فصل 4: الفصل الرابع

فصل 4: الفصل الرابع

قبل كل شيء، لم يكن الخصم نزيهًا. فمجرد الاطلاع على الوثائق يكشف بوضوح أنها مزوّرة. حتى لو لم يظهر لي وون، لكان أي شخص يراها سيحكم فورًا بأنها هراء محض لا يُعتد به.
لكن المشكلة لم تكن في الأوراق نفسها… بل في الرجل الذي زوّرها.
جورج زدانوف. عميل سابق في الـ KGB، وعضو مجلس حالي في المدينة.
بثروة هائلة وشبكة علاقات واسعة، كان حرًا في ارتكاب شتى أنواع الفساد. هذه الوثائق المزوّرة وحدها كفيلة بأن تمنح زدانوف السيطرة على المصنع. لم يكن وون يتوقع نصرًا ساحقًا… لكن خسارة الأمر بهذه السهولة كانت مؤسفة.
كان عليه أن يقاتل حتى النهاية.
رنّ الجرس مجددًا، وبعد لحظات انفتح باب المصعد. لم يحاول إخفاء امتعاضه وهو ينظر إلى الردهة الفخمة، المتألقة بذات القدر الذي بدا عليه داخل المصعد.
“لماذا جئت إلى هنا؟”
نهض السكرتير من مقعده وسأل، فجاءه الرد فورًا: “لدي عمل معك، أيها السيناتور زدانوف. جئت لأسلّم هذه الوثائق بنفسي.”

عند سماع صوت الارتطام، التفت زدانوف. أما السكرتير، الذي وصل بعد لحظات، فقد انحنى بأدب وقال: “نعتذر…
هناك ضيف وصل فجأة.”
“ضيف؟”
عند سؤال زدانوف، جاءه جواب السكريتير مترددًا ومشحونًا بشيء من الحرج:
“إنه …”
“أعتذر، سيدي السيناتور. جئت دون موعد مسبق، لكنني أظن… أليس من حق كل مواطن في هذه المدينة أن يراك؟ أم أنا مخطئ؟”
تقلّص وجه زدانوف للحظة عندما رأى الرجل الذي ظهر فجأة خلف السكرتير، يتحدث بثقة وكأن كلماته تنساب بلا انقطاع. ابتسم المحامي ذو الشعر الداكن ابتسامة خفيفة وقال:
“أعلم أنك مشغول، لكن لدي ما أسلّمه لك. يبدو أن لديك موعدًا بالفعل…”
توقفت كلماته فجأة، كأنها كانت مُعدّة سلفًا ثم خذله المشهد.
امتد خيط طويل من ضوء الشمس عبر المكتب، كاشفًا هيئة رجل يجلس على أريكة بطراز قديم. صبغت أشعة العصر الخاملة شعره الأشقر الفضي بلون بلاتيني بارد.
كان يرتدي بدلة رمادية داكنة مخططة، جالسًا وساقاه متقاطعتان، يدخّن سيجارًا كثيفًا، وعيناه مثبتتان على لي وون.
عينان رماديتان داكنتان، باردتان… تخترقان الجسد كما لو أنهما تقرآن ما بداخله.
لي وون يعرفه.
بل… يتذكره جيدًا.
فمن ذا الذي يجرؤ على نسيان رجل بهذه الهيبة؟
كان يشبه ذئبًا فضيًا من سيبيريا، بشعره البلاتيني وعينيه الرماديتين الداكنتين.
وفجأة، أدرك لي وون مصدر ذلك الشعور الغريب… ذلك الضغط الخفي الذي اعتراه منذ اللحظة التي التقاه فيها.
بعد صمت ثقيل كاد يبتلع المكان—حتى ليُخيّل أن صوت ابتلاع ريقٍ جافّ قد يتردّد في أرجاء المكتب—كان لي وون أول من كسره:
“اعذرني… يبدو أنك أسأت التقدير.”
ابتسم لي وون بجرأة، غير عابئ بالتوتر الخانق الذي مزّقه دون تردد. صوته العميق، بنبرته الهادئة الواثقة، تردّد في المكان بسلاسة مريحة. وتحت نظرة الذئب الصامتة، المغروسة في عينيه السوداوين، واصل حديثه دون خوف أو تراجع:
“هذه هي الوثائق التي جئت لتسليمها. وكما قلت في المرة السابقة، لم يصلني أي رد حتى الآن، لذلك بدأت أتعامل مع الأمر من جهتي. هذا طلب الاعتراض، وهذا أمر من المحكمة بوقف التنفيذ. وقد أرفقتُ كل المستندات ذات الصلة، فاطّلع عليها عندما يتسنى لك الوقت.”
