“مرحبًا. أنا بارنبيوَّا ساتيت-سونكلود.
اللقب: تشيوَا. الصف: متوسط 5/2.”
“اسمك يبدو أنيقا جدا.”
“بيِنغ-نيران يبدو أكثر أناقة.”
“ماذا قلت؟”
“…قلت فقط أنّ الأرض تدور حاليا حول محورها بسرعة 1,675 كيلومترا في الساعة. لو توقفت الأرض عن الدوران لثانية واحدة فقط، أتوقع أن البشرية جمعاء ستموت، كْراب.”
“…”
ذلك ما حدث ظُهر البارحة. عدنا إلى المنزل معا، و كل مرة حاولت فيها الحديث عن شيء عادي، كان تشيوَا يجيب بأشياء تجعلك تفقد صوابك: الفلك، الفضاء، نظريات مستحيلة… لو لم يكن استفزازا، فماذا نسميه؟
“آوي يحدق فيك”، هِمارات همس لي، و هو يدفعني قليلا بينما كنا مصطفين أمام سارية العلم.
نيران نظر إلى المتنمر بلا اهتمام كبير، ثم عاد لينظر إلى صديقه.
“بالأمس كانوا يستنزفون أحد طلاب الصف الحادي عشر، فدخلت لأساعد.”
“لم يتخلّوا بعد عن تلك العادة السيئة؟”
“العادات لا تتغير بسهولة.”
“صحيح…”
همس هِمارات بذلك و لم يقل شيئا آخر. بقينا مصطفين فترة طويلة نستمع إلى المدير و هو يكرر نفس الكلام القديم، حتى سمحوا لنا أخيرا بالصعود إلى الصفوف.
كانت الحصة الأولى موضوعا لا يثير اهتمامه على الإطلاق. لم يشعر نيران بأي رغبة في الدراسة. نظر إلى اليسار، ثم إلى اليمين، و فكّر بجدية في الغياب عن الحصة.
ثم رآه.
طالبان من الصف الحادي عشر. نعم، إنه السيد تشيوَا.
كانت قامته الطويلة و نحافته ملفتان للغاية وسط زملائه. بالإضافة إلى وجهه الذي يوحي بـ’لا يسمح بالزوار’، مما يجعل أي شخص يتردد قبل أن يتحدث إليه.
قرر نيران هذه المرة أن يكون الشجاع.
“هيه! إلى أين أنت ذاهب؟ ألن تذهب إلى الصف؟”
“سأذهب لأمسك الطالب أولا.”
“…”
نظر هِمارات إليه بعينين ضيقتين، واضحا أنه لا يصدقه. نيران اكتفى بهز كتفيه و تركه وراءه، و دخل المبنى.
بدلا من ذلك، أسرع نحو هدفه و اصطدم عمدا بكتف الفتى الأطول.
تفاجأ تشيوَا على الفور!
“ماذا؟ هل أنت هكذا متوتر؟”
“نعم. لقد خفت.”
“لهذا يعبثون معك. لأنك متوتر.”
“…”
“و ماذا تفعل هنا؟” سأل نيران.
مع أنه وعد نفسه ذلك الصباح ألا يتورط مع أشخاص غريبين أو مستفزين مجددا، لم يعرف السبب… جسده تحرك من تلقاء نفسه. أراد أن يقول مرحبا، أراد أن يثيره قليلا.
ظن في نفسه: ربما أُصاب بنوع من الاضطراب.
كان دائما يجذب الأشخاص الغريبين، و ذلك الغريب بدوره، يبدو أنه يجذبه. و إلا، كيف نفسّر حديثهما بهذا الشكل؟ و علاوة على ذلك… الحديث مع السيد تشيوَا ممتع.
قرأ نيران إحدى المنشورات:
“تجنيد نادي الفلك. تجنيد المتطوعين. أنشطة المدرسة.”
“واو… هذا كثير”، علق و هو ينظر إلى كومة الأوراق. “هل هذا من مجلس الطلاب؟ كيف حصلت على كل هذا؟”
“نعم.”
“…”
رفع نيران حاجبه، مهتما قليلا. عادةً ما يكون أعضاء مجلس الطلاب من النوع ‘المثالي’: درجات جيدة، طيبون، اجتماعيون.
لكن هذا الشاب…
بالنسبة لنيران، لم يكن پارنچيوَّا يجيد الكلام. لا، بل… لم يكن يعرف كيف يتواصل، إلا حين يتعلق الأمر بالفلك.
“بيِنغ-نيران، هل ترغب في التقديم لمعسكر المتطوعين؟”
“لست مهتما.”
“…”
رفض دون تردد. منذ دخوله المدرسة، لم يشارك نيران في أي معسكر تطوعي مرة واحدة. السبب بسيط: الكسل الخالص، لا أكثر.
إضافة إلى ذلك، كانت تلك المعسكرات عادة مخصصة للطلاب الذين فقدوا نقاط السلوك و يذهبون لاسترجاعها. و كان يُفترض أنها ‘لتصحيح السلوك’. و حسب ما سمعه… كانوا يحبون تكليف الطلاب بمهمات صعبة هناك.
نيران لم يكن لينضم، لا أبدا. فهو رياضي ممثل للمدرسة، و لم تُسحب منه نقاط السلوك من قبل. ليس لأنه مطيع بشكل خاص، بل لأنه ببساطة لم يُكشف عن مخالفاته.
“هل حقا لا تهتم بأي شيء؟”
“لا حتى بالقليل.”
“…”
“ما هذه النظرة؟” قال بنبرة خفيفة. “سواء ذهبت أم لا، لن يضيف ذلك أو ينقص من أحد شيئا. بالإضافة إلى ذلك، ألن تكون مشغولا بالدراسة، يا فتى العلوم؟ لماذا لديك كل هذا الوقت للبقاء هنا و الدردشة معي بهدوء؟”
نظر حوله مرة أخرى. الطلاب الذين كانوا يمرون تقريبا اختفوا جميعا. لم يبقَ سوى من لديهم حصة تربية بدنية أو من ينتظر المدرس في الصف.
“إذن فتى الصف الثاني عشر من الغرفة الثامنة لن يدرس؟”
كان يستفزه مرة أخرى. وجد نيران الأمر مضحكا، فتظاهر بأن تلك الكلمات أصابت ‘زر الغضب’ لديه. حدّق فيه و كأنه يبحث عن شجار.
“ماذا قلت؟”
“…هل تعلم أن كوكب الزهرة توأم الأرض؟”
“…”
“…”
انفجر نيران ضاحكا حتى ارتجفت كتفاه. صفع تشيوَا على كتفه مرتين أو ثلاث مرات من شدة الضحك. كان مضحكا للغاية لدرجة أنه كاد يجلس على الأرض. حسنا… ليس ‘كاد”‘، بل انحنى هناك، ضاحكا بلا توقف.
و جلس الكوميدي الجاد أمامه، يراقبه بتعبير واضح أنه لا يفهم شيئا.
“هل هو مضحك لهذه الدرجة؟”
“نعم. ألا تعلم أنك شخص مضحك جدا؟”
“…لم أكن أعلم.”
توقف نيران أخيرا عن الضحك. مسح حلقه عدة مرات قبل أن يقف.
وقف تشيوَا أيضا.
ذلك الطول… يجعل المرء يرغب بركله، بجدية. وضع يديه على وركيه.
“إذن بيِنغ-نيران، اذهب الآن إلى الصف. و يجب أن يذهب النونغ من 11/2 أيضا للدراسة. لا تدع البروفيسور سوتشارت يمسكك، وإلا ستُسحب منك النقاط.”
ملاحظة: نونغ معناها الأخ الأصغر أو الأخت الصغرى.
قام بإشارة قطع الحلق و خرج لسانه، متظاهرا بالموت. نظر إليه تشيوَا في صمت.
الناس بلا حسّ الفكاهة لا يعرفون كيف يتفاعلوا، أليس كذلك؟
حسنا. دعه يقف هناك. ليموت وحيدا… من الحيرة.
افترقوا عند هذه النقطة.
ركض نيران نحو مبنى الفنون و الرياضيات، و دخل الصف قبل وصول المدرس بدقائق قليلة. جلس في الخلف، مستمعا للحصة تذهب في أذنه و تخرج من الأخرى، منتظرا وقت الغداء.
في فترة بعد الظهر، سيذهب لممارسة الجودو كالمعتاد. لم ينس أنه لم ينته بعد من تنفيذ عقوبة المدرب.
“يبدو أنك في مزاج جيد”، علق هِمارات و نحن نسير على حافة الملعب نحو الكافتيريا.
كانت استراحة طلاب المرحلة الثانوية. بعضهم تناول الأرز، البعض وجبات خفيفة، البعض لا شيء، و البعض طلب طعاما من الخارج. كان نيران يمشي بنشاط قليل، ملتفتا إلى صديقه.
