عاد لي وون إلى النزل، فاستقبلته الزوجة التي كانت تنتظره، وقادته إلى الغرفة. كان كل ما يريده أن يستلقي في سريرٍ دافئ، لكن عليه أولًا أن يستحم. ارتجف جسده الذي لم يتخلّص بعد من برودته.
“تفضّل… الغرفة صغيرة، لكنها لطيفة.”
فتحت المرأة الباب ودعته للدخول. وكان ما قالته… صحيحًا—إلى حدٍّ ما.
وقف لي وون أمام الغرفة، ونظر إلى الداخل بصمت. الجدران متشققة في عدّة مواضع، كأنها على وشك الانهيار في أي لحظة. العفن الأسود يستقرّ في الزوايا، والكتابات تغطي الجدران، والغبار يملأ الأرض.
لكن أكثر ما لم يستطع تقبّله… كان السرير.
حدّق فيه طويلًا دون أن ينطق. مهما حاول إقناع نفسه، لم يستطع. حتى في أسوأ النُزل، لم تكن الأسرة بهذا السوء.
“سيدتي…”
استدارت إليه بابتسامةٍ ودودة، فقال:
“هل هذه حقًا الغرفة الوحيدة؟ ألا توجد غرف أخرى؟”
ابتسمت بحرجٍ وأجابت:
“هذه آخر غرفة متبقية. في الحقيقة، لا تُستخدم كثيرًا، لكن لدينا عدد كبير من الضيوف الآن… إنه موسم الذروة.”
ورغم إحباطه، حاول لي وون التمسّك بجانبٍ إيجابي واحد: على الأقل… لن يتجمّد حتى الموت.
“سنمنحك تخفيضًا على السعر.”
قالتها بلطف، ثم غادرت. بقي لي وون واقفًا، ينظر إلى الغرفة بيأس، قبل أن يلتفت فجأة نحو قيصر.
كان قيصر واقفًا منتصبًا، يتفحّص المكان بصمت. ظنّ لي وون أنّ هذه أوّل مرة يرى فيها مكانًا كهذا، ففتح فمه قائلًا:
“هل هذه أول مرة تقيم في غرفة كهذه؟”
توقّع أن تكون الإجابة نعم… لكنها لم تكن كذلك.
“لا.”
رمش لي وون بدهشة.
“سبق لك ذلك؟ متى؟”
توقّف قيصر لحظة، ثم قال:
“عندما كنت في الرابعة… والسابعة… والثانية عشرة.”
بدت الفترات غريبة. فسأله لي وون بفضول:
“هل كنت في مزاج سيئ؟”
لكن قيصر أجاب بلا تردّد:
“كنتُ مختطفًا.”
اتّسعت عينا لي وون:
“ثلاث مرات؟!”
“مرّتان اختطاف… ومرّة من أجل البقاء.”
قالها قيصر ببرود، وكأنه يتحدّث عن أمرٍ عادي:
“تعلمتُ أن أخرج بنفسي… لأنهم كانوا يحتجزونني. وبفضلك، خرجت بسهولة حين كنت في الثانية عشرة.”
ظلّ لي وون يحدّق فيه، غير قادر على استيعاب ما سمع. فجأة، بدا قيصر بعيدًا عنه… بعيدًا بشكلٍ حقيقي. كان يعلم أنّه رجلٌ من عالمٍ مختلف، لكن هذه أول مرة يشعر بذلك بهذه القسوة.
“اختطاف… من أجل المال؟”
سأل رغم علمه بوقاحة السؤال.
أجاب قيصر بلا تردّد:
“لا. لومونوسوف أراد قتلي مرارًا… لكنه فشل.”
ثم أضاف، وكأنه يتحدث عن شخصٍ آخر:
“ربما ينجح يومًا ما.”
عجز لي وون عن الرد. وبينما كان ينظر إليه، رنّ هاتف الغرفة. تحرّك لي وون بسرعة وأجاب.
“هل ستنزل لتناول الطعام؟”
أجاب الزوجة باقتضاب، ثم أغلق الهاتف. ألقى نظرةً أخيرة على الغرفة… واستسلم للأمر الواقع. لا خيار آخر.
