فصل 1: الفصل الأول

فصل 1: الفصل الأول

كان لي وون يركض في الشارع وهو يلهث، وأنفاسه

تتلاحق مع وقع قدميه على الإسفلت البارد. عادةً ما كان

يقطع هذا الجزء من الطريق المؤدي إلى محطة القطار

بهدوء، بل أحيانًا بشيء من الاسترخاء، لكن هذا الصباح

لم يترك له مجالًا للتمهّل. خطر بباله سريعًا:

هل كان من الأفضل أن أستقل القطار منذ البداية؟

وهو يركض، بدأ ذهنه يحسب نقوده تلقائيًا، كما لو كان

آلة.

حياته اليومية لم تكن سوى سباق متواصل مع الوقت…

ومهما حدث، كان عليه أن يوفّر بعض المال.

رفع لي وون نظره إلى الساعة القديمة المعلقة على أحد

المباني، واتسعت عيناه قليلًا. شدّ قبضتيه وزاد سرعته.

لم يتبقَّ سوى هذا المقطع القصير من الطريق.

قليل من الجهد… فقط قليل.

في تلك اللحظة هبّت رياح بوك-غو القاسية، فصفعت

وجنتيه بلا رحمة. كانت باردة لدرجة أنها كادت تخترق

جلده، فزمّ شفتيه وتمتم بلعنة خافتة.

كانت المباني تمرّ بجانبه كأنها خطوط ضبابية، كل شيء

يندفع بسرعة أمام عينيه.

وفجأة—

ظهر أمامه رجل طويل قادم من الاتجاه المعاكس. كان

يسير ببطء نسبي، ممسكًا هاتفه المحمول، يتحدث فيه

دون أن يلاحظ الفتى المندفع نحوه.

“أوه!”

اتسعت عينا لي وون.

لقد تأخر رد فعله.

قدماه اللتان اندفعتا بالركض لم تعودا قادرتين على

التوقف فجأة، وزخم جسده دفعه إلى الأمام بلا رحمة.

أغلق عينيه بإحكام، مستعدًا للاصطدام.

وفي اللحظة الأخيرة، لمح الرجل يرفع رأسه من الهاتف

ويلتفت نحوه،

وعلى وجهه تعبير مفاجأة واضح.

“هذا—”

وتجمدت اللحظة بينهما لثانية قصيرة،

قبل أن يحدث الاصطدام

في جزءٍ من الثانية، وقبل أن يسقط أرضًا بلا رحمة،

حدث شيء لم يتوقعه لي وون.

مدّ الرجل ذراعه بسرعة خاطفة، وبحركة مرنة أمسك

خصره وأوقف اندفاعه.

توقفت أنفاس لي وون للحظة.

كانت سرعة الرجل مذهلة؛ كأنه أفلت من الاصطدام في

آخر لحظة.

لكن النتيجة لم تكن مثالية تمامًا.

صحيح أنه نجح في احتضان خصر لي وون ومنعه من

السقوط،

لكن فجأة ارتفع ضغط قوي في معدة لي وون…

وفي ردّة فعل لا إرادية، انحنى قليلًا وتقيأ.

“…آسف.”

تمتم لي وون بالكلمة بصعوبة وهو يرفع رأسه أخيرًا.

وعندما التقت عيناه بوجه الرجل الذي أمامه، اتسعت

عيناه بدهشة.

كان الرجل أطول منه… أطول بكثير مما توقع.
لي وون نفسه كان يُعد طويل القامة بين الناس، لذلك نادرًا ما كان يضطر لرفع رأسه لينظر إلى أحد.
لكن هذا الرجل—
كان أطول منه بما يقارب رأسًا كاملًا.
أول ما وقع عليه بصره كان شعرًا أشقر بلاتينيًا يلمع ببرودة تحت ضوء النهار.
ظل لي وون للحظة يحدّق في خصلات الشعر الفاتحة التي كانت تتمايل برفق مع الريح.
ثم عاد إلى رشده فجأة.
أنزل نظره قليلًا… فالتقت عيناه بعينين فضيتين رماديتين تحدقان فيه مباشرة كأنهما رصاص
وفي اللحظة التي حبس فيها أنفاسه دون أن يشعر، فتح الرجل فمه أخيرًا وقال:
“أين أُصبت؟”
ارتبك لي وون قليلًا قبل أن يهز رأسه بسرعة.
“لا… أنا بخير.”
استعاد لي وون وعيه سريعًا، كأن أحدهم أيقظه من غفوة قصيرة، ثم ابتعد عنه بخطوات متعجلة. أما الرجل، فقد ترك خصره طوعًا، واكتفى بابتسامة خفيفة عابرة.

