فصل 51

فصل 51

«الحاكم.»

غادر قيصرُ المبنى، ووقف في الزقاق، ثم ناولَه الظرفَ الذي تلقّاه من أحد مرؤوسيه ليقرأه لي وون. وما إن اطّلع لي وون على محتواه حتّى اتّسعت عيناه بقوّة، واحتضن الظرف إلى صدره. راقب قيصر ذلك بابتسامة خفيفة بينما كان الآخر يسرع في تفحّص ما بداخله.

ـ «أتعجبك؟»

في تلك اللحظة، رفع لي وون عينيه بقوّة واحتضن قيصر بشدّة. لم يستطع كبح سعادته. راقب قيصر بابتسامة خافتة تأثّر لي وون إلى حدّ أنّه كاد يبتلع صرخة فرحه.

ـ «شكرًا لك!»

وبعد أن هدأت موجة الحماس قليلًا، صرخ لي وون مجددًا. لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحدّ. فعاجزًا عن إخفاء بهجته، فتح ذراعيه فجأة واحتضن قيصر. اتّسعت عينا قيصر دهشةً أمام هذا الموقف غير المتوقّع.

ـ «أحسنت! لقد قمت بعمل رائع حقًّا!»

رمش قيصر بذهول وهو يشعر بيدي لي وون على كتفيه، بينما كان يكرّر الكلمات نفسها مرارًا. لم يستطع استيعاب ما يحدث. ثم أمسك لي وون بوجه قيصر وقبّله على خدّه.

تجمّد قيصر وكلّ من كان يشاهد المشهد كأنّهم تماثيل من جليد، بينما ابتسم لي وون بسعادة وربّت على كتف قيصر بيده.

كانت تلك أوّل مرّة يرى فيها قيصر لي وون سعيدًا إلى هذا الحدّ. تلاشت ابتسامته ببطء وهو يحدّق إليه بعدم تصديق، ثم انفجر ضاحكًا.

ـ «حسنٌ، يبدو أنّك سعيد. لقد حجزتُ طاولة في مطعم لهذا اليوم.»

ـ «آه، أنا آسف. ليس اليوم.»

رفض لي وون بأدبٍ بالغ. وللحظةٍ بدا على قيصر الوجوم، لكن لي وون لوّح بيده بحماس وقال بوجهٍ مشرق:

ـ «لديّ خبرٌ سارّ يجب أن أخبر به الجميع. سأتصل بك لاحقًا. إلى اللقاء!»

ولوّح بيده بقوّة، ثم استدار مسرعًا وانطلق راكضًا. ومن شدّة الارتباك أمسك قيصر بذراعه غريزيًّا، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا. فقد أفلت لي وون نفسه وانطلق كالسهم.

وفي غمضة عين كان قد ابتعد كثيرًا، ثم التفت إلى الخلف ولوّح صارخًا:

ـ «إلى اللقاء!»

حدّق قيصر شاردًا في ظهره المبتعد. كانت يده ما تزال معلّقة في الهواء. مرّت نسمة لطيفة بجانبه، وبعد لحظة من التفكير تمتم:

ـ «هل أنا سيارة أجرة؟»

نظر أحد أفراد العصابة، الذي كان يقود السيارة، إلى وجه القيصر عبر المرآة الخلفية.

منذ أن صعد إلى السيارة، بل حتى قبل ذلك، لم يكن مزاجه جيّدًا. وبينما كان يدخّن سيجارته عابسًا، شعر أفراد المنظمة بالتوتّر وقادوا بحذر شديد.

ساد صمت ثقيل داخل السيارة التي كانت تشقّ الطريق بصمت.

وعندما عادوا إلى القصر، ازداد الوضع سوءًا.

فما إن نزل قيصر من السيارة حتّى استقبله كبير الخدم بتعبير يملؤه الحرج، وسرعان ما اتّضح السبب.

ـ «قيصر، هناك من ينتظرك.»

كان ردّ فعل قيصر على وجه ديميتري المشرق باردًا للغاية.

توقّف ديميتري لحظة عندما مرّ قيصر بجانبه من دون أن يقول كلمة واحدة، ثم لحق به.

ـ «أنت لا تزور النوادي هذه الأيام أيضًا. الجميع بانتظارك. أنا غاضب لأنني أريد رؤيتك. لماذا لا تخرج اليوم بعد كل هذا الوقت؟ كما أنّني اشتريت ويسكي فاخرًا.»