“استمتعت بمضايقة أحد الطلاب.”
“مضايقة؟ مثل آوي؟ هكذا؟”
“ما نوع الشخص الذي تظنه أنا؟ ما أفعله ليس تنمرا مثل آوي. إنها مضايقة ممتعة، مثل مزحة. بالإضافة إلى ذلك، لم يشعر ‘ضحيتي’ بالانزعاج. بل ارتبك فقط… كأنه اعتقد أنني مجنون.”
“من هو؟”
صحيح. أصدقاؤه لم يعرفوا السيد ﭘارنچيوَّا بعد. لم يذكره نيران بتفصيل من قبل. حتى حين تحدث عن ‘الحادثة سابقا، تكلم بشكل عام فقط. لكن الآن، حين وصلوا إلى مكانهم المعتاد—حيث كان ثيبوب و ثارا جالسين بالفعل—قرر أن يروي القصة تماما.
“آه… النونغ تشيوَا، أليس كذلك؟” سأل ثيبوب.
أومأ نيران.
“همم. السيد تشيوَا. لماذا؟ هل تعرفه؟”
“ليس تماما. كنت أراه في مدرسة والدي للموسيقى. سمعت أنه جاء لتعلم الطبول أو شيء من هذا القبيل. في الواقع، والدي مدحه كثيرا—قال إنه بارع ولديه تنسيق ممتاز، قادر على تحريك يديه و قدميه بشكل مستقل. لكنه درس لبضعة أشهر فقط ثم لم يعد. لا أعلم السبب.”
“سمعت أن النونغ تشيوَا من M.5/2 غريب جدا، كأنه كائن فضائي.”
“…”
“…”
“…”
تركت كلمات هِمارات الطاولة بأكملها في حيرة. كائن فضائي في المدرسة؟ لو جئت إلى الأرض، أليس من المفترض أن تسافر حول العالم أو شيء من هذا القبيل؟
“لا تنظروا إليّ كأنني أقول شيئا غريبا”، دافع عن نفسه. “لم أقل شيئا خاطئا. إنه فقط لأنه مهووس بالفلك بشكل كبير.”
كان ذلك صحيحا. أومأ نيران ببطء. جاء دور ثارا للتحدث.
“أظن أنك لم تلاحظه كثيرا لأنك كنت مشغولا بتدريب الجودو و الذهاب إلى مركز الرياضيين. لذا ربما لا تعرف، لكن هذا الطالب الصغير مشهور نوعا ما… ليس بقدر شهرة ثيبوب كطفل نادي الموسيقى، و لا بقدر شهرة نيران كرياضي وطني، لكن هذا الفتى وسيم.”
“وسيم، لكنه غريب. فهمت؟”
على ما يبدو، السيد ﭘارنچيوَّا—الذي ذهب نيران لمضايقته لمجرد المتعة—كان له سمعة جيدة. وسيم، لكنه غريب.
جلس نيران هناك يتذكر وجهه الآخر. هيكل الوجه، الحواجب، العيون، الأنف، الفم… و النظارات المربعة التي كان يرتديها دائما.
موضوعيا، كما قال ثارا، كان بالفعل وسيما. لكن غرابته طغت على كل شيء.
و بالنسبة لنيران، لم يكن ذلك مشكلة. بالنسبة له… كان شيئا لطيفا.
“حسنا، حسنا. كفى”، قال ثيبوب، مصفقا لجذب انتباههم. “توقفوا عن النميمة عن الآخرين. هل يمكننا الآن الذهاب لتناول الطعام؟ الصفوف بدأت تقصر.”
وقفنا جميعا و تفرقنا للذهاب إلى الأكشاك التي أردناها. الدجاج مع الأرز، ساق الخنزير المطهو، المعكرونة، شوربة الأرز، الكاري مع الأرز… بدا أن كل الصفوف قصيرة، ما عدا كشك العمة دانغ، أحد أكشاك الكاري في الكافتيريا.
اقترب نيران واضعا يده على الزجاج، ينظر إلى الصينية الممتلئة بالطعام كما لو لم يأتِ أحد ليشتري شيئا. تبادل النظر مع عمته، التي ابتسمت لرؤيته، ابنها العزيز.
نعم. العمة دانغ حقا عمة نيران. إنها أخت والده الكبرى. وظيفتها الرئيسية هي