تنهد وقال:
“الأعلى أم الأسفل؟”
ابتسم قيصر ابتسامةً غريبة:
“ليست لديّ تفضيلات.”
تمتم لي وون بضيق:
“إنه مجرد سرير…”
هزّ قيصر كتفيه قليلًا:
“لم أسمح لأحد أن يسيطر عليّ.”
جلس لي وون في السرير السفلي فورًا، وكأنه يحجزه. كان الليل قد حلّ، والريح تعصف خارج النافذة بصوتٍ متواصل.
—
مرّ وقتٌ طويل منذ أن استلقى، لكنه لم يستطع النوم. لم يكن الأمر مجرد غرابة المكان أو سوء السرير… بل الصوت.
كانت النافذة ترتجف مع الريح، لكن ما أزعجه حقًا هو الصوت القادم من الأعلى.
كان السرير القديم يصرخ ويئنّ مع كل حركة. بدا أنّ قيصر أيضًا لا يستطيع النوم؛ كان يتقلّب أحيانًا. ومع كل حركة، كان الصوت يخترق أعصاب لي وون.
لأول مرة، أصبح حتى صوت تنفّس شخصٍ آخر يربكه. لم يجرؤ حتى على التحرّك.
حاول تغيير وضعيته، لكن صريرًا خفيفًا جعله يتجمّد ويصغي. صمتٌ… ثم زفرةٌ مكتومة. وبعدها—صوت حركة.
كان الأمر وكأنه يرى قيصر بعينيه، رغم الظلام.
مرّ الوقت ببطء. غفا للحظة، ثم استيقظ على صريرٍ حاد. فتح عينيه قليلًا، حين شعر فجأة بوجودٍ ما.
صوتٌ مختلف… من الأعلى.
ابتلع ريقه بصمت. تشدّد جسده كله. تغيّر الصوت—كان قيصر ينزل من السرير.
أغلق لي وون عينيه بسرعة، متظاهرًا بالنوم.
ما إن لامست قدما قيصر الأرض، حتى ساد الصمت. شعر بنظره موجّهًا إليه. كتم أنفاسه بصعوبة، محاولًا ضبط تنفّسه المرتبك. شدّ قبضته على الغطاء.
بعد لحظات، ابتعد قيصر. سمعه يفتح الخزانة بهدوء. فتح لي وون عينيه قليلًا… وبضوء القمر، رآه.
كان قيصر يستخرج شيئًا من معطفه.
عبس لي وون… ثم اتّسعت عيناه.
مسدس.
إذًا… أحضره معه بعد كل شيء.
اشتعل الغضب في داخله، لكنه لم يستطع التحرّك. عاد وأغمض عينيه، متظاهرًا بالنوم.
ماذا ينوي أن يفعل؟
تسارعت أنفاسه دون إرادة.
مرّ قيصر بجانبه، ثم جلس عند النافذة. ظلّ الزجاج يهتز مع الريح، لكنه لم يتحرّك. فقط… يراقب الخارج بصمت، والسلاح في يده.
حدّق لي وون فيه خفيةً. لم يتحرّك. لم يفعل شيئًا.
ما الذي يفعله؟
طال الانتظار، فبدأ صبره ينفد. حاول أن يتحرّك قليلًا—
لكن فجأة، أدار قيصر رأسه نحوه.
تجمّد لي وون. شعر بنظره عليه. كتم أنفاسه مجددًا، خائفًا أن يكون صوته أعلى من الريح.
بعد لحظات، عاد قيصر للنظر إلى النافذة. تنفّس لي وون بارتياحٍ خافت.
لم يفهم شيئًا. هل ينوي قضاء الليل كله هكذا؟ جالسًا عند النافذة، ممسكًا بسلاحه؟
تكرّر الأمر طوال الليل.
كان قيصر ينظر إلى الخارج، ثم يلتفت أحيانًا نحو سرير لي وون. وفي كل مرة، يسارع لي وون لإغلاق عينيه والتظاهر بالنوم.
لم يفعل قيصر شيئًا… لكن ذلك لم يخفّف التوتر.
وفي النهاية—
بقي لي وون مستيقظًا طوال الليل.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!