لم يردّ قيصر حتى، وتابع طريقه نحو غرفته.

تبًّا، لماذا هذا المنزل كبير إلى هذا الحدّ؟

واصل ديميتري حديثه متجاهلًا مشاعر قيصر وهو يسير خلفه.

ـ «وهناك فتاة جديدة قد تعجبك. لم أقدّمها لأحد خصيصًا من أجلك. قيصر، هل تستمع إليّ؟ قيصر!»

ولوّح بذراع قيصر محاولًا جذب انتباهه.

ـ «هيا، سأدعك تستمتع. الليلة تبدأ في الثامنة والنصف، ويمكنك فعل ما تشاء. أليس هذا التوتّر قد تراكم لديك بما يكفي؟ أظنّ أنّ الوقت قد حان لتسترخي قليلًا. وربما لن أذهب إلى أي مكان آخر، لذا استعدّ. هيا. حتى المشروبات من أعلى المستويات.»

ظلّ ديميتري يثرثر حتى توقّف فجأة.

نظر إليه قيصر بعينين مخيفتين.

مرتبكًا، أفلت ديميتري ذراعه دون قصد.

لم يقل قيصر شيئًا، بل توجّه مباشرة إلى غرفته وأغلق الباب في وجهه.

وقف ديميتري وحده في الممرّ، يحدّق إلى الباب المغلق قبل أن يعقد حاجبيه.

ـ «الأمر صعب.»

ثم عاد بضع خطوات ونظر مجدّدًا إلى الباب المغلق.

ـ «إنّه صعب فعلًا يا قيصر.»

وبقي واقفًا هناك لبعض الوقت وعبوسه لا يفارق وجهه.

وأخيرًا، بعدما أصبح وحده، نزع قيصر ربطة عنقه بعنف وألقاها على السرير.

ارتجفت الجروح التي لم تلتئم بعد على جسده من الحركة العنيفة، وكادت تتمزّق من جديد.

وحين أدرك ذلك ازداد غضبه أكثر.

لا يتذكّر منذ متى شعر بهذا السوء.

بل ربّما كانت تلك المرّة الأولى في حياته.

عقد جبينه ومرّر يده في شعره بعصبية.

لم يكن يعرف شيئًا على الإطلاق عن المصنع.

وغرفته الخاصّة في ذلك المطعم الشهير، والتي حصل عليها بعد أن هدّد المدير رغم أنّ قائمة الانتظار كانت تمتدّ لثلاثة أشهر، ذهبت هباءً.

وكلّما فكّر في الأمر ازداد غضبه.

فاتّجه بعنف نحو الحمّام.

في تلك اللحظة، كان لي وون مخمورًا يغنّي مع سكّان المبنى السكني مستخدمًا زجاجةً فارغة كأنّها ميكروفون.

تحرّك عقرب الثواني بهدوء في دورته الرتيبة.

أبعد كبير الخدم نظره عن الساعة التي كانت تشير إلى العاشرة صباحًا، ثم تقدّم بحذر وملأ الكأس الفارغ بالشاي الساخن.

وأثناء انسحابه، نظر إلى سيّده بقلق.

لكن قيصر تجاهل كلّ ذلك، واكتفى بالتحديق في البخار المتصاعد من الشاي بوجه متجهّم.

كان هذا هو الوقت المعتاد لتوجّهه إلى العمل، لكن قيصر اليوم كان مختلفًا.

فقد مرّت ساعة كاملة منذ موعد خروجه، ومع ذلك لم يُبدِ أيّ رغبة في التحرّك.

ولأنّ مالك المنزل ظلّ ينظر إلى الساعة بانزعاج دون أن ينهض، بدأت علامات القلق تظهر على كبير الخدم وأفراد المنظمة معًا.

رفع قيصر كوب الشاي بصمت.

كان قد فرغ بالفعل من عدّة أكواب، ومع ذلك أعاد الشاي إلى فمه مجدّدًا.

وضع الكوب أخيرًا وفتح فمه:

ـ «المحامي؟»

وفي ذلك الصمت الخانق، أجاب كبير الخدم على عجل:

ـ «ما زالوا لا يجيبون على الهاتف.»

ارتسم تجعّد عميق على جبين قيصر.

ومرّت ثلاثون دقيقة أخرى.

ثم نهض فجأة من مكانه بعد أن شرب آخر رشفة.