انقبض وجه زدانوف رغم ابتسامته المصطنعة، وهو يتلقى الظرف الذي مُدّ إليه. كان يحدّق في لي وون بعينين جامدتين بلا حياة، بينما ظل الأخير يبتسم بثبات، كأنه يتعمّد استفزازه.
ولم يمضِ وقت طويل حتى لم يعد زدانوف قادرًا على كبح غضبه، فصرّ على أسنانه وقال:
“أتظن أنك قادر على تحدّيي الآن… وأنت مجرد فتى صغير؟”
لم يكن السؤال بعيدًا عن التهديد، ومع ذلك أجاب لي وون بهدوء:
“لا أعتقد أن مشرّعًا مثلك يجهل ما أعرفه أنا، حتى لو كنتَ تراني مجرد شاب. لذلك… قضية المصنع ستُحسم قريبًا. هذا كل ما في الأمر.”
برزت العروق على جبين زدانوف، متورّمة بالغضب.
يبدو أن ضغط دمه مرتفع فعلًا… فكّر لي وون في نفسه ببرود. ولو سقط الآن، فلن يكون ذلك خسارة تُذكر…
لكنّه قرر ألا يدفع الأمور أبعد من ذلك. اكتفى بخطوة إلى الوراء، وأدار رأسه.
وفي تلك اللحظة… وقع بصره عليه.
رجل بشعر فضي، يجلس بهدوء على أريكة جلدية فاخرة، ساقاه متقاطعتان، يدخّن سيجارًا وكأن ما يجري لا يعنيه… ومع ذلك، كان حضوره يطغى على كل شيء.حتى تلك اللحظة، كان قيصر يراقبه دون أن تفوته أدنى حركة.
منذ اللحظة التي دخل فيها المكتب، شعر لي وون بنظراته الرمادية الفضية مغروسة فيه، ثابتة بقوة تكاد تخدش جلده.
تظاهر لي وون بالتركيز على زدانوف، متعمّدًا تجاهل تلك النظرات الثقيلة، لكن لم يعد بإمكانه الاستمرار على هذا النحو. ففي تلك المواجهة القصيرة التي جمعته به سابقًا، كان الثمن باهظًا… وها هو قيصر، الذي ظل يراقبه طوال الوقت، يضيّق عينيه قليلًا.
لم تكن ابتسامة.
ولم يكن أيضًا تظاهرًا بعدم المعرفة.
بل على العكس… ثبّت عليه نظرته بعينين رماديتين فضيتين، ببرودٍ يبعث على القشعريرة، وكأنه يستعد لفعل شيء ما في أي لحظة.
كان بإمكان لي وون أن يتجاهله ويمضي كما فعل سابقًا.
لكنه هذه المرة… اختار بنفسه أن يتحدث إليه.
“مرحبًا، اسمي لي وون جونغ. محامٍ.”
نطق اسمه بوضوح متعمّد، ثم أخرج بطاقة عمل من جيب سترته الداخلي ومدّها نحوه، دون أن ينسى أن يرفقها بابتسامة مهذبة.
“تشرفت بلقائك.”
حيّاه بأدب، كما لو أنه يراه للمرة الأولى. لم يرغب في استحضار تلك المواجهة العارضة القصيرة بينهما… فلم يكن متأكدًا إن كان الطرف الآخر قد احتفظ بها في ذاكرته أصلًا، وهي التي لم تدم سوى أقل من دقيقة
ما كان يهمه الآن… هو معرفة من يكون هذا الرجل.
من يكون شخص يجلس وجهًا لوجه مع السيناتور زدانوف، ويتحادث معه بكل هدوء، بل ولا تهتز له شعرة حتى مع اقتحام لي وون المفاجئ؟
هل يمكن أنه… من المافيا المرتبطة بزدانوف؟
أدار لي وون أفكاره بسرعة، حتى كاد يتيقّن من استنتاجه. ففساد زدانوف معروف، ولا توجد قوة أو ثروة في روسيا تقريبًا إلا ولها صلة بالمافيا. لكن ما أراد معرفته حقًا… هو: إلى أي منظمة ينتمي هذا الرجل؟
ظل الرجل صامتًا طوال ذلك الوقت، ثم فتح فمه أخيرًا، محدّقًا فيه بنظرة ثابتة، وكأنه يسأله: من تكون أنت؟
“نادِني… قيصر.”
عندما تلقّى بطاقة العمل الرفيعة التي قُدّمت له، للحظة ظنّ أن لي وون أجنبي. لكن، مهما حاول التمحيص، لم يكن ذلك الرجل سوى روسي لا يمكن إخفاء ملامحه. حتى الاسم المدوّن على البطاقة كان “قيصر”… لا “تزار”.
انتظر لي وون أن يضيف شيئًا آخر، وهو يفكّر بسخرية: “قيصر… اسم لافت.”
لكن ذلك كان كل شيء.
ببساطة، رفع قيصر سيجاره إلى فمه، وحدّق فيه من خلال سحابة الدخان.
بدل أن يغضب من تلك النظرة المستفزة، تبنّى لي وون موقفًا مهذبًا، لكن ببرود واضح. وبعد كلمات مقتضبة، استدار هذه المرة وغادر المكتب، دون أن ينسى أن يحيّي زدانوف باحترام.
دوّى صوت الباب وهو يُغلق، وتردّد صداه في أرجاء المكتب… ثم عاد الصمت من جديد.
“ذلك الوغد الوقح… كيف تجرأ على مواجهتي هكذا؟!”
في تلك اللحظة، انفجر زدانوف غضبًا.
ألقى الظرف الذي أحضره لي وون وهو يصرخ بصوت خشن، ثم التفت فورًا إلى قيصر وصرخ:
“انظر إلى ذلك الوغد! كيف يجرؤ على تحدّيي؟ كان عليك أن تكون أكثر حذرًا! هل تسمعني؟ اللعنة يا قيصر! إن تركته وشأنه، فسيفسد كل شيء!”
نطق زدانوف اسمه بانفعال، ولم يدرك زلّته إلا بعد أن خرجت الكلمات من فمه. ولحسن الحظ، لم يبدُ أن قيصر قد أولى الأمر اهتمامًا يُذكر. في الواقع، بدا وكأن كلمات زدانوف لم تبلغ مسامعه أصلًا.
سعل زدانوف بسرعة، ثم تدارك نفسه وعدّل نبرته قبل أن يتابع:
“قيصر، هل ستتركه هكذا؟ سيصبح مشكلة عاجلًا أم آجلًا. إن لم تُحطّم عزيمته قبل ذلك، فقد يسبب لك متاعب لاحقًا. سيكون مزعجًا ومثقلًا في المستقبل… لذا من الأفضل التخلص منه مسبقًا.”
حاول زدانوف إقناعه بنبرة أكثر هدوءًا، لكن قيصر ظل صامتًا. وبعد أن أحرق طرف سيجاره ببطء، أطلق زفرة دخان أخيرة، ثم قال بصوت منخفض، وعيناه لا تزالان معلّقتين بالباب الذي خرج منه لي وون:
“أفهم.”
٣ ٣ ٣
غادر لي وون المكتب، واتجه مباشرة إلى الحمام في نهاية الممر.
كما هو حال بقية المبنى، كان الحمام نظيفًا وأنيقًا، مجهزًا بأحدث المرافق. ما إن دخل، حتى فتح صنبور الماء البارد فورًا، ورفع يديه ليغسل وجهه.
لم يستعد وعيه إلا بعد أن رشّ الماء البارد على وجهه عدة مرات. انعكست عيناه السوداوان في المرآة، لكنهما كانتا أعمق ظلمة من المعتاد.
تنفّس زفرة قصيرة، ثم أدار رأسه والتقط منشفة ورقية من الحائط ليجفف يديه… لكنه توقّف فجأة.
وقف الشعر على ذراعيه.
عندها فقط أدرك حقيقة ذلك الشعور الذي انتابه لأول مرة.
في تلك اللحظة، اجتاحه برد قارس، كأن قشعريرة مرعبة سرت في جسده من جديد.
مجرد النظر إلى ذلك الرجل… كان كافيًا ليقشعر بدنه بالكامل.
جفّف لي وون وجهه الشاحب بسرعة، وقد انعقد جبينه بتوتر.
“لن يكون الأمر سهلًا…”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!