رُوَيْداً رُوَيْداً، أَخَذَ الظَّلَامُ يَهْبِط. كَانَ إِيقَاعُهُ أَسْرَعَ مِنَ المُعْتَاد، لَكِنَّ طُولَ مَكْثِ الشَّمْسِ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفاً كَثِيراً. وَفِي دَاخِلِ السَّيَّارَةِ الَّتِي دَخَلَتِ الحَدِيقَةَ الكَبِيرَة، كَانَ قَيْصَر يَنْظُرُ فِي صَمْتٍ عَبْرَ النَّافِذَة. كَانَ هُنَاكَ الكَثِيرُ لِيُفَكِّرَ فِيه، لَكِنَّ أَمْراً وَاحِداً كَانَ مَضْمُوناً؛ إِذْ بَاتَ اجْتِمَاعُ المَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّيْن إِجْرَاءً عَدِيمَ الفَائِدَةِ تَمَاماً. لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ اعْتِرَاضٌ خَاصٌّ عَلَى النِّظَامِ الَّذِي أَنْشَأَهُ وَالِدُهُ «سَاشَا»، لَكِنَّهُ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْه. إِذَا كَانَ سَيَتَوَلَّى المَقْعَدَ بِالشَّكْلِ الكَامِل، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ هُوَ إِلْغَاءُ هَذَا الِاجْتِمَاع. وَفَكَّرَ قَيْصَر أَنَّ هَؤُلَاءِ المَسْؤُولِينَ سَيَخْتَفُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ الِاجْتِمَاعُ نَفْسُه. ضَيَّقَ عَيْنَيْهِ، وَمَرَّتْ الأَحْدَاثُ الَّتِي جَرَتْ فِي قَاعَةِ المُؤْتَمَرَاتِ بِعَقْلِهِ فِي لَمْحَةِ بَصَر، مُقَيِّماً قُدْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّنْفِيذِيِّيْن عَلَى الرَّدّ؛ لَقَدْ بَاتَ يَعْرِفُهَا تَقْرِيباً. خَفَّفَتِ السَّيَّارَةُ سُرْعَتَهَا، وَأَسْرَعَ الكَبِيرُ الخَدَمِ لِلْخُرُوجِ نَحْوَ البَابِ الرَّئِيسِيِّ هَاتِفاً: “هَلْ عُدْتَ يَا قَيْصَر؟” فَخَلَعَ قَيْصَر مِعْطَفَهُ وَسَلَّمَهُ لَهُ، فِيمَا انْحَنَى الرَّجُلُ بِأَدَب، لَكِنَّ قَيْصَر تَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ المَكْتَبِ، حِينَهَا فَتَحَ كَبِيرُ الخَدَمِ فَمَهُ قَائِلاً: “المُحَامِي لَيْسَ هُنَا الآن، وَلَكِن…” لِيَتَوَقَّفَ قَيْصَر عَنِ السَّيرِ لِلَحْظَةٍ وَيَلْتَفِتَ: “… لَيْسَ هُنَا؟” وَتَصَلَّبَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الخَلْف. وَفِي جَانِبٍ آخَر، كَانَ «لِي وُون» يَقُولُ بِابْتِسَامَة: “لَقَدْ شَرِبْنَا كَأْسَ شَايٍ جَيِّدٍ يَا «بِيتْرُو»”. فَابْتَسَمَ العَجُوزُ الجَالِسُ فِي المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ لِلسَّيَّارَةِ بِعُذُوبَة: “لَقَدْ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ كَثِيراً أَنَا أَيْضاً، وَأَتَمَنَّى أَنْ أَرَاكَ جَدِيداً”. تَرَدَّدَ «لِي وُون» لِلَحْظَة، ثُمَّ أَخْرَجَ بِطَاقَةَ عَمَلٍ مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِهِ الدَّاخِلِيِّ وَسَلَّمَهَا لِلرَّجُلِ العَجُوزِ عَبْرَ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ المَفْتُوحَةِ قَائِلاً: “سَأَرَاكَ لَاحِقاً عِنْدَمَا يَتَّسِعُ الوَقْت، وَشُكْراً لَك”. تَلَقَّى العَجُوزُ البِطَاقَةَ بَاسِماً، وَإِذْ شَعَرَ «لِي