هه… هه… هه… هه…
أنفاسٌ حادّة تتبعثر في كلّ اتجاه. وقعُ خطواتٍ فوضويةٍ يركض عبر الأزقّة، يرتطم أمامي ويقرع أذني. مبانٍ من طوبٍ عتيق، وخطوطٌ حمراء طويلة محفورة بلا نهاية في الممرّات، تتشابك هنا وهناك كخيوط عنكبوت، وتلقي بظلالٍ كئيبةٍ ممتدّة.
لا مخرج. كان يعلم ذلك مسبقًا… لكن غريزته كانت تدفعه إلى الفرار بلا توقّف.
يلهث الرجل، وقد بلغ نَفَسُه حدَّ الاختناق، يحاول النهوض وركبتاه ترتجفان. إحساسٌ لا يُحتمل حتى لوهلةٍ يعبر ذهنه—لعلّه صرخةُ غريزةٍ استشعرت الخطر.
طانغ—.
دوّى الصوت في الزقاق المظلم، مرتدًّا بين المباني القديمة. اندفع هاربًا عبر الممرّات الضيّقة، كأنّه يفرّ من الموت نفسه. تتابعت الطلقات خلف الأولى، تُمزّق الصمت مع كلّ اندفاعة هواءٍ لاهث.
ثمّ… ارتجافةٌ أخيرة واهنة، لم تبلغ نهاية الطريق، خمدت تدريجيًا وتلاشت في الهواء.
كانت السيّارةٌ السوداء، تُشعّ بهالةٍ مشؤومة، وقد توقّفت فوق على رصيف غير بعيد …
في المقعد الخلفي، استرخى الرجل قليلًا، يستنشق ببطءٍ عبير السيجارة، ممتزجًا برائحة الجلد المألوفة. كان طرف السيجار نصف المحترق يتوهّج بخفوت، وطبقةٌ كثيفة من الرماد تكاد تعجز عن حمل نفسها فتوشك أن تسقط… لكنّه، بدقّةٍ لا تُخطئ، مال قليلًا وربّت على جسد السيجار في المنفضة برفق.
وحين عاد السيجار—وقد تحرّر من رماده كأنّه تنفّس الصعداء—ليستقرّ بين شفتيه، انفرجتا عنه بخفّة، طُرق زجاج السيّارة الداكن مرّتين.
لم يُبدِ الرجل أيّ ردّ فعل.
أمّا الطارق، فانتظر لحظةً، وكأنّ الصمت هو الجواب المعتاد، ثم فتح الباب وانزلق إلى الداخل.
“تمّ الأمر.”
بعد تقريرٍ مقتضب، ثبّت الرجل نظره على يوريك بعينٍ ضيّقة، وهو يُخرج منديلًا ويجفّف يديه. في العتمة، لمع بريقُ عينيه الفضّيتين الداكنتين.
“يوريك سيواصل الإبلاغ. إيفان سيتكفّل بالبقيّة. ثلاثة أيّامٍ تكفي.”
بالنسبة ليوريك، الذي كانت يُخاطبه بثقة، واصل الرجل صمته دون أن ينبس بكلمة. كان إضاعة الوقت في أمرٍ بديهي كهذا أمرًا مُزعجًا. ترك يوريك الحديث معلّقًا، وانتظر بقلقٍ ردّة فعلها.
قيصر ألكسندروفيتش سيرغييف.
الوريث القادم لمنظمة سيرغييف، إحدى أعظم المافيات التي تُحكم قبضتها على روسيا. بصفته الابن الوحيد لسلفه، بلغ هذا الموقع بفضل إعدادٍ كاملٍ تلقّاه منذ سنٍ مبكرة. اسمه الكامل “قيصر”، لكن لا أحد يناديه به. يُدعى “القيصر”—النطق الروسي لقيصر—وكان بحقّ إمبراطور الظلام. والده، ساشا، لم يتقاعد بعد، لكن السلطة الفعلية كانت قد انتقلت بالفعل إلى الابن.
رجلٌ يستحيل سبر قلبه؛ تعابير وجهه ونبرة صوته بالكاد تتغيّران. باستثناء ديمتري، حتى يوريك—الذي كان يفخر بكونه أقرب المقرّبين إليه—كان يجد صعوبةً في قراءة أفكاره. ومرةً أخرى، وهو يراقب جانب الوجه القاسي لقيصر، الذي ارتشف من سيجاره ببطءٍ وزفر الدخان بهدوء، تملّك يوري نفادُ صبرٍ حارق لمعرفة ما يدور في ذهنه… لكن لم يكن أمامه سوى الانتظار.
هل كان هذا هو القرار الصائب؟
هل كان القيصر راضيًا؟
الخائن لا يستحق الندم أبدًا… والحكم السريع أمرٌ طبيعي.
ربما لاحظ أفكارًا أخرى؟ لو كان كذلك، لأصدر أمرًا بالتقييد…
… ما الذي تفكّر فيه بحقّ؟
لم يفتح فمه إلا بعد أن أنهى ما تبقّى من سيجاره، مستغرقًا في دخانٍ نقيّ، غير آبهٍ بقلق يوري المتصاعد في الداخل.