وقف الاثنان متقابلين للحظة…
لكن حضور ذلك الرجل ظلّ يلفت الانتباه على نحو غريب.

كان طويل القامة إلى حدٍ مهيب، وكأن ضوءًا خافتًا يشعّ من جسده، يشبه وهج الشفق القطبي البارد في ليلة شتوية بعيدة.

ارتدى معطفًا طويلًا من الفرو، بدا كأنه صُنع من جلود أربعة حيوانات، ينسدل فوق بدلة سوداء أنيقة تلتف بإحكام حول جسده القوي.
مظهره المترف كان في عالمٍ آخر تمامًا مقارنةً بلي وون، الذي كان يقف أمامه ببدلة رخيصة بعد أن ركض عبر الشوارع المتربة.

خطر ببال لي وون فجأة:

ما الذي جاء بهذا الرجل إلى زقاقٍ فوضوي كهذا؟

وفي اللحظة التي خطرت فيها الفكرة، انفرجت شفتا الرجل قليلًا، فكشفتا عن أسنان بيضاء حادة. كانت ابتسامته تحمل شيئًا غامضًا… شيئًا أقرب إلى الإغواء الهادئ.

عندها أدرك لي وون أنه كان يحدّق به طويلًا دون قصد، فارتبك وفتح فمه بسرعة.

“آسف على الإزعاج.”

“لا بأس.”

أجاب الرجل بصوت ناعم متدفق، كالماء الهادئ، بينما ظلّ ينظر إلى لي وون دون أن يحوّل بصره.

كان في تلك النظرة شيء جعل لي وون يشعر بعدم الارتياح…
شيء في الطريقة التي لم يرمش فيها الرجل حتى.

قال لي وون بسرعة، محاولًا إنهاء الموقف:

“إذن… سأذهب.”

وكاد يستدير ليرحل.

لكن قبل أن يبتعد بخطوة، سمع صوت الرجل يناديه فجأة:

“لحظة.”

توقف لي وون والتفت إليه بدهشة.

كان الرجل لا يزال يحدق فيه، بعينيه الرماديتين الثابتتين، ثم قال دون أن يشيح بنظره عنه…نظر لي وون إليه بحيرة، لكن الرجل تكلّم دون أن يشيح بعينيه عنه، وكأن نظره قد استقر عليه منذ البداية.

“أنت… ما رأيك أن ترتدي نظارة شمسية؟”

رمش لي وون بدهشة من الكلمات غير المتوقعة.

كان قد سمع من قبل أن ضوء الشمس المنعكس على الثلج يحمل أشعة فوق بنفسجية أقوى حتى من شمس الصيف. وفي روسيا، حيث يبتلع الشتاء نصف العام، ربما كان هذا أمرًا طبيعيًا.
لكن أن يقول رجل غريب شيئًا كهذا لشخصٍ التقاه للتو… بل وهو نفسه لا يرتدي نظارة شمسية—

كان الأمر غريبًا بعض الشيء.

ثم إن عينيه الرماديتين الفضيّتين، الأكثر حساسية للضوء من العيون الداكنة، كانتا تنظران بثبات…
فهل كانت تلك مجرد نصيحة عابرة؟

تذكر لي وون طبع الروس، الذين لا يترددون أحيانًا في توبيخ الغرباء دون مقدمات. لذلك اختار أن يتجاهل الأمر بسرعة.

لم يؤكد كلامه ولم ينفه.
اكتفى بابتسامة خفيفة غامضة، ثم عاد فجأة إلى واقعه، كمن يستيقظ من شرود قصير.

آه… لقد تأخرت تمامًا.

وفي اللحظة التالية، اندفع يركض من جديد.

ظلّ الرجل واقفًا في مكانه، يتابع بعينيه ظهر لي وون وهو يبتعد، خطوةً بعد خطوة، حتى صار مجرد ظل يتلاشى في نهاية الزقاق.

“…”

في تلك اللحظة، انبعث صوت من الهاتف في يده.

رفع الرجل الهاتف إلى أذنه أخيرًا وقال بهدوء:

“آه، ديميتري. حدث أمر صغير قبل قليل…
لا، لا شيء مهم.”

ثم انحنت شفاهه في ابتسامة خفيفة، بينما كانت عيناه لا تزالان معلقتين بالمكان الذي اختفى فيه لي وون.

وقال بنبرة أقرب إلى الهمس:

“لقد رأيتُ… قطعةً من الإغراء تمشي على قدمين.”
“تبًّا! ألا تفهمين؟ قلتُ لك إن هذا المتجر أصبح لنا ابتداءً من اليوم! اخرجي من هنا فورًا!”

