فصل 58

فصل 58

تَقُولُ إِنَّكَ لَا تَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ هَذِهِ الأَيَّام؟” قَالَتْهَا «لْيُودْمِيلَا» وَهِيَ تَرْتَجِفُ خَوْفاً، ثُمَّ تَابَعَتْ: “حَتَّى إِنَّ «يُورِيتْش» ذَهَبَ إِلَى العَرَّافَةِ وَسَأَلَهَا كَيْفَ يُمْكِنُهُ إِرْضَاؤُك”. لَمْ يَقُلْ «قَيْصَر» أَيَّ شَيْء؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ شَيْئاً عَنْ ذَلِك، فَقَدْ كَانَتْ كُلُّ عَصَبِيَّتِهِ مُوَجَّهَةً نَحْوَ أَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَط. لَهَثَ «دِمِيتْرِي» وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى «قَيْصَر» الَّذِي كَانَ يَسِيرُ بِصَمْتٍ دَاخِلَ المَكْتَبِ مُسْتَنْشِقاً دُخَانَ سِيجَارَتِه، ثُمَّ سَأَلَهُ: “هَلْ ذَلِكَ المُحَامِي ذُو المَظْهَرِ الفَاضِحِ يَقُومُ بِخِيَانَتِك؟” تَوَقَّفَتْ خُطُوَاتُ «قَيْصَر» فَوْراً، وَبَيْنَمَا كَانَ يُدِيرُ نَظَرَهُ بِنَحْوٍ بَطِيء، ابْتَسَمَ «دِمِيتْرِي» قَائِلاً: “يَبْدُو أَنَّهَا الإِجَابَةُ الصَّحِيحَة”. عَادَ «قَيْصَر» لِلْسَّيْرِ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَة، فِيمَا فَتَحَ «دِمِيتْرِي» فَمَهُ مُجَدَّداً وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِمَلَامِحَ جَادَّة، نَافِخاً دُخَانَ سِيجَارِهِ وَهُوَ يَتَمَشَّى بِبُطْءٍ مِنْ طَرَفٍ إِلَى آخَرَ فِي المَكْتَبِ قَائِلاً: “إِنَّ أَمْرَكَ غَرِيب؛ فَلَمْ تَعُدْ تَأْتِي حَتَّى إِلَى النَّادِي، وَتَغْضَبُ كُلَّمَا تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِذَلِكَ المُحَامِي. لِمَاذَا تَفْعَلُ هَذَا مُجَدَّداً الآن؟ هَلْ قَامَ بِطَرْدِكَ حَتَّى؟” فَرَدَّ عَلَيْهِ «قَيْصَر» بِجَفَافٍ لِلْمَرَّةِ الأُولَى: “مُزْعِج”. لَكِنَّ هَذَا الصَّوْتَ المُلَفَّعَ بِالتَّوَتُّرِ لَمْ يَزِدْ خَمْنَ «دِمِيتْرِي» إِلَّا ثَبَاتاً وَيَقِيناً، لِتَضِيقَ عَيْنَاهُ مُرْدِفاً: “أَلَمْ تَكُنْ مَعَهُ بَعْد؟” لَمْ يَقُلْ «قَيْصَر» شَيْئاً هَذِهِ المَرَّة، بَلْ كَتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ بِحَاجِبَيْنِ مَعْقُودَيْن، فَتَابَعَ «دِمِيتْرِي» بِبُطْءٍ وَكَأَنَّهُ يَعْلَمُ الحَقِيقَةَ بِالفِعْل: “لَوْ كَانَ مَعَكَ لَمَا اسْتَطَاعَ المَشْيَ هَكَذَا، فَلَا بُدَّ أَنَّهُ كَانَ سَيَمُوتُ أَوْ يَمْرَض. فَعِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرِّجَال، فَإِنَّ عُذْرِيَّتَهُ تَصْنَعُ الفَارِق”. ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ مَهَلَةٍ وَهُوَ يُخْرِجُ سِيجَارَةً مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِه: “لَا أَعْلَمُ حَقّاً، لَكِنْ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى ذَلِكَ الوَجْه، فَلَا بُدَّ أَنَّهُ تَلَقَّى الكَثِيرَ مِنْ الخَلْف”. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، دَوَى صَوْتٌ مَعْدَنِيٌّ مُفَاجِئٌ فَوْقَ الرَّأْس، لِيَتَجَمَّدَ «دِمِيتْرِي» فِي وَضْعِيَّتِهِ نَفْسِهَا وَهُوَ يُخْرِجُ السِّيجَارَة؛ إِذْ اسْتَقَرَّتْ فُوَّهَةُ مُسَدَّسِ «قَيْصَر» مِنْ نَوْعِ «غْلُوك» بَارِدَةً عَلَى رَأْسِه، وَقَالَ لَهُ «قَيْصَر» بِصَوْتٍ هَادِئ: “هَذَا هُوَ التَّحْذِيرُ الوَحِيد”. وَعِنْدَ سَمَاعِ نَبْرَتِهِ الهَادِئَة، رَفَعَ «دِمِيتْرِي» يَدَيْهِ قَلِيلاً كَمَنْ فَهِمَ الرِّسَالَة، فَأَنْزَلَ «قَيْصَر» سِلَاحَهُ لَكِنَّ الصَّمْتَ المَشْحُونَ ظَلَّ يُخَيِّمُ عَلَى الأَرْجَاء. أَخْرَجَ «دِمِيتْرِي» وِلَاعَةً وَوَضَعَ السِّيجَارَةَ فِي فَمِه، فِيمَا سَحَقَ «قَيْصَر» سِيجَارَهُ القَدِيمَ فِي المِنْفَضَةِ مُطْفِئاً إِيَّاهُ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ وَاحِدٍ جَدِيد. نَظَرَ «دِمِيتْرِي» إِلَى المِنْفَضَةِ المُمْتَلِئَة، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى الجَرَسِ لِيَسْتَدْعِيَ «لْيُودْمِيلَا» قَائِلاً: “هَلْ يُمْكِنُكِ تَغْيِيرُهَا؟” وَعِنْدَمَا سَأَلَهَا بِابْتِسَامَة، أَسْرَعَتْ الفَتَاةُ لِإِحْضَارِ مِنْفَضَةٍ جَدِيدَة. رَاقَبَ «دِمِيتْرِي» بِصَمْتٍ الرَّمَادَ الَّذِي كَانَ يَتَسَاقَطُ مِنَ المِنْفَضَةِ المُمْتَلِئَةِ خَلْفَهَا وَهِيَ تَبْتَعِد، ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ بَعْدَ رَحِيلِهَا قَائِلاً: “إِنَّكَ تَبْدُو جَادّاً لِلْغَايَة. إِنَّهُ لَمِنْ الِانْضِبَاطِ الذَّاتِيِّ العَظِيمِ أَنْ تَتَحَمَّلَ رُؤْيَةَ تِلْكَ الأَشْيَاءِ تَحْدُثُ أَمَامَ جَبِينِك، فَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي حَتَّى التَّظَاهُرُ بِذَلِك”. ثُمَّ أَخَذَ نَفَساً عَمِيقاً مِنْ دُخَانِ سِيجَارَتِه المِشْتَعِلَةِ وَتَابَع: “فِي النِّهَايَة، أَنْتَ لَسْتَ أَيَّ شَخْصٍ عَادِيّ”. وَقَبْلَ أَنْ يَسْحَبَ «قَيْصَر» مُسَدَّسَهُ مُجَدَّداً، أَسْرَعَ «دِمِيتْرِي» بِالقَوْل: “إِنَّهَا حَيَاتُكَ الخَاصَّة، لَكِنْ هَلْ يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْه؟ أَهُوَ رُوسِيٌّ أَمْ لَا؟” فَأَجَابَهُ «قَيْصَر» بِبَسَاطَة: “بِالتَّأْكِيد”. فَقَالَ «دِمِيتْرِي»: “حَسَناً”، ثُمَّ ضَيَّقَ عَيْنَيْهِ مُتَسَائِلاً: “أَهَذَا كُلُّ مَا فِي الأَمْر؟” عَقَدَ «قَيْصَر» حَاجِبَيْهِ وَكَأَنَّهُ هَمَّ بِقَوْلِ شَيْء، فَتَنَهَّدَ «دِمِيتْرِي» بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ ثُمَّ ابْتَسَمَ قَائِلاً: “مَا رَأْيُكَ أَنْ نَتَرَاهَن؟” فَرَدَّ «قَيْصَر» بَاسْتِنْكَار: “نَتَرَاهَن؟” فَأَجَابَهُ: “الأَمْرُ بَسِيط؛ يُمْكِنُكَ الِاخْتِيَارُ بَيْنَ (نَعَمْ) أَوْ (لَا)، وَالجَوَائِزُ سَتَكُونُ…” ثُمَّ ضَحِكَ بِخِفَّةٍ وَتَابَعَ وَسَطَ الدُّخَان: “لِنَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَجْدِ الفَائِز. أَنَا أُصَوِّتُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ المُحَامِي سَوْفَ يَخُونُكَ عَاجِلاً أَمْ آجِلاً”. نَظَرَ إِلَيْهِ «قَيْصَر» بِحَاجِبَيْنِ مُقَطَّبَيْن، لَكِنَّ «دِمِيتْرِي» اكْتَفَى بِالِابْتِسَامَةِ وَهُوَ يَضَعُ السِّيجَارَةَ فِي فَمِه، مُفَكِّراً فِي دَاخِلِهِ أَنَّ الشَّابَّ سَيَهْجُرُهُ حَتْماً، بَيْنَمَا كَانَتْ عَيْنَاهُ الخَضْرَاوَانِ القَاتِمَتَانِ مَحْجُوبَتَيْنِ بِفِعْلِ الدُّخَانِ الكَثِيف. وَفِي مَكَانٍ آخَر، وَقَبْلَ بِضْعَةِ أَيَّام، كَانَ النَّاسُ فِي القَصْرِ مَشْغُولِينَ بِالتَّحْضِيرَات؛ فَقَدْ كَانَ عِيدُ مِيلَادِ «مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف»، زَعِيمِ مُنَظَّمَةِ المَافْيَا العِمْلَاقَة، وَكَانَ الأَمْرُ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً لِأَنَّ «مِيخَائِيل» الَّذِي تَنَحَّى عَنِ الخُطُوطِ الأَمَامِيَّةِ سَيَعُودُ لِلْظُّهُور. كَانَتِ الِاسْتِعْدَادَاتُ الَّتِي أُعِدَّتْ بِعِنَايَةٍ لِمُدَّةِ شَهْرٍ قَدْ بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لِتَبْدُوَ وَكَأَنَّهَا سَاحَةُ مَعْرَكَة. كَانَ أَعْضَاءُ العِصَابَةِ يَبْحَثُونَ بِاسْتِمْرَارٍ عَنْ أَيِّ تَحَرُّكَاتٍ مَشْبُوهَة، حَتَّى إِنَّهُمْ لَاحَقُوا كَلْباً مَحَلِّيّاً فَقَطْ لِفَحْصِهِ قَبْلَ إِطْلَاقِ سَرَاحِه. اسْتَيْقَظَ «لِي وُون» مُبَكِّراً عَلَى صَوْتِ الضَّوْضَاءِ وَالخُطُوَاتِ المُتَسَارِعَةِ الَّتِي بَدَأَتْ مُنْذُ الصَّبَاح. وَعِنْدَمَا نَهَضَ وَنَظَرَ إِلَى الخَارِج، رَأَى الجَمِيعَ يَتَحَرَّكُونَ بِعَجَلَة؛ فَقَدْ كَانَ طُهَاةُ الحَفَلِ يَتَنَاقَشُونَ حَوْلَ قَائِمَةِ الطَّعَام، وَرِجَالٌ يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ أَنِيقَةً يَمُرُّونَ بِخِفَّةٍ حَامِلِينَ جِبَالاً مِنَ الصَّوَانِي. وَعِنْدَمَا لَمَحَ رَجُلاً يَجُرُّ عَرَبَةً مُغَطَّاةً بِسِتَار، أَدْرَكَ الشَّابُّ أَنَّهَا كَعْكَةُ الحَفْل. وَفِي وَسَطِ هَذَا المَشْهَدِ الصَّاخِب، رَأَى رِجَالاً مَشْبُوهِينَ لِلْوَهْلَةِ الأُولَى، تَلْمَعُ أَعْيُنُهُمْ بِحِدَّةٍ وَهُمْ يَتَوَاصَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُم؛ وَبِالتَّأْكِيدِ كَانُوا أَعْضَاءً فِي مُنَظَّمَةِ «لُومُونُوسُوف». أَطْلَقَ «لِي وُون» تَنَهُّدَةً مَرِيرَة، فَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا إِذَا كَانَ قَرَارُهُ صَائِباً، وَخُصُوصاً إِذَا عَلِمَ «قَيْصَر» بِالْوَضْعِ الحَالِيّ، إِذْ لَمْ يَسْتَطِعْ التَّخَلُّصَ مِنْ فِكْرَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا اتَّخَذَ القَرَارَ الخَاطِئَ بِدَافِعِ التَّعَاطُفِ فَقَط، لَكِنَّ الخِيَارَ قَدْ حُسِمَ بِالنِّهَايَة، وَفَكَّرَ أَنَّهُ سَيَعُودُ غَداً. كَانَ يُزْعِجُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاتِّصَالِ بِه بَعْدَ أَنْ افْتَرَقَا بِتِلْكَ الطَّرِيقَة، فَهَلْ يَعْقِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِرُؤْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِك؟ هَلْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاتِّصَالُ بِه؟ عَقَدَ الشَّابُّ حَاجِبَيْهِ أَمَامَ هَذِهِ الفِكْرَةِ المُفَاجِئَة، فَمَا الَّذِي كَانَ سَيَقُولُهُ لَهُ عَلَى أَيِّ حَال؟ وَعِنْدَمَا التَفَتَ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ طَرْقٍ عَلَى البَاب، دَخَلَتْ الخَادِمَةُ حَامِلَةً صُنْدُوقاً كَبِيراً وَقَالَتْ: “هَذِهِ هِيَ المَلَابِسُ الَّتِي سَتَرْتَدِيهَا اليَوْم”. انْحَنَتْ الفَتَاةُ الشَّابَّةُ ذَاتُ النَّمَشِ بِابْتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ تُمَازِحُهُ ثُمَّ غَادَرَتِ الغُرْفَة. نَظَرَ «لِي وُون» إِلَى الصُنْدُوقِ الَّذِي يَحْمِلُ شِعَارَ مُصَمِّمٍ شَهِيرٍ لَا يُرَى إِلَّا فِي المَتَاجِرِ الكُبْرَى، وَعِنْدَمَا فَتَحَهُ وَجَدَ حُلَّةَ «تُوكْسِيدُو» فَاخِرَةً أُعِدَّتْ لِلْحَفْل. فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ أَخْرَجَ المَلَابِس، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرّاً لِارْتِدَائِهَا، فَقَدْ كَانَتْ مُنَاسِبَةً لَهُ تَمَاماً، إِذْ لَا بُدَّ أَنَّهَا صُنِعَتْ بِطَلَبٍ خَاصٍّ لِأَجْلِه. وَخِلَالَ فَتْرَةِ إِقَامَتِهِ القَصِيرَةِ فِي القَصْر، أَنْفَقَ «مِيخَائِيل» أَمْوَالاً طَائِلَةً مِنْ أَجْلِ ابْنِه، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ تَعْوِيضَ كُلِّ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ فِعْلَهُ فِي المَاضِي. وَرَغْمَ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ لَمْ تُحَرِّكْ قَلْبَ الشَّابّ، إِلَّا أَنَّ جُهُودَ العَجُوزِ اليَائِسَةَ جَعَلَتْ جَفَافَهُ يَنْكَسِرُ قَلِيلاً. وَرَغْمَ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ سَيْلَ الهَدَايَا هَذَا، إِلَّا أَنَّ اليَوْمَ هُوَ عِيدُ مِيلَادِ «مِيخَائِيل»، لِذَا قَرَّرَ «لِي وُون» لِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَابْنٍ كَمَا يَرْغَبُ الرَّجُل. وَضَعَ الحُلَّةَ عَلَى السَّرِير، ثُمَّ فَتَحَ الصُّنْدُوقَ الآخَرَ الَّذِي أَرْسَلَهُ مَعَهَا، لِيَجِدَ سَاعَةً جَمِيلَةً مُرَصَّعَةً بِالأَلْمَاس. تَرَكَ الصُّنْدُوقَ بِجَانِبِ المَلَابِسِ ثُمَّ اسْتَدَارَ مُتَّجِهاً إِلَى الحَمَّام، فَقَدْ بَدَا أَنَّهُ سَيَكُونُ يَوْماً حَافِلاً بِالعَمَل. وَعِنْدَ مَدْخَلِ الحَفْل، هَتَفَ الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ بِأَدَب: “أَهْلاً بِكَ يَا قَيْصَر”، ثُمَّ طَلَبَ الإِذْنَ لِتَفْتِيشِه. لَمْ يَكُنْ وُجُودُ جِهَازِ كَشْفِ المَعَادِنِ أَمَامَ بَوَّابَةِ القَصْرِ أَمْراً غَرِيباً؛ فَكُونُهُ زَعِيماً لِمُنَظَّمَةٍ يَجِبُ أَنْ يَحْذَرَ دَائِماً مِنَ الِاغْتِيَالَاتِ جَعَلَ مِنْ الصَّعْبِ عَلَيْهِ الشُّعُورُ بِالِارْتِيَاحِ حَتَّى فِي حَفْلِ عِيدِ مِيلَاد. وَبَعْدَ تَفْتِيشٍ قَصِير، انْحَنَى عُضْوُ المُنَظَّمَةِ بِاحْتِرَامٍ جَمّ، لِيُتَابِعَ «قَيْصَر» سَيْرَه. كَانَ الرَّوَاقُ يَعُجُّ بِالنَّاسِ بِالفِعْل؛ لَمْ يَقْتَصِرْ الحُضُورُ عَلَى الشَّخْصِيَّاتِ المُؤَثِّرَةِ فِي الأَوْسَاطِ السِّيَاسِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ وَزَوْجَاتِهِمْ وَعَشِيقَاتِهِمْ فَقَط، بَلْ شَمَلَ أَيْضاً كُلَّ نَوْعٍ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُ طَبِيعَةِ عَلَاقَتِهِمْ بِالمَكَان، وَكَانَ بِمَقْدُورِ المَرْءِ الشُّعُورُ بِنَظَرَاتِ التَّحِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ وَالِاسْتِكْشَافِ بَيْنَهُم. وَبِالطَّبْع، كَانَ مُعْظَمُهُمْ زُعَمَاءَ لِمُنَظَّمَاتٍ كَبِيرَةٍ جِدّاً. وَرَغْمَ أَنَّ «قَيْصَر» جَاءَ بِمُفْرَدِه، إِلَّا أَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّ الآخَرِينَ أَحْضَرُوا زَوْجَاتِهِمْ وَأَبْنَاءَهُم، وَهُوَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ كُونُ الحَفْلِ لِـ «مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف»؛ إِذْ مِنَ الصَّعْبِ العَيْشُ فِي رُوسْيَا مَعَ تَجَاهُلِ وُجُودِ هَذَا الرَّجُل. وَقَدْ جَاءَ «قَيْصَر» إِلَى هُنَا لِلْسَّبَبِ نَفْسِهِ بِمَعْنًى مَا، لَكِنْ فِي حَالَتِه، كَانَتْ هُنَاكَ أَيْضاً نِيَّةٌ لِمَعْرِفَةِ وَضْعِ «مِيخَائِيل» بِعَيْنَيْه. حَرَّكَ «قَيْصَر» كَأْسَ الشَّمْبَانْيَا فِي يَدِهِ بِبُطْءٍ مَعَ عَقْدِ حَاجِبَيْهِ بِعُمْق؛ فَقَدْ كَانَ يُجْرِي حِسَابَاتٍ دَقِيقَةً بِعَقْلَانِيَّة، لَكِنَّ مَشَاعِرَهُ كَانَتْ فِي حَالَةِ فَوْضَى عَارِمَة. وَبِالطَّبْع، كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ لِذَلِك؛ فَقَدْ كَانَ قَلِقاً لِلْغَايَةِ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ جَيِّداً مُنْذُ اخْتِفَاءِ «لِي وُون». لَقَدْ كَانَتْ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي يَكْتَشِفُ فِيهَا أَنَّ خَيَالَهُ خِصْبٌ إِلَى هَذَا الحَدّ، إِذْ كَانَ طَيْفُ الشَّابِّ يَبْرُزُ فِي عَقْلِهِ بِكُلِّ الأَشْكَالِ مِمَّا جَعَلَهُ لَا يُطِيقُ الِانْتِظَار، وَحَتَّى فِي هَذِهِ اللَّحْظَة، كَانَ يَكْبَحُ بِصُعُوبَةٍ رَغْبَتَهُ فِي مُغَادَرَةِ القَاعَةِ وَالتَّجَوُّلِ فِي الشَّوَارِعِ بَحْثاً عَنْه. فَكَّرَ أَنَّهُ سَيَجِدُهُ قَرِيباً، وَفِي أَسْوَإِ الأَحْوَال، كَانَ يُفَكِّرُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِنُفُوذِ «دِمِيتْرِي»، رَغْمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ الخِيَارَ الأَخِير. وَبَيْنَمَا كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مَعَ تَنَهُّدَةٍ قَصِيرَة، تَحَدَّثَتْ إِلَيْهِ ابْنَةُ أَحَدِ السِّيَاسِيِّينَ البَارِزِين، فَرَدَّ عَلَى كَلِمَاتِهَا بِجَفَافٍ وَأَزَاحَ نَظَرَهُ بِلَامُبَالَاة، لَكِنَّ شُعُوراً غَرِيباً تَمَلَّكَهُ فَجْأَة؛ إِذْ بَدَأَ النَّاسُ يَتَهَامَسُونَ وَيَنْظُرُونَ نَحْوَ شَيْءٍ مَا. وَعِنْدَمَا أَدَارَ «قَيْصَر» رَأْسَهُ لَا إِرَادِيّاً، تَصَلَّبَ جَسَدُه، مُتَمَنِّياً أَنْ يَكُونَ هَذَا مُجَرَّدَ وَهْم. لَقَدْ كَانَ الشَّابُّ يَرْتَدِي حُلَّةَ «تُوكْسِيدُو» كِلَاسِيكِيَّةً أَنِيقَةً مَعَ سَاعَةِ أَلْمَاسٍ فَاخِرَة، وَجَذَبَ مَظْهَرُهُ الفَاتِنُ بِشَعْرِهِ المُرَتَّبِ عِنَايَةَ الجَمِيع. وَكَانَتِ الشَّمْبَانْيَا الَّتِي يُمْسِكُهَا بِرِفْقٍ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ تَتَصَاعَدُ فُقَّاعَاتُهَا بِلَا نِهَايَة، وَمَعَ كُلِّ انْحِنَاءَةٍ خَفِيفَةٍ لِلْكَأْس، كَانَ السَّائِلُ الذَّهَبِيُّ يَسِيرُ نَحْوَ حَنْجَرَتِه

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!