«وَفِي الوَقْتِ نَفْسِه، فَتَحَ «لِي وُون» فَمَهُ دُونَ أَنْ يَنْزِعَ خُوذَتَه. وَبَعْدَ أَنْ قَادَهَا إِلَى دَاخِلِ الغُرْفَة، شَعَرَ بِالحَرَجِ فَجْأَة؛ إِذْ كَانَ يَوَدُّ تَرْتِيبَ المَكَانِ لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ قَدْ بَعْثِرَ بِالفِعْل. وَبَدَلاً مِنْ ذَلِك، جَمَعَ عَلَى عَجَلٍ الأَوْرَاقَ المُتَنَاثِرَةَ عَلَى الأَرْضِ وَجَلَسَ قَائِلاً: “تَفَضَّلِي”. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ «لِي وُون» وَهُوَ يُزِيحُ الوَثَائِقَ بِيَدَيْهِ إِلَى جَانِبِ الغُرْفَة، ابْتَسَمَتْ المَرْأَةُ بِخِفَّة. كَانَتِ المَرْأَةُ الَّتِي عَرَّفَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ «نَاتَاشَا» هِيَ الصَّدِيقَةُ الَّتِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْهَا. جَلَسَ «لِي وُون»، الَّذِي أَعَدَّ الشَّايَ فِي كُوبٍ قَدِيم، وَهُوَ يَشْعُرُ بِالتَّوَتُّرِ وَالِارْتِجَافِ يَسْرِيَانِ فِي جَسَدِه، فَقَالَتْ لَه: “لَقَدْ سَمِعْتُ عَنِ السَّيِّدِ السِّيبِيرِيّ، إِنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْك”. لَمْ يَكُنْ وَعْدُ الرَّجُلِ العَجُوزِ بَاطِلاً، فَأَوْمَأَ «لِي وُون» بِرَأْسِهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لَه، ثُمَّ قَالَ: “أَجَل، كَانَ كَذَلِك. هَلْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ وَالِدَتِي؟” فَأَجَابَتْ: “كُنَّا مُقَرَّبَتَيْن، «سُويُون» وَأَنَا… نَعَم، لَقَدْ مَاتَتْ «سُويُون»”. ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى «لِي وُون» بِمَلَامِحَ غَامِضَةٍ وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ ذِكْرَيَاتٍ تَمَسُّ القَلْب، وَأَرْدَفَتْ: “إِنَّكَ تُشْبِهُ أُمَّكَ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ شَبَهَكَ بِأَبِيك”. وَأَمَامَ تِلْكَ الكَلِمَات، شَعَرَ «لِي وُون» بِأَنَّ قَلْبَهُ يَهْوِي إِلَى الأَعْمَاق، وَابْتَلَعَ رِيقَهُ بِجَفَاف؛ فَهَذِهِ المَرْأَةُ تَعْرِفُ أَبَاه. أَجَابَهَا بِنَبْرَةٍ يَحْكُمُهَا التَّوَتُّرُ الدَّاخِلِيّ: “لَقَدْ كَانَتْ أُمِّي تَقُولُ إِنَّنِي أُشْبِهُ أَبِي”. وَعِنْدَمَا ابْتَسَمَ بِارْتِبَاك، تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهَا فَجْأَةً وَأَنْكَرَتْ قَائِلَةً: “لَا، لَمْ تَكُنْ تُشْبِهُهُ أَبَداً، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِك”. ارْتَبَكَ «لِي وُون» مِنْ نَبْرَةِ صَوْتِهَا الغَرِيبَة، وَبَعْدَ أَنْ انْتَظَرَهَا لِتَشْرَبَ الشَّايَ وَتَرْحَل، فَتَحَ فَمَهُ مُتَسَائِلاً: “أَنَا… هَلْ تَعْرِفِينَ أَبِي حَقّاً؟” فَتَوَقَّفَتِ المَرْأَةُ وَتَصَلَّبَ جَسَدُهَا، فِيمَا انْتَظَرَ هُوَ إِجَابَتَهَا وَهُوَ يَشْعُرُ بِانْقِبَاضٍ فِي مَعِدَتِهِ مِنْ شِدَّةِ القَلَق. فَأَعَادَتْ إِلَيْهِ السُّؤَالَ بَدَلاً مِنْ الإِجَابَة: “لِمَاذَا تَسْأَل؟” وَمَعَ هَذَا، تَأَكَّدَ «لِي وُون» أَنَّهَا تَمْلِكُ مَعْلُومَاتٍ عَنْ أَبِيه، فَقَالَ بِلَهْفَة: “أَيْنَ هُوَ؟ هَلْ تَعْرِفِينَ عُنْوَانَهُ أَوْ مَعْلُومَاتِ الِاتِّصَالِ بِه؟ أَرْجُوكِ، أَعْطِينِي أَيَّ مَعْلُومَةٍ تَعْرِفِينَهَا، أَتَوَسَّلُ إِلَيْكِ”. لَقَدْ كَانَتْ هِيَ الخَيْطَ الوَحِيدَ لَدَيْه، وَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ تَفْوِيتُ هَذِهِ الفُرْصَة، فَوَاصَلَ حَدِيثَهُ إِلَيْهَا وَهِيَ تَعَضُّ عَلَى شَفَتِهَا بِذُهُولٍ وَحِيرَة: “لَقَدْ جِئْتُ إِلَى رُوسْيَا بِنَاءً عَلَى وَصِيَّةِ أُمِّي الأَخِيرَة. أَنَا بِحَاجَةٍ لِمَعْرِفَةِ أَبِي، دَعِينِي أَعْرِفْ أَيَّ شَيْء”. لَكِنَّهَا قَاطَعَتْ كَلِمَاتِهِ اليَائِسَةَ بِصَوْتٍ خَافِت: “لَا تَبْحَثْ عَنْه”. وَتَحَدَّثَتْ «نَاتَاشَا» بِمَلَامِحَ قَاتِمَةٍ نَحْوَ «لِي وُون» الَّذِي ظَلَّ مَذْهولاً لِلَحْظَتِهَا، مُتَابِعَةً: “لَا أُرِيدُ رُؤْيَتَكَ تَبْحَثُ عَنْه، تَوَقَّف”. كَانَتْ تَقُولُ أَشْيَاءَ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا، فَأَخَذَ يَرْمُشُ بِصَدْمَة، ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ مُتَأَخِّراً: “مَهْمَا كَانَ الثَّمَن، وَمَهْمَا كَانَتْ هُوِيَّةُ أَبِي، أَنَا مُسْتَعِدّ، لِذَا أَخْبِرِينِي بِالحَقِيقَة. لَنْ يَتَسَبَّبَ هَذَا فِي أَيِّ مَشَاكِلَ لَكِ، كُلُّ مَا أَحْتَاجُهُ هُوَ سَمَاعُ الكَلِمَة فَقَط، وَلَنْ أُزْعِجَ أَحَداً أَبَداً”. نَظَرَتْ «نَاتَاشَا» إِلَى «لِي وُون» وَعَلَامَاتُ التَّوَتُّرِ بَادِيَةٌ عَلَيْهَا، فِيمَا انْتَظَرَهَا هُوَ لِتَفْتَحَ فَمَهَا بِشُعُورٍ يَحْتَرِقُ لَهْفَة، وَبَعْدَ أَنْ تَرَدَّدَتْ مِرَاراً، نَطَقَتْ بِصُعُوبَة: “ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ مَات”. اتَّسَعَتْ عَيْنَا «لِي وُون» أَمَامَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ غَيْرِ المُتَوَقَّعَة؛ لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّ أَمْراً كَهَذَا قَدْ حَدَث، فَهَلْ هَذَا حَقِيقِيّ؟ أَبِي لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ بَعْدَ الآن؟ وَلَاحَظَتْ «نَاتَاشَا» بِمَلَامِحَ قَاتِمَةٍ كَيْفَ تَصَلَّبَ جَسَدُ الشَّابِّ الوَسِيمِ فِي حِيرَتِه، لَكِنْ جَاءَ صَوْتٌ هَادِئٌ مِنَ الخَلْفِ لِيَقُولَ: “أَلَيْسَ مِنَ المُبَالَغَةِ القَوْلُ بِأَنَّ شَخْصاً حَيّاً قَدْ مَات؟” تَصَلَّبَ جَسَدُ «نَاتَاشَا» أَمَامَ الصَّوْتِ المَأْلُوفِ القَادِمِ مِنْ خَلْفِ البَابِ المَفْتُوح، وَرَمَشَ «لِي وُون» بِتَفَاجُؤ؛ إِذْ لَمَحَ الرَّجُلَ المُسِنَّ المُحْتَرَمَ الَّذِي يُمْسِكُ عَصَاهُ بِيَدِهِ لِتَعُودَ ذَاكِرَتُهُ إِلَى المَتْحَفِ فَوْراً؛ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي قَابَلَهُ فِي مَعْرِضِ الفُنُون. وَقَالَ العَجُوزُ بَاسِماً: “لَقَدْ عُدْنَا لِلْتَّلَاقِي مُجَدَّداً”. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ وَجْهِهِ البَاسِم، نَهَضَ «لِي وُون» مِنْ مَقْعَدِهِ هَاتِفاً: “أَنْتَ هُنَا!” فَقَالَ العَجُوزُ: “لَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّنِي سَأَرَاك”. وَأَمَامَ عَيْنَيّ «لِي وُون» المُنْدَهِشَتَيْن، التَفَتَتْ «نَاتَاشَا» بِبُطْءٍ لِتُوَاجِهَ الرَّجُل، وَرَمَشَ الشَّابُّ بِذُهُولٍ لِفَتْرَة. وَعِنْدَمَا اسْتَدَارَتْ نَحْوَهُمَا بِأَعْيُنٍ مُتَّسِعَة، تَابَعَتْ «نَاتَاشَا» مُخَاطِبَةً العَجُوزَ بِنَبْرَةٍ قَاسِيَة: “أَلَنْ تَسْتَسْلِمَ بَعْدَ كُلِّ هَذَا؟ أَلَا تَشْعُرُ بِالنَّدَمِ اتِّجَاهَ «سُويُون»؟” لَكِنَّ «مِيخَائِيل» أَعَادَ نَظَرَهُ نَحْوَ «لِي وُون» بَدَلاً مِنْ الرَّدِّ عَلَى كَلَامِهَا اللَّاذِع. وَمِنْ وَجْهِ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى «نَاتَاشَا» وَ«مِيخَائِيل» بِالتَّنَاوُبِ بِمَلَامِحَ مُرْتَبِكَة، ضَيَّقَ «مِيخَائِيل» عَيْنَيْهِ كَمَنْ يَتَذَكَّرُ شَخْصاً يَفْتَقِدُهُ بِشِدَّةٍ وَقَال: “لِهَذَا السَّبَبِ أَنَا أُحَاوِلُ التَّكْفِيرَ عَنْ خَطَايَايَ الآن”. فَتَنَهَّدَتْ «نَاتَاشَا» بِخِفَّة، وَأَزَاحَتْ شَعْرَهَا المُرَتَّبَ بِتَوَتُّر. وَعِنْدَمَا رَأَى «لِي وُون» هَذَا الشَّدَّ العَصَبِيَّ بَيْنَ الِاثْنَيْن، تَدَخَّلَ دُونَ إِضَاعَةٍ لِلْوَقْتِ قَائِلاً: “أَنَا آسِف، وَلَكِنْ مَا الَّذِي يَحْدُثُ هُنَا؟ سَيِّد «بِيتْرُو»، أَرْجُوكَ تَفَضَّلْ بِالجُلُوسِ…” فَقَاطَعَتْهُ «نَاتَاشَا» صَارِخَةً: “سَيِّد «بِيتْرُو»؟!” وَبَيْنَمَا كَانَ «لِي وُون» يَنْظُرُ إِلَيْهَا، تَابَعَتْ: “هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الشَّخْص؟ وَأَيْن؟” وَعِنْدَمَا طَرَحَتْ هَذَا السُّؤَال، ظَلَّ الشَّابُّ مُرْتَبِكاً وَأَجَابَ: “لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَعْرِضِ الفُنُون، وَتَحَدَّثْنَا مَعاً…” فَرَدَّتْ بِسُخْرِيَةٍ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى «مِيخَائِيل»: “بِالْمُصَادَفَةِ تَقُول؟” شَعَرَ «لِي وُون» بِأَنَّ رَاحَتَيْ يَدَيْهِ تَتَعَرَّقَانِ مِنَ التَّوَتُّر، وَوَجَّهَ نَظَرَهُ نَحْوَ «مِيخَائِيل»؛ كَانَ رَدُّ فِعْلِ «نَاتَاشَا» حَادّاً لِلْغَايَة، فَمَا الَّذِي يَحْدُث؟ وَأَيُّ نَوْعٍ مِنَ العَلَاقَاتِ يَجْمَعُهُمَا؟ رُبَّمَا، هَلْ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ…؟! وَدَوَّى صَوْتُ «نَاتَاشَا» المُرْتَفِعُ فِي أُذُنَيْ «لِي وُون» الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ بِشَكّ: “مُنْذُ مَتَى تَحَوَّلَ «مِيخَائِيل بِيتْرُوفِيتْش لُومُونُوسُوف» إِلَى «بِيتْرُو»؟” اتَّسَعَتْ عَيْنَا «لِي وُون» وَكَأَنَّ صَدْمَةً هَزَّتْ كِيَانَه؛ «مِيخَائِيل بِيتْرُوفِيتْش لُومُونُوسُوف». «لُومُونُوسُوف». لَقَدْ عَرَفَ الِاسْمَ فَوْراً دُونَ حَتَّى أَنْ يُحَاوِلَ تَذَكُّرَه؛ إِنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَهُ مِرَاراً وَتِكْرَاراً، مُنَظَّمَةُ المَافْيَا الضَّخْمَةُ الَّتِي تَجْعَلُ الجَمِيعَ يَرْتَعِدُ خَوْفاً، وَزَعِيمُهَا الَّذِي يُلَقَّبُ بِالأَسَد. نَظَرَ «لِي وُون» بِوَجْهِهِ الشَّاحِب، فِيمَا فَتَحَ «مِيخَائِيل» فَمَهُ لِيُخَاطِبَ الشَّابَّ الَّذِي ابْتَلَعَ رِيقَهُ بِجَفَافٍ لَا إِرَادِيّ، وَمِثْلَمَا فَعَلَ فِي المَرَّةِ الأُولَى الَّتِي رَآهُ فِيهَا، بَسَطَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ بِوَجْهٍ يَقْطُرُ طِيبَةً وَحَنَاناً وَقَال: “الآن يُمْكِنُنِي لِقَاؤُكَ يَا بْنِي”. تَجَمَّدَ «لِي وُون» فِي مَكَانِه، فِيمَا كَانَتِ العَيْنَانِ الزَّرْقَاوَانِ لِـ «مِيخَائِيل» تَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَهُمَا تَلْمَعَانِ بِالدُّمُوع. وَفِي جَانِبٍ آخَر، وَدَاخِلَ سَيَّارَةِ سِيدَان سَوْدَاء، دَخَلَ «لِي وُون» عَبْرَ بَوَّابَةٍ حَدِيدِيَّةٍ ضَخْمَة، وَعَقَدَ حَاجِبَيْهِ دُونَ وَعْيٍ عِنْدَمَا ظَهَرَ القَصْرُ الهَائِلُ أَمَامَ نَاظِرَيْه. كَانَ حَجْمُ المَنْزِلِ ضَخْماً لِلْغَايَة، مِمَّا أَعَادَ إِلَيْهِ شُعُوراً مُشَابِهاً لِلَّذِي خَالَجَهُ عِنْدَمَا رَأَى قَصْرَ قَيْصَر لِلْمَرَّةِ الأُولَى. وَهَتَفَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُه: “هَلْ عُدْتَ يَا «لُومُونُوسُوف»؟” بَدَا الرَّجُلُ وَكَأَنَّهُ عُضْوٌ فِي المُنَظَّمَة، لَكِنَّ طَرِيقَةَ نُطْقِهِ كَانَتْ غَرِيبَة، لِيُدْرِكَ «لِي وُون» سَرِيعاً أَنَّهُ لَيْسَ رُوسِيّاً خَالِصاً. وَلَمْ يَقْتَصِرْ الأَمْرُ عَلَى ذَلِك؛ فَمِنْ بَيْنِ المَارَّةِ فِي الأَرْجَاء، بَدَا أَنَّ نِسْبَةً صَغِيرَةً فَقَطْ هُمْ الرُّوسُ المَحَلِّيُّون. وَدَلِيلاً عَلَى هَذَا، كَانُوا يُلْقُونَ نَظَرَاتٍ فُضُولِيَّةً نَحْوَ «لِي وُون» الَّذِي كَانَ يَسِيرُ خَلْفَ «مِيخَائِيل»، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَظَرَاتِ كُرْهٍ أَوْ تَقْلِيل، بَلْ عَلَى العَكْس، عِنْدَمَا رَآهُمْ يَتَبَادَلُونَ التَّحِيَّةَ بِابْتِسَامَة، تَذَكَّرَ الشَّابُّ المَعْلُومَاتِ الَّتِي سَمِعَهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ عَنِ الصِّرَاعِ بَيْنَ مُنَظَّمَتَيّ «سِيرْجِيف» وَ«لُومُونُوسُوف». إِنَّ الصِّرَاعَ عَلَى النُّفُوذ، الَّذِي يُسَمَّى أَيْضاً بِحَرْبِ عِصَابَاتِ الرُّوس، كَانَ مُرْتَبِطاً بِتَكْوِينِ الأَعْضَاء نَفْسِهِم؛ فَبِعَكْسِ مُنَظَّمَةِ قَيْصَر الَّتِي كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الرُّوسِ الخُلَّص، كَانَتْ مُنَظَّمَةُ «مِيخَائِيل» مَفْتُوحَةً لِأَيِّ شَخْصٍ يَرْغَبُ فِي الِانْضِمَامِ مَهْمَا كَانَ أَصْلُه. لَقَدْ كَانَ مِنَ المُثِيرِ لِلسُّخْرِيَةِ أَنْ تَكُونَ المُنَظَّمَةُ الأَكْثَرُ خُرُوجاً عَنِ القَانُونِ هِيَ الأَكْثَرُ مَنْحاً لِتَكَافُؤِ الفُرَص، لَكِنَّ هَذِهِ كَانَتِ الحَقِيقَة. وَعِنْدَمَا شَاهَدَ «لِي وُون» ذَلِكَ بِعَيْنَيْه، لَمْ يَعُدْ لَدَيْهِ شَكٌّ فِي الأَمْر. تَبِعَ «مِيخَائِيل» دُونَ نُطْق، وَتَمَّ اصْطِحَابُهُ إِلَى غُرْفَةٍ جَانِبِيَّة. كَانَ القَصْرُ الكَبِيرُ يُحَافِظُ عَلَى طَابَعِهِ العَتِيق، وَكَانَ مُقَارِباً لِقَصْرِ قَيْصَر فِي الحَجْم، لَكِنَّ الأَجْوَاءَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَاماً؛ فَبِعَكْسِ مَنْزِلِ قَيْصَر الَّذِي كَانَ يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ الفَخَامَةِ فِي كُلِّ قِطْعَةِ أَثَاثٍ أَوْ تَصْمِيمٍ دَاخِلِيّ، كَانَ قَصْرُ «مِيخَائِيل» بَسِيطاً وَمُتَقَشِّفاً. وَأَضَافَ «لِي وُون»، الَّذِي فَكَّرَ إِلَى هَذَا الحَدّ، أَنَّ حَجْمَ المَنْزِلِ بِالنِّهَايَةِ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنِ التَّقَشُّفِ الفِعْلِيّ. سَحَبَ الخَادِمُ مَقْعَداً لِلْضَّيْفِ ثُمَّ اخْتَفَى دُونَ صَوْت، لِيَعُودَ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ حَامِلاً الشَّايَ وَالبَسْكْوِيت، وَوَضَعَ الكُوبَ أَمَامَ كُلٍّ مِنْ «مِيخَائِيل» وَ«لِي وُون» بِالتَّتَابُع. وَفَجْأَةً، شَعَرَ «لِي وُون» بِرَائِحَةٍ زَكِيَّةٍ تَنْبَعِثُ مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ فِي القَصْر؛ رَائِحَةُ الشَّايِ الأَسْوَدِ المُعَدِّ لِلْتَّوِ تَمَازَجَتْ مَعَ العَبِيرِ الخَاصِّ بِالمَنْزِل، مِمَّا خَلَقَ شُعُوراً غَرِيباً بِالرَّاحَة. فَتَحَ «مِيخَائِيل» فَمَهُ يُخَاطِبُ الشَّابَّ الَّذِي كَانَ يَتَأَمَّلُ الشَّايَ فِي صَمْت: “أَلَا تُحِبُّ الشَّاي؟” وَأَمَامَ نَبْرَتِهِ اللَّطِيفَة، أَجَابَ «لِي وُون»: “بَلْ أُحِبُّه”. فَسَأَلَهُ «مِيخَائِيل» بِابْتِسَامَةٍ عِنْدَمَا رَأَى رَدَّهُ المُبَاشِر: “إِذَنْ أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَمْ يُعْجِبْك. هَلْ أَطْلُبُ مِنْهُمْ إِحْضَارَ نَوْعٍ آخَر؟” فَقَالَ الشَّابُّ مُسْرِعاً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ بِاسْتِدْعَاءِ الخَادِم: “لَا دَاعِي، شُكْراً لَك”، ثُمَّ رَفَعَ كُوبَ الشَّايِ إِلَى فَمِه. كَانَ مَذَاقُ الشَّايِ رَائِعاً؛ فَبِعَكْسِ الرَّائِحَةِ الحُلْوَةِ لِلْفَوَاكِهِ الِاسْتِوَائِيَّة، كَانَ الطَّعْمُ مُرّاً بِاعْتِدَالٍ وَخَفِيفاً. وَبَعْدَ أَنْ رَشَفَ رَشْفَةً مِنَ الشَّايِ الفَاخِرِ الَّذِي أُعِدَّ بِعِنَايَة، أَعَادَ الكُوبَ إِلَى الطَّاوِلَة، لِيَقُولَ «مِيخَائِيل» مُجَدَّداً: “لَقَدْ كَانَتْ وَالِدَتُكَ تَتَنَاوَلُ البَسْكْوِيتَ فَوْراً بَعْدَ كُلِّ رَشْفَةٍ مِنَ الشَّاي
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!