وُون» بِدِفْءٍ فِي قَلْبِهِ أَمَامَ تِلْكَ الِابْتِسَامَة، انْحَنَى بِخِفَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِير. رَاقَبَ العَجُوزُ ظَهْرَ «لِي وُون» وَهُوَ يَبْتَعِدُ بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَة، وَكَانَتْ بِطَاقَةُ العَمَلِ لَا تَزَالُ فِي يَدِه، وَحِينَمَا اخْتَفَى طَيْفُ الشَّابّ، نَظَرَ إِلَى البِطَاقَةِ لِتَرْتَسِمَ عَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةٌ لَطِيفَةٌ وَمَحْزُونَة؛ إِنَّهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ كَثِيراً. وَسَأَلَ السَّائِقُ بِحَذَر: “سَيِّدَة «لُومُونُوسُوف»، هَلْ يُمْكِنُنَا التَّحَرُّك؟” فَأَوْمَأَ «مِيخَائِيل» رَأْسَهُ مُوَافِقاً، لِتَبْتَعِدَ سَيَّارَةُ السِّيدَانِ الفَاخِرَةُ دُونَ صَوْت، فِيمَا رَفَعَ «مِيخَائِيل» رَأْسَهُ مُجَدَّداً لِيَنْظُرَ إِلَى الشَّارِعِ المُظْلِم؛ حَيْثُ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ أَيُّ أَثَرٍ لِـ «لِي وُون» فِي الِاتِّجَاهِ الَّذِي سَلَكَهُ. كَانَ «لِي وُون» يَسِيرُ مُسْرِعاً فِي الشَّارِعِ لَيْلاً وَكَأَنَّهُ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِه، وَمَعَ هُبُوطِ اللَّيْل، كَانَتِ الرِّيَاحُ تَلْفَحُهُ كَالسَّيْف. وَبَيْنَمَا كَانَ يَمْشِي بِحَذَرٍ كَيْلَا يَنْزَلِق، تَذَكَّرَ فَجْأَةً المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي أَتَى فِيهَا إِلَى رُوسْيَا. وَمَعَ هَذِهِ الذِّكْرَى، تَعَثَّرَتْ خُطُوَاتُهُ بِخِفَّة، وَابْتَسَمَ حِينَمَا تَذَكَّرَ تَذَمُّرَهُ مِنْ كَوْنِ جَسَدِهِ لَمْ يَعُدْ مُرْتَاحاً، لَكِنَّهُ لَمَحَ شَخْصاً يَقِفُ أَمَامَ بِنَايَةِ الشَّقَقِ السَّكَنِيَّةِ عَلَى مَسَافَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَة. شَعَرَ «لِي وُون» بِالِارْتِبَاكِ وَأَحْنَى رَأْسَه، وَبَيْنَمَا ظَنَّ بِعَفْوِيَّةٍ أَنَّهُ مُجَرَّدُ سَاكِنٍ آخَرَ فَقَدَ مَفَاتِيحَه، أَدْرَكَ أَنَّ ظِلَّ الرَّجُلِ الطَّوِيلِ المَنْعَكِسِ فِي مَدَى رُؤْيَتِهِ يَبْدُو مَأْلُوفاً بِشَكْلٍ مَا. إِنَّهُ قَيْصَر. أَبْطَأَ «لِي وُون» خُطُوَاتِهِ المُسْرِعَةَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ الهُوِيَّةَ مُتَأَخِّراً؛ كَانَ قَيْصَر يَقِفُ تَحْتَ ضَوْءِ المِصْبَاحِ الخَافِتِ عِنْدَ مَدْخَلِ المَجْمَعِ السَّكَنِيّ، مُحَدِّقاً فِي الصَّمْت. وَرَغْمَ ضَعْفِ الإِضَاءَة، كَانَ «لِي وُون» يَرَى بِوُضُوحٍ أَنَّ قَيْصَر يَرْمُقُهُ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَة. وَمَعَ تَشَابُكِ ذِرَاعَيّ قَيْصَر، شَعَرَ «لِي وُون» بِبَعْضِ الحَرَجِ وَهُوَ يَرَاهُ يَنْفُثُ الغَضَبَ صَامِتاً مِنْ جَسَدِهِ بِالأَكْمَل، وَدُونَ أَنْ يَشْعُر، رَفَعَ يَدَهُ لِيُلَوِّحَ لَه، لَكِنَّهُ أَعَادَ خَفْضَهَا وَابْتَسَمَ بِارْتِبَاكٍ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ عُدْت. لَكِنَّ هَذِهِ الِابْتِسَامَةَ كَانَتْ كَمَنْ يَصُبُّ الزَّيْتَ عَلَى النَّار؛ إِذْ تَصَلَّبَ وَجْهُ قَيْصَر بِشِدَّة، وَمَعَ هَالَتِهِ المُكْثَفَةِ الَّتِي جَعَلَتْ جَسَدَهُ كُلَّهُ يُعْلِنُ عَنْ غَضَبِه، تَوَقَّفَ «لِي وُون» عَنِ الضَّحِكِ وَارْتَدَى تَعْبِيرَ الخَجَل، مُدْرِكاً أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُنَاسِبِ الصُّرَاخُ فِي الشَّارِعِ فِي هَذِهِ اللَحْظَة. لَمْ يَرَ قَيْصَر مُنْفَعِلاً هَكَذَا مِنْ قَبْل، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِلُ إِلَى هَذَا الحَدّ، وَفِي دَاخِلِه، بَدَأَ يُفَكِّرُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِسُرْعَة. وَبَعْدَ لَحْظَة، تَنَهَّدَ قَيْصَر فَجْأَةً وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى «لِي وُون» وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ افْتِرَاسَه، وَعِنْدَمَا رَمَشَ الشَّابُّ مُتَفَاجِئاً مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ غَيْرِ المُتَوَقَّع، قَالَ قَيْصَر بِمَلَامِحَ يَقْتُلُهَا الإِرْهَاق: “هَذَا حَسَن”. نَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» بِدَهْشَة، لَكِنَّ هَذَا كَانَ كُلَّ مَا لَدَى قَيْصَر لِيَقُولَه، إِذْ مَسَحَ جَبِينَهُ وَاسْتَدَارَ رَاجِعاً. تَعَجَّبَ «لِي وُون» عِنْدَمَا تَرَكَهُ يَرْحَلُ هَكَذَا، وَمَعَ تَحَرُّكِ قَيْصَر بِوَجْهِهِ الشَّاحِبِ دُونَ نُطْق، شَعَرَ الشَّابُّ بِذَنْبٍ دَاخِلِيّ، فَسَأَلَه: “مَاذَا حَدَث؟” فَتَوَقَّفَ قَيْصَر عَنِ السَّيرِ وَنَظَرَ إِلَى «لِي وُون» الَّذِي بَدَا مُتَرَدِّداً، لِيَشْعَرَ الشَّابُّ بِمَرَارَةٍ أَكْبَرَ وَهُوَ يَرَى الظِلَّ الكَثِيفَ يَمْتَدُّ عَلَى طُولِ مَلَامِحِ وَجْهِهِ الدَّقِيقَة. تَرَدَّدَ وَفَتَحَ فَمَهُ لِيَتَكَلَّم، لَكِنَّ قَيْصَر قَاطَعَهُ مُجِيباً: “لَقَدْ رَحَلْتَ بِالفِعْل”. ظَلَّ «لِي وُون» عَاجِزاً عَنِ الكَلَامِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْه؛ كَانَ وَجْهُ قَيْصَر البَاسِمُ أَمَامَه، فَهَلْ كَانَ يَسْأَلُ بِجِدِّيَّةٍ أَمْ أَنَّ الأَمْرَ فِي النِّهَايَةِ مُجَرَّدُ مَزْحَة؟ شَعَرَ الشَّابُّ بِانْزِعَاجٍ عَمِيقٍ فِي دَاخِلِهِ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ عَفْوِيَّة: “العَمَلُ المُكَلَّفُ بِهِ سَيَنْتَهِي فِي وَقْتٍ قَصِير، وَبِذَلِكَ لَنْ نَعُودَ لِلْتَّلَاقِي مُجَدَّداً”. وَبَعْدَ أَنْ نَطَقَ بِهَا، أَدْرَكَ حَقِيقَةَ الأَمْر، وَشَعَرَ بِثِقْلٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ يَجْثُمُ عَلَى صَدْرِه؛ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحاً، فَعِنْدَمَا يَنْتَهِي مِنْ قَضِيَّةِ «بِيرْدْيَايِف»، سَيَنْتَهِي كُلُّ شَيْء، وَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَبَبٌ لِلْبَقَاءِ فِي مَنْزِلِ قَيْصَر، أَوْ مَطْلَبٌ لِلِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ لِلأَبَد. فَقَالَ قَيْصَر، الَّذِي ظَلَّ مُتَحَفِّظاً حَتَّى تِلْكَ اللَحْظَة، فَاتِحاً فَمَه: “حَسَناً، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لَدَيَّ مَا أَفْعَلُهُ مَعَكَ بَعْدَ الآن”. تَوَقَّفَ «لِي وُون» مَذْهُولاً أَمَامَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الصَّادِمَة، وَكَانَ وَجْهُ قَيْصَر شَاحِباً وَتَعِباً بِشَكْلٍ مَا. شَعَرَ الشَّابُّ بِالحِيرَة، لَكِنْ بِمَا أَنَّ الأُمُورَ وَصَلَتْ إِلَى هُنَا، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَا يُقَال. اسْتَدَارَ قَيْصَر وَمَشَى مُبْتَعِداً، فِيمَا ظَلَّ «لِي وُون» وَاقِفاً مَكَانَهُ يَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَة. وَفِي اليَوْمِ التَّالِي، بَدَا أَنَّ الثَّلْجَ قَدْ تَسَاقَطَ طِوَالَ اللَّيْل، إِذْ اسْتَيْقَظَ «لِي وُون» عَلَى صَوْتِ جْرِفِ الثُّلُوجِ فِي الخَارِج، وَمِنْ خِلَالِ النَّافِذَة، كَانَ يَ رَى النَّاسَ يَمُرُّونَ بِنَشَاطٍ لِإِزَاحَتِهَا. وَفَجْأَةً، تَذَكَّرَ مَا حَدَثَ فِي اليَوْمِ السَّابِق، لَكِنَّ ذَلِكَ الشُّعُورَ المُثِيرَ سُرْعَانَ مَا هَدَأ؛ مَا الَّذِي يَحْدُثُ حَقّاً؟ لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ مُشْكِلَةً مَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ حَلَّهَا لِأَنَّ الآخَرَ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً، وَلَمْ يَبْدُ أَنَّهُ سَيَمْنَحُهُ إِجَابَةً مُنَاسِبَةً لَوْ سَأَلَه. كَانَ «لِي وُون» يَكْرَهُ القَلَقَ دُونَ جَدْوَى، لَكِنَّ الوَضْعَ كَانَ كَذَلِكَ تَمَاماً الآن؛ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُزْعِجَ نَفْسِي بِالنَّبْشِ فِيه. عَقَدَ حَاجِبَيْهِ دُونَ وَعْيٍ عِنْدَمَا سَمِعَ طَرْقاً قَوِيّاً عَلَى البَاب، فَهَتَفَ: “قَادِم”. وَعِنْدَمَا فَتَحَ البَاب، كَانَ «نِيكُولَاي» وَاقِفاً هُنَاك. دَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الغُرْفَة، وَقَالَ مُخَاطِباً «لِي وُون» الَّذِي بَدَا مُتَفَاجِئاً بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ غَيْرِ المُتَوَقَّعَة: “بِدَايَةً مِنْ اليَوْم، سَيُعَادُ فَتْحُ المَصْنَع. وَأَوَدُّ التَّحَدُّثَ مَعَكَ بِشَأْنِ ذَلِك…” كَانَ وَجْهُ «نِيكُولَاي» مَلِيئاً بِالأَمَل، وَكَانَ مُخْتَلِفاً تَمَاماً عَنْ تِلْكَ المَلَامِحِ المَذْعُورَةِ الَّتِي ارْتَسَمَتْ عَلَيْهِ حِينَمَا كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ المَصْنَعِ سَابِقاً. فَأَجَابَهُ «لِي وُون» بِشُعُورٍ مِنَ الرِّضَا: “هَلْ كُلُّ شَيْءٍ يَسِيرُ عَلَى مَا يُرَام؟” فَقَالَ الآخَرُ: “لِنَلْقِ نَظْرَةً عَلَى هَذِهِ الأَوْرَاقِ أَوَّلاً”. مَدَّ «نِيكُولَاي» وَرَقَةً مُجَعَّدَةً كَتَبَ عَلَيْهَا بِقُوَّة؛ وَكَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى أُمُورٍ رُوتِينِيَّةٍ كَالضَّرَائِب، وَأُجُورِ العُمَّال، وَالفَوَائِدِ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ تَلَقِّيهَا أثْنَاءَ فَتْرَةِ التَّوَقُّف. فَنَظَرَ «لِي وُون» إِلَى المَذْكَرَةِ بِاخْتِصَارٍ وَقَال: “هَذَا جَيِّد. سَأَتَحَقَّقُ مِنَ الأَمْرِ وَأَتَحَدَّثُ مَعَك”. فَرَدَّ عَلَيْهِ: “أَجَل، أَرْجُوك”. اسْتَدَارَ «نِيكُولَاي» لِيَرْحَل، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ وَنَظَرَ إِلَى «لِي وُون» قَائِلاً: “أَنَا سَعِيدٌ جِدّاً لِأَنَّكَ جَارِي”. وَأَمَامَ ابْتِسَامَةِ «نِيكُولَاي»، بَادَلَهُ «لِي وُون» الِابْتِسَامَةَ ذَاتَهَا؛ فَالْبِدَايَاتُ الجَدِيدَةُ دَائِماً مَا تَكُونُ مُبَشِّرَة. ابْتَسَمَ بِسَعَادَةٍ وَهُوَ يَضَعُ المُذَكَّرَةَ الَّتِي أَعْطَاهَا إِيَّاهُ جَارُهُ عَلَى السَّبُّورَة، قَائِلاً لِنَفْسِهِ إِنَّهُ سَيُحَلِّلُ هَذَا عَلَى انْفِرَادٍ ثُمَّ يَقُومُ بِمَا تَبَقَّى مِنَ العَمَلِ الَّذِي كَلَّفَهُ بِهِ قَيْصَر. وَدُونَ أَنْ يَدْرِيَ أَنَّ قَلْبَهُ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَظْلَمَ مُجَدَّداً، أَخْرَجَ مِعْطَفَهُ وَارْتَدَاه. وَفِي الوَقْتِ المُعْتَاد، نَزَلَ عَبْرَ السَّلَالِمِ لِيُلْقِيَ التَّحِيَّةَ عَلَى الجَدَّة، لِيَنْفَتِحَ بَابُ المَقْهَى وَيَدْخُلَ بَعْضُ الزَّبَائِن. وَأَمَامَ ظُهُورِ امْرَأَةٍ تَرْتَدِي مَلَابِسَ أَنِيقَةً مَعَ مِكْيَاجٍ خَفِيف، أَعَادَ «لِي وُون» نَظَرَهُ نَحْوَهَا فَجْأَة؛ فَالجَمِيعُ يَبْحَثُ عَنْ كُوبِ قَهْوَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا الوَقْت. وَدُونَ تَفْكِيرٍ ثَانٍ، تَجَاوَزَهَا وَخَرَجَ إِلَى البَاب، لَكِنَّهَا التَفَتَتْ نَحْوَهُ فَجْأَة، وَبِعَيْنَيْنِ نِصْفِ مُغْلَقَتَيْنِ وَنَظَرَاتٍ تَرْمُشُ بِتَوَتُّر، تَقَدَّمَتْ نَحْوَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُرَاقِبُهُ بِكَّثَافَة، وَنَادَتْ بِنَبْرَةٍ مُتَهَدِّجَة: “مَعْذِرَةً… أَنَا…” فَالْتَفَتَ «لِي وُون»، الَّذِي كَانَ يَضَعُ الخُوذَةَ لِيَرْكَبَ الدَّرَّاجَةَ النَّارِيَّة، بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاء، لِيَجِدَ المَرْأَةَ الَّتِي مَرَّتْ بِالمَقْهَى لِلْتَّوِ تَنْظُرُ إِلَيْه. ابْتَلَعَتْ رِيقَهَا بِجَفَافٍ وَفَتَحَتْ فَمَهَا تُخَاطِبُهُ وَهُوَ يَهُمُّ بِالرَّحِيل: “أَنَا… لَقَدْ جِئْتُ لِرُؤْيَتِكَ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ أَخْبَارَ احْتِجَازِ السَّيِّدِ السِّيبِيرِيّ”. تَحَدَّثَتْ بِنَبْرَةٍ قَاسِيَة، لِيَتَوَقَّفَ «لِي وُون» عَنِ الحَرَكَةِ لِلَحْظَة. وَأَمَامَ نَظَرَاتِهِ المُنْدَهِشَةِ الَّتِي اتَّسَعَتْ فِيهَا عَيْنَاه، عَضَّتِ المَرْأَةُ عَلَى شَفَتَيْهَا مِرَاراً وَسَأَلَتْه: “هَلْ أَنْتَ بِالْفِعْل…” لِتَتَّسِعَ عَيْنَا «لِي وُون» أَكْثَرَ فَأَكْثَر، قَبْلَ أَنْ تُضِيفَ بِابْتِسَامَةٍ بَادِيَةِ الصُّعُوبَة: “… ابْنُ «سُويُون»؟”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!