“كثرة الكلام… تُعجّل بالموت.”
كان الأمر كما لو أنّه نفذ إلى أعماق مشاعر يوري الداخلية، لكنه كان أيضًا تلميحًا موجّهًا إلى المُخبر. وكأنّه يُقرّ بذلك، انحنى الرجل برأسه قليلًا، ثمّ دعك سيجاره المشتعل في المنفضة، وطرق بخفّة على نافذة السيارة.
السائق، الذي كان يترقّب الإشارة، شغّل المحرّك فورًا، فانطلقت السيارة. وانزلق الحاجز السميك ليفصل بين مقعد السائق والمقصورة الخلفية، التي تحوّلت إلى غرفةٍ مغلقةٍ تكاد تكون محكمة.
فتح قيصر فمه أخيرًا:
“ما الذي حدث لزدانوف؟”
وبنبرةٍ خافتةٍ تكاد تخلو من أيّ انفعال، سارع يوري إلى تقديم الإجابة التي أعدّها مسبقًا، متأثّرًا ببرودة صوته:
“الأمر يسير بسلاسة. كما توقّعنا، هناك بعض المقاومة، لكنها لن تدوم طويلًا…”
وقبل أن يُكمل، قطعه صوت قيصر بكلماتٍ مقتضبة.
ارتبك يوريك، وفتح فمه بسرعة، وقد بدا عليه التوتر:
“أعتذر… الأمر يستغرق وقتًا أطول ممّا توقّعنا بسبب بعض المتغيّرات غير المتوقّعة، لكن النتيجة ستظهر عاجلًا أم آجلًا كما خطّطنا. يبدو أنّ نيكولاي يثق به ويحاول الصمود، لكن على أيّ حال…”
…
توقّفت كلماته فجأة، إذ انبثق صوتٌ بارد، حاسم، اقتطع الحديث كحدّ السكين:
“أيّ نوعٍ هذا؟”
لم يجد يوري مهربًا من الإجابة. وعلى مضض، وتحت وطأة النظرة، قال:
“محامٍ.”
توهّج شعر قيصر الأشقر البلاتيني بقوّة تحت ضوء مصباح شارعٍ مرّ فجأة، وفي اللحظة نفسها انسكب ظلٌّ داكن على ملامحه الحادّة، فكشف بوضوحٍ عن تقطيبٍ خفيف في جبينه.
“محامٍ؟”
بعد أن قضى المساء كلّه يُقلّب البيانات، بالكاد فتح وون عينيه مع بزوغ الفجر. نهض باكرًا، واستعدّ سريعًا، ثم نزل ليتناول قهوته.
“ستغادر مبكّرًا اليوم؟”
أومأ برأسه، بينما كانت الجدّة، صاحبة المنزل، تُحضّر الشاي الساخن والخبز.
“لديّ عملٌ يجب أن أراه غدًا… وعليّ أن أعتني بأمور نيكولاي قبل المساء.”
“عمل؟ أيّ عملٍ هذا؟”
كانت الجدّة تعرف السبب الحقيقي الذي جاء من أجله وون إلى روسيا، لذا فهمت ما بين السطور وأجابته بهدوء.
“نعم… ما زلت أحاول العثور على صاحب منزل والدتي، لكنّي أعمل الآن على تأكيد العنوان.”
هزّت رأسها وقدّمت له الخبز.
“آمل أن تجده هذه المرّة.”
ابتسم وون ابتسامةً خفيفة وقال:
“نعم… ينبغي ذلك.”
بعدها بدأ يأكل بصمت.
مرّت قرابة ثلاثين سنة… ولم يعد يظنّ أنّه سيجده يومًا. فكلّ ما يملكه ليس سوى اسمٍ شائع، واحتمالات العثور عليه ضئيلة للغاية.
ومع ذلك… كان من الصعب أن يستسلم.
حتّى وإن لم تكن هناك أيّ توقّعات. ولئلّا يُرهق نفسه بالتخمين المسبق، هزّ لي وون رأسه ليطرد أفكاره، وراح يمضغ الخبز الجافّ بنشاطٍ يفوق المعتاد.
৩ ৩ ৩
مكتب المستشار، الواقع في مبنًى حديث الإنشاء داخل المدينة، كان يكفي أن يُذكر موقعه ليُشعرك بالهيبة. فمن عاش في روسيا، لا بدّ أنّه سمع بهذا الاسم ولو مرّة—ثروةٌ ونفوذٌ يجتمعان فيه. وبطبيعة الحال، لم يخلُ المكان من مساعدٍ لا غنى عنه.
“كما هو متوقّع. في البداية، قال يوري إنّ كلّ شيء يسير على ما يُرام.”
قال زدانوف ذلك بصوتٍ ناعمٍ متملّق، وكأنّه يستدرج ردًّا. أمّا قيصر، فنزع السيجارة من بين شفتيه، وزفر دخانًا طويلًا دون أن يُجيب.