انكمشت امرأة في منتصف العمر في زاوية المكان، ووجهها يكسوه القلق، بينما كانت تبكي بصمت. لم تستطع حتى أن تعترض على شتائم الرجال الفظة وهم يقلبون الطاولات والكراسي بعنف، يصاحب حركتهم صخبٌ من الصراخ والضجيج.
تجمع الناس في الخارج فجأة، يراقبون المشهد بوجوه متجهمة…
لكن لم يجرؤ أحد على التقدم خطوة.

أما الرجال، فبدت الفوضى وكأنها تمنحهم مزيدًا من الحماس. أخذوا يرمون الأثاث في كل اتجاه، يطرقونه بالأرض ليحدثوا ضجيجًا أكبر.

“هل ترغبين في الموت ايتها العجوز ؟ ألم أقل لك أن تفرغي المكان فورًا وتغادري؟ يبدو أنك لا تفهمين الكلام… ماذا؟ هل تريدين أن نضربك حتى تفهمي؟ أم أنك تشتاقين للموت؟”

وفي اللحظة التي ارتفعت فيها قبضته موجهة نحو المرأة—

انطلقت من بين المتفرجين همسات وصيحات متفرقة؛ بعضها قلق، وبعضها متوتر كمن ينتظر نهاية مأساوية.

لكن قبل أن تهبط الضربة—

توقفت ذراعه في الهواء فجأة.

شيء ما… أمسك بها.

استدار الرجل بسرعة، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه من ذلك العائق المفاجئ.

“ما هذا؟!”

وفي تلك اللحظة القصيرة، بدا وكأن الهواء نفسه قد برد فجأة.

ومن بين الضوء الخلفي، ظهر ظل أسود طويل، يمتد خلف الرجل الذي وقف هناك.

قطّب الرجل المعتدي حاجبيه دون وعي، ثم رمش عدة مرات محاولًا أن يرى بوضوح.

وعندها فقط…
تمكن أخيرًا من تمييز الشخص الذي كان يقف خلفه ويمنعه.
كان الرجل طويل القامة على نحوٍ لافت، نحيل البنية… لكن جسده كان متناسقًا بشكلٍ جميل تحت بدلته الأنيقة.
كانت العضلات تمتد برشاقة على عظامه الطويلة، لا زائدة ولا ضعيفة، بل بالقدر الذي ينسجم تمامًا مع خطوط وجهه النحيل.

عيناه كانتا سوداوين عميقتين، كليلٍ بلا قمر،
وشعره الأسود يحمل مسحةً مزرقة خفيفة تحت الضوء، ما جعل ملامحه تبدو غريبة قليلًا عن ملامح السلاف المعتادة—كأن في دمه خليطًا من أصولٍ بعيدة.

وقف هناك، أطول من معظم الحاضرين، ينظر إلى الرجل الأقصر منه بنظرة باردة…
زرقة قاسية تشبه جليد الأنهار المتجمدة.

وعندما التقت أعينهما—

تجمد الرجل المعتدي للحظة، رغم الموقف المتوتر.

لم يسبق له أن رأى رجلًا بهذا الجمال من قبل.
بل لم يتخيل حتى أن ذلك ممكن.

كيف يمكن لرجل أن يبدو بهذا القدر من الجاذبية… رغم تلك الهالة الخطرة التي تحيط به؟

كلمة “فاحش الجاذبية” بدت وكأنها خُلقت لوصفه.
مجرد نظرة باردة منه كانت كفيلة بأن تذيب قوة خصمه من الداخل.

تلك الصدمة الغريزية القصيرة… كسرت اندفاعه القتالي للحظة.

لكن الرجل الطويل لم يبدُ عليه أي اهتمام بما يحدث في ذهنه.
نظر إليه ببرود، كأن هذا المشهد يتكرر أمامه كل يوم.

ثم قال بصوتٍ هادئ خالٍ من الانفعال:

“هذا النوع من التصرفات غير قانوني.
إن أردتم هذا المكان… فعودوا وخذوه بالطريقة القانونية.”

“م… ماذا؟!”

وفي تلك اللحظة صرخ أحد الرجال من الخلف:

“إيفانوف! ماذا تفعل؟! تخلّص منه فورًا!”

كأن الصرخة أعادتهم إلى رشدهم.
فالرجال الذين كانوا واقفين يحدقون بدهشة، بدأوا أخيرًا يتحركون وهم يضربون كتف رفيقهم بعصبية.

أما الرجل الذي كانت ذراعه ممسوكة—

فقد شعر فجأة بوخزٍ من الإحراج والغضب يتصاعد في صدره… وكأن كرامته قد دُفعت إلى الأرض أمام الجميع
صرخ الرجال متأخرين أخيرًا، وراحوا يصرخون في رفيقهم ويضربون كتفيه بعصبية.
أما إيفانوف، وقد اشتعل في داخله خليط من الخجل والغضب، فلوّح بقبضته الأخرى بسرعة، محاولًا ضرب الرجل بعدما انحبست ذراعه.

