“بماذا تشعر الآن؟”
“…”
“إن لم تكن تنوي الكلام، فارفع إحدى لوحات الإيموجي فحسب.”
تمدّد نيران على ظهره فوق الأرض، و أطلق زفرة طويلة مثقلة. مدّ يده إلى جانبه، التقط إحدى اللوحات، و رفعها معبّرا بها عن حاله.
“آه… مزاج عكر.”
“كان بإمكانك أن تعرف ذلك من ملامحه وحدها، أليس كذلك؟ وجهه منذ الصباح يشبه—”
“—مؤخرة قرد.”
تبادل ثيبُك و هِمّارات التعليقات، و ذراعاهما معقودتان، ينظران إلى صديقهما الأكثر صعوبة في الإرضاء على وجه الأرض…
ذلك الذي لا يفصح عما يحتاجه، و لا يصرح بما يرغب فيه حقا. عنيد، كتوم، و يُجيد ارتداء نقيض ما يشعر به.
أكلُّ من هم في سنه بهذا التعقيد؟ لا إجابة واضحة.
جلس نيران ببطء، ألقى نظرة على صديقيه، ثم أطلق زفرة أخرى.
“لنذهب لشراء المثلجات.”
“طبعا. المثلجات هي مفتاح مزاج ‘خون نيران’. خصوصا تلك بنكهة الفواكه المُغلفة بالسكر… أو أيًا كان اسمها…”
تمتم ثيبُك بصوت خافت. تجاهله نيران تماما، و نهض متثاقل الخطى نحو الباب.
كانوا في غرفة نادي الموسيقى، حيث اعتكف منذ بداية الفصل الدراسي. و الحقيقة أن نيران ليس عضوا في النادي أصلا، لكنه ببساطة لا يرغب في الذهاب إلى ناديه الخاص—لأسباب شخصية. غير أن ذلك لم يكن السبب الحقيقي خلف مزاجه الكئيب الممتد من الصباح حتى المساء.
اتجه الثلاثة إلى المقصف، اشتروا المثلّجات، ثم بحثوا عن ركن هادئ للجلوس. المذاق المنعش، الحامض و الحلو معا، خفف شيئا من حدة مزاجه. أخيرا، شعر أنه مستعد ليخبر صديقيه القلقين بما حدث صباحا.
[استرجاع – 7:00 صباحا]
“نيران، تعال لتناول الإفطار.”
“حسنا…”
حين لاحظ والده أنه بالكاد يرفع الطعام إلى فمه، تناول ملعقة كبيرة، و وضع في طبقه دجاجا مسلوقا متبّلا مع خضار مقلية. جلس قبالته، يراقبه بنظرة حازمة، منتظرا أن يأكل ابنه العنيد.
في النهاية، حشر نيران الطعام في فمه على مضض، و نظر إليه و كأنه يقول: ‘هل رضيت الآن؟’
“كُلْ جيدا. أسرع، املأ معدتك ثم انطلق إلى المدرسة.”
“أعلم…”
كانت علاقة نيران بوالده أقرب إلى صداقة منها إلى علاقة أب و ابن. و مع ذلك، ظلّ للأب حضور أقوى، تفرضه خبرته و سنه. و عند أي مفترق قرار، كان هو من يمسك بزمام الأمور. كأن مستقبل نيران بأكمله قد رُسم سلفا—يمينا كان أم يسارا.
“شبعت.”
لم يكن قد أنهى حتى نصف طبقه. نهض من المائدة حين انشغل والده بمكالمة هاتفية، التقط حقيبته السوداء—التي تكاد تخلو من أي شيء—و غادر المنزل مسرعا دون أن ينتظر كلمة وداع.
كانت محطة الحافلات مكتظة كعادتها. أطلق نيران زفرة ثقيلة، و وقف تحت ظل شجرة. و ما إن وصلت الحافلة حتى اندفع الجميع نحوها. كان من المحظوظين الذين تمكنوا من الصعود—فلو فاته هذا الباص، لتأخر عن المدرسة! و لم يكن مستعدا لتحمل العقوبة، سواء كانت جريا حول الساحة أو—الأسوأ—جمع القمامة. الراحة كانت مقدسة لديه أكثر مما يتخيل الآخرون.
لكن لأنه لم يندفع منذ البداية لحجز مقعد، اضطر إلى الوقوف ممسكا بالعمود. و لسبب مجهول، كان سائقو هذا الخط يقودون و كأنهم في سباق شوارع.
إلى أين يندفعون بكل هذه العجلة؟
صرير حاد! الفرملة الأولى. تمسك نيران بثبات، و ابتسم في داخله بفخر.
صرير آخر! الفرملة الثانية. تمايل الركاب، لكنه بقي صامدا.
صرير ثالث—حاد و مفاجئ!
اندفع جسد نيران إلى الأمام ثم ارتد للخلف. اختل توازنه، تهاوى مركز ثقله… و في اللحظة التالية، وجد نفسه جالسا على حضن شخص آخر!