كان ضوء الشمس البطيء المتسلّل من النافذة يمتدّ عبر المكتب الفسيح، ويلقي بظلاله على الحذاء المصقول بعناية، اللامع تحت قدميه.
مرّت عشرون دقيقة منذ وصوله، ولم يتفوّه بكلمة واحدة.
في الأصل، كان زدانوف هو من أصرّ على استدعاء قيصر إلى المكتب، رغم رفض الأخير بحجّة ضيق الوقت. لكنّه ألحّ، حتى بات من الصعب تجاهله. ومع ذلك، بدا واضحًا أنّ قيصر يُظهر انزعاجه من اضطراره للحضور إلى هذا المكان.
اضطرّ زدانوف إلى استغلال تلك الساعة بكلّ ما أوتي من جهد، بينما كان قيصر يستهلك سيجاراته واحدةً تلو الأخرى، في محاولةٍ يائسة لانتزاع جوابٍ قاطع.
“أنا مدينٌ بالكثير لساشا… ألسنا كنّا لا نفترق؟”
قالها وكأنّه يُخفي شيئًا خلف ذكر والده، موجّهًا نظره مباشرةً إلى عينيه. لكنّ قيصر ظلّ على حاله، بلا أيّ حركة تُذكر—برودٌ تام، كأنّ الأمر لا يعنيه من قريبٍ أو بعيد.
شعر زدانوف بصرخةٍ مدوّية تتفجّر في داخله، لكن لم يكن بوسعه إظهارها. فمهما حاول، لن تنجح التهديدات مع ذلك الرجل. الجميع يعلم في روسيا: إن عصيت أوامره… فلن تمرّ ساعة حتى تتحوّل إلى جثّة.
أجبر نفسه على التماسك، واستجمع رباطة جأشه محاولًا انتزاع الإجابة التي يريدها.
“ربما ساشا يعلم… أنا أوفي بوعودي. وأنا واثق أنّ هذه الصفقة لن تُخيّب الظن، لذا… أرجو أن تنظر فيها بعناية.”
هذه المرّة، كان طلبه مباشرًا وصريحًا. ومع ذلك… لم يتلقَّ أيّ رد.
بدأ نفاد صبر زدانوف يظهر، فعاد للكلام:
“أيّها القيصر، أحتاج إلى جواب. ألا تنوي قول شيء؟ أم ستجعلني أنتظر أكثر؟”
الرجل الذي ظلّ صامتًا طوال الوقت، وضع السيجار بين شفتيه وزفر دخانًا طويلًا. ارتبك زدانوف للحظة، إذ بدا الدخان الكثيف وكأنّه يخنق الهواء من حوله.
عندها فقط… التفت قيصر نحوه.
ملامح باردة، لا أثر فيها لابتسامة.
“أنا رجلٌ مشغول، أيّها السيناتور زدانوف. أاستدعيتني إلى هنا… لتُهدر وقتي بكلماتك؟”
“أ… أرجو المعذرة؟”
تفاجأ زدانوف من السؤال المتعالي، لكن قيصر لم يمهله:
“لو كانت صفقةً طائشة، لما قُبلت من الأساس. وأنت تعلم ذلك… ومع ذلك جئت تطلبها منّي. أليس كذلك؟”
“لكن…”
تردّد زدانوف، وتمتم بصوتٍ خافت، كأنّه يكتم تذمّره.
“آسف… لقد تسرّعت قليلًا. هناك شخصٌ غير متوقّع يتدخّل ويُفسد الأمور. لو تدخّل القيصر… فسيُحسم كلّ شيء فورًا…”
سأل قيصر، وهو يرفع السيجار ببطء إلى شفتيه:
“تقصد… ذلك المحامي؟”
طنغ…
توقّف المصعد، فرفع لي وون رأسه. وبعد لحظة، انفرجت أبواب المصعد السريعة، كاشفةً عن امتدادٍ واسعٍ من الفضاء—باردٍ، أنيق، ومُصقول بعناية. مبنًى حديث لا مجال لمقارنته بالبناء القديم الذي كان يعيش فيه.
كان كلّ شيءٍ فيه لامعًا، حدّ أنّ انعكاسه بدا واضحًا على الجدران المعدنية.
نظر لي وون إلى صورته في الجدار، وهو يمسك بمغلف ورقي مغلق بإحكام. شعره، بدلته… كلّ شيءٍ كان في غاية الكمال. لم يكن مسموحًا بارتكاب أدنى خطأ في هذا العمل.
خصوصًا… عندما تعرف من هو خصمك.
على مدى أيّام، استمع لي وون إلى شكاوى نيكولاي حتى ساعاتٍ متأخّرة من الليل. باختصار، كانت القصة تقول: “لقد زوّروا الوثائق وحاولوا الاستيلاء على المصنع الذي بُني بالدم والعرق.”
لكن… الواقع لم يكن بهذه البساطة.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!