيس كريم لتناول ‘البانغويث’ مع الثلج المبشور، و كان على الجميع أن يطلب صنفا، دون استثناء
“أفتقد نونغ جوميوت، لا أحد يشاركني جنوني،” اشتكى هيمارات.
“نونغ جوميوت منشغل الآن باختبار جهاز كشف الحياة خارج الأرض،” قال بارنشيفا و عيناه تلتمعان. “إن رغبتم، يمكنني أخذكم لنادي الفلك هذا العصر لرؤية الجهاز.”
ألقى نيران نظرة مفتونة على بارنشيفا، بينما تبادل البقية نظرات صامتة مفادها: “لنذهب، فالدراسة لا تعنينا الآن”.
صعدوا السلالم نحو الطابق العلوي من مبنى العلوم، و كان الممر يلفه صمت غريب رغم رغم حرارة النهار الشديدة.
“لماذا أشعر بطاقة مريبة تنبعث من هذا المكان؟” قال هيمارات و هو يضم ذراعيه لصدره. نظر ثيبوك حوله بشك، بينما أدرك ثارا أن مخاوف هيمارات لم تكن حقيقية..
“تعالوا، الاختراع أوشك على الاكتمال،” قال بارنشيفا.
و ما إن فُتح الباب، حتى لفحتهم نسمة باردة؛ فقد كان التكييف يعمل بأقصى طاقته. لا عجب أن فواتير الكهرباء هناك كانت فلكية!
كان الأعضاء الجدد يلتهمون الوجبات الخفيفة، بينما عكف القدامى على اختراعهم العجيب. تبع نيران بارنشيفا ليتفحص المشروع عن كثب، بينما تفرق البقية في أرجاء النادي.
أعلن جوميوت بوقار: “لقد وصلتم في الموعد؛ فقد أتمت الكواكب الأخرى جهاز الكشف، و سنشرع في اختباره الليلة في هذا المبنى.”
جذب نيران قميص بارنشيفا و همس: “ما الذي سيحدث الليلة؟”
شرح الصبي بجدية تامة: “سنستكشف مبنى العلوم؛ فما يظنه الناس ‘شبح المبنى’ ليس سوى كائن فضائي متخف، و علينا في نادي الفلك كشف أمره! ستشاركوننا الرحلة، أليس كذلك؟”
لم يرق الأمر لنيران بتاتا..
انقضى الوقت، و مع غروب الشمس خيّم هدوء مهيب و مخيف على مبنى العلوم.
“هذا الممر مظلم دوما؛ و لولا الساعة لما أدركنا حلول الليل. هيا، لنهبط جميعا معا و لا يتفرق أحدنا. و من يصدر صوتا مريبا.. سأركله أيا كان!” صاح هيمارات بهستيرية.
تمسك ثارا و ثيبوك ببعضهما متظاهرين بالشجاعة، بينما وجه جوميوت كشافه نحو ذقنه قائلا: “إلى أين أنتم ذاهبون؟ شاركونا الاستكشاف! إن وجدنا كائنا فضائيا، فسيكون نصرا تاريخيا للبشرية.”
“سحقا للبشرية،” تمتم هيمارات بذعر.
“لننزل الآن! و من يتخلف، سأعود لألقنه درسا.”
“يا لك من مريب يا هيم.. هل يعقل أنك الفضائي المنشود؟ أسرعوا بالجهاز!” أصر جوميوت.
كاد نيران يختنق من الضحك، و في تلك الأثناء، اقترب منه بارنشيفا و همس بنعومة: “أتريد النزول الآن؟ يمكنني مرافقتك.”
“و أنت، ألن تنزل؟”
“لا، يتعين علي البقاء مع فريق الاستكشاف،” قالها بجدية لا تعرف المزاح.
أطرق نيران يفكر؛ فقد اعتاد في الآونة الأخيرة وجود من يرافقه يوميا، و صار الأمر جزءا من تفاصيل حياته.
“إذن سأبقى و أستكشف معك.”
تسمر بارنشيفا في مكانه من الدهشة، بينما صرخ هيمارات من بعيد: “نيران؟! لماذا ستبقى هنا بحق السماء؟!”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!