وفي اللحظة نفسها، انتصب كبير الخدم بتوتّر، بينما انحنى أفراد المنظمة برؤوسهم.

انتزع قيصر سترته من يد كبير الخدم وقال وهو يبتعد:

ـ «إن لم يأتِ، فلا خيار أمامي سوى الذهاب لإحضاره بنفسي.»

كان المشهد الذي ظهر أمام عينيه أقرب إلى عرضٍ هزلي.

توقّف قيصر عن الحركة والكلام عندما رأى الفوضى داخل المنزل.

فما إن فتح الباب الموارب ودخل حتى ضربته رائحة الكحول الكريهة مباشرة.

ومهما حاول تجاهلها، كانت الغرفة بأكملها غارقة في رائحة المشروبات الرخيصة.

دخل قيصر وهو يضغط منديلًا على أنفه وقد التوى وجهه اشمئزازًا.

كان مكتب لي وون دائمًا في حالة فوضى أثناء العمل، لكنّ ما رآه اليوم تجاوز كلّ الحدود.

وفي الغرفة التي لم يعد فيها موطئ قدم، شقّ طريقه دافعًا الأوراق بطرف حذائه.

وحين وصل أخيرًا إلى هدفه، تجمّد في مكانه من شدّة الصدمة حتى نسي أن يتنفّس.

كان لي وون نائمًا على السرير.

ذلك الرجل الذي اعتاد الظهور أمام قيصر في التاسعة تمامًا لم يُظهر أيّ علامة على الاستيقاظ، رغم أنّ الساعة كانت قد تجاوزت الثانية عشرة ظهرًا.

كان شعره أشبه بعشّ للعصافير، وسرواله منزلقًا إلى منتصفه، ولسببٍ ما ما زال يمسك بزجاجة نبيذ فارغة في يده.

لكن الأسوأ من كلّ ذلك كان رائحة الكحول.

فقد ملأت الرائحة المنبعثة من جسده الغرفة بأكملها.

«لقد شرب حتى الموت.»

هكذا فكّر قيصر.

وبالنظر إلى المشهد، كان من الواضح أنّ لي وون سيعاني لاحقًا من عواقب وخيمة.

راقبه قيصر بصمت، ثم دسّ المنديل في جيبه ومدّ ذراعه.

لفّ ذراعه السليمة حول خصر لي وون ورفعه مباشرة على كتفه.

ثم خرج بخطوات واسعة من ذلك الجحيم المفعم برائحة الكحول.

وحتى وهو محمول ككيسٍ من الأمتعة، لم يفعل لي وون أكثر من إطلاق بعض الشخير، ولم يستيقظ أبدًا.

شعر بلمسة ناعمة على خدّه.

إحساس مألوف بطريقة ما.

لكنّه لم يكن سريره بالتأكيد.

وعيناه مغمضتان، فرك لي وون خدّه وابتسم برضا.

شيئًا فشيئًا استعاد وعيه، وبدأ صداع حادّ ينبض في أحد جانبي رأسه.

عقد حاجبيه وغرس وجهه مجدّدًا في الملاءة الناعمة.

كان يريد أن ينام أكثر.

لكن الألم لم يسمح له بذلك.

وأخيرًا، بعدما عجز عن تحمّل الصداع، فتح عينيه.

دخلت إلى ناظريه غرفة لم يرها من قبل.

ستائر سميكة وفاخرة، وأثاث بسيط أنيق، وسرير ذو تصميم راقٍ.

كلّ شيء كان غريبًا.

«أين أنا؟»

رمش لي وون بذهول.

لقد شرب كثيرًا الليلة الماضية.

هل انتهى به الأمر في منزلٍ خاطئ بسبب سكره؟

وبينما كان يفكّر في الأمر، وقعت عيناه على قيصر.

كان يقف هناك وذراعاه معقودتان، يحدّق إليه بنظرة مخيفة.

حدّق لي وون إليه بصمت ووجهه ما يزال نصف مدفون في الملاءة.

أما قيصر فظلّ يرمقه بثبات دون أن يتحرّك.

أغلق لي وون عينيه ببطء.

ثم أدار رأسه خلسةً إلى الجهة الأخرى، لكنّه ظلّ يشعر بالهالة الثقيلة المنبعثة من قيصر.

وفي النهاية، بعدما عجز عن تحمّل ذلك الضغط، تذمّر بصوتٍ مريض ومتعب…

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!