لكن قبضته لم تصل إليه أصلًا.

في لحظة واحدة، تحرّك الرجل بهدوء خاطف.
أفلت الذراع التي كان يمسكها، ثم أمسك بذراع إيفانوف الأخرى…
ولوىها خلف ظهره بحركة حادة.

“آآه—!”

انفجر صراخ إيفانوف في المكان.

ارتبك الرجال للحظة عند سماع صرخاته، ثم اندفعوا نحوهما دفعة واحدة.

لكن الرجل لم يتردد.

دفع إيفانوف أرضًا ببرود، ثم استدار نحو البقية، وجسده يتحرك بخفة حادة.
انطلقت قبضاته وركلاته بلا تردد نحو الرجال الذين ركضوا نحوه.

احتشد المتفرجون حول المشهد، عيونهم متسعة، وأنفاسهم محبوسة.

ومع ذلك—

لم تستغرق المعركة وقتًا طويلًا.

في مواجهة أربعة رجال، انتهى الأمر بانتصارٍ كاسح يكاد يبدو غير معقول.

عندما اندفع آخرهم نحوه محاولًا ركلَه، انحرف الرجل جانبًا بخفة،
ثم مدّ قدمه في اللحظة التالية—

ووجه ركلة قاسية إلى الفراغ الواسع بين ساقي خصمه.

انطلق صراخ يائس في الهواء.

وبعد لحظات قليلة، كان الرجال الأربعة في حالة يرثى لها، يصرخون من الألم وهم يهربون مترنحين، يعرجون مبتعدين.

ظل الرجل واقفًا هناك حتى اختفى آخر ظلٍ لهم في نهاية الشارع.

عندها فقط—

ربّت بهدوء على بدلته، وكأنه يزيل غبارًا غير مرئي، ثم أدار رأسه.

في الزاوية، كانت المرأة التي احتمت بالمكان منذ البداية ما تزال هناك.
لم تستطع فعل شيء طوال ما حدث.

وعندما التقت عيناها بعينيه—

تراجعت خطوة إلى الوراء،
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول استيعاب ما جرى أمامها للتو.
أما الرجل، فقد سوّى بدلته بحركة اعتادها، ثم اقترب منها بخطوات هادئة.
مدّ يده نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة ودودة، كأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى أمر عابر.
وقال بلطف:
“هل أنتِ بخير؟
أعتذر عن التأخير… تعطلت السيارة، فاضطررت أن أركض مسافة شارع كامل.”
عندها فقط لاحظت المرأة أخيرًا أن شعره الأسود كان مبللًا بالعرق، يلتصق بجبينه.
ومع ذلك، ظلت مترددة في الإمساك بيده.
نظرت إليه بعينين مليئتين بالدهشة… والخوف.
“يا إلهي… ماذا فعلت؟
هل تعرف من كانوا؟”
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وقال بنبرة هادئة:
“لدي فكرة عامة فقط.
أما التفاصيل… فستسمعينها من المحامي لاحقًا.”
بدت عبارته وكأنها تزيد الأمر عبثية.
تجمدت المرأة لحظة، ثم تمتمت بذهول:
“تقصد أنك تدخلت دون أن تعرفهم حتى؟
وأنت تضربهم… عمَّ كنت تفكر بالضبط…؟”
لكن رغم حيرتها الواضحة، ظل الرجل مسترخيًا كما هو.
ثم قال بهدوء بارد:
“لدي مبدأ بسيط…
إذا ضربك أحد في وجهك، فعليك أن تكسر الذراع التي ضربتك.”
وتابع بصوت خافت كأنه يقتبس حكمة قديمة:
“عينٌ بعين…
سنٌّ بسن…
وعنفٌ بعنف.”
ارتجفت المرأة قليلًا عند سماع كلماته.
وببطء، نهضت من مكانها.
كانت ساقاها ما تزالان ترتجفان، وجسدها لم يستعد قوته بعد.
ومع ذلك… لم تمد يدها إلى يده الممدودة.
بل نظرت إليه بحذر وسألت:
“إذن… لماذا ساعدتني؟
ما الذي جاء بك إلى هنا

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

2

2 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية
  • Moon 3 weeks مضت

    حماااااس 🫣

    رد
    عرض الردود
    • زوجة القيصر الأصلية و الباقي بطاطس مقلية ردًا على Moon 3 weeks مضت

      Yezzii n7chem 🫣🫣🫣

      رد