“…”
“…”
ارتبك الاثنان بشدة. و ما إن عاد كل شيء إلى وضعه الطبيعي، حتى نهض نيران بسرعة، نظر إلى وجه الضحية، و قال:
“أنا آسف.”
كان الذي سقط عليه طالبا من نفس المدرسة. و من النقطتين على ياقة زيه، بدا أنه في الصف الحادي عشر. و على صدره، مطرز اسمه: بارنتشيفا ساتيت-سونغكلود. (اساميهم شعوذة)
كان الفتى يرتدي نظارات بإطار مربع، و يحمل كتابا سميكا بعنوان ‘أسرار الفضاء العميقة’. الصفحة المفتوحة كانت قد تجعدت جراء الحادث، في تناقض صارخ مع ملامحه الهادئة التي لم تهتز.
“آسف، فقدت توازني فقط…” كرر نيران، لعله لم يُسمع.
لم يُجب بارنتشيفا. رفع نظره إليه. عيناه البنيتان انعكست فيهما إضاءة الصباح، و بدا هادئا على نحو مريب. مال نيران برأسه قليلا، بادله النظرة دون أن يتراجع.
‘ماذا؟ ماذا ستقول؟ لماذا تنظر هكذا؟ أتريد الشجار؟ أم ستقول ‘لا بأس’؟ أو ‘تعلم كيف تحافظ على توازنك’؟ أليس من المفترض أن تقول ‘أقبل اعتذارك’؟!’
أخيرا، نطق الفتى:
“الجاذبية.”
“هاه…؟”
“ما حدث لك قبل قليل يُسمى الجاذبية.”
“…”
“وفقا لقانون نيوتن للجذب العام، توجد قوة جذب بين كل كتلتين في الكون. تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما، و عكسيا مع مربع المسافة بينهما…”
كان يسردها و كأنه يتلو تعويذة. بدأ من حولهما يلتفتون بفضول.
التهم هِمّارات آخر قضمة من مثلجاته و قال:
“لماذا لم تخبرنا بذلك منذ البداية؟ لو كنت هناك هذا الصباح، لانفجرت ضاحكا في وجهه! من الذي يلقي محاضرة كهذه بعد أن يسقط عليه أحد؟”
ضيق نيران عينيه نحو صديقه الضاحك بمكر، ثم زفر و أدخل آخر قطعة من المثلج في فمه. الطعم الحلو و الحامض هدأه قليلا.
“أولئك مجددا…” أشار هِمّارات بذقنه إلى الجهة الأخرى من المقصف.
نظر نيران.
“نادي الملاكمة. مجموعة متنمرين لا تُطاق. لماذا لا تقوم الإدارة بحلهم؟”
“و كيف سيحلونهم؟ لقد جلبوا للمدرسة الشهرة مرارا. تماما مثل صديقنا الحاضر هنا، السيد نيران كيتيميثي، ممثل المدرسة في الجودو…” قال ثيبُك و هو يقلب عينيه.
“اصمت—”
“آآآآه!”
دوى صراخ من الطرف الآخر من المقصف، فالتفتت الأنظار جميعها. أحد طلاب نادي الملاكمة—الذي كان قبل لحظة يتنمر على غيره—تجمد في مكانه. قميصه الأبيض تلطخ بالأحمر. تراجع من حوله فورا.
من فعلها؟ من تجرأ على رش سائل أحمر عليه؟
صرخ الفتى و هو يبحث عن الفاعل. لكن لا أحد رأى شيئا، و لا أحد فهم كيف سقط ذلك السائل من سقف المقصف.
“شبح مبنى العلوم ظهر مجددا…” همس أحدهم.
“هذا المكان مسكون فعلا.”
“متى ستستدعي المدرسة مشعوذا لتطهيره؟”
تطايرت الشائعات حول “شبح مبنى العلوم” الذي ذاع صيته في أرجاء المدرسة. يقولون إنه ينتقم من المتنمرين، متنفسا عن غضبه الدفين.
أما نيران، فلم يرَ في ذلك ‘الشبح’ سوى ذريعة لضرب السيئين بطرق خفية. أيًا يكن… لم يكن يؤمن بتلك الخرافات.
كيف يمكن للأشباح أن توجد؟ محض هراء.
[نهاية الاسترجاع]
“إذا، كل ذلك العبوس منذ الصباح سببه طالب في الصف الحادي عشر؟” سأل ثيبُك بسخرية.
أومأ نيران.
“نعم. و كيف لا أنزعج؟ أعتذر له، فيقابلني بمحاضرة عن الجاذبية! أليس طبيعيا أن أخرج من ذلك و أنا في غاية الارتباك؟”
إعدادات القراءة
يضحك مالوم نيران لما تعكر مزاجه الي يبوي قول لا عادي او أي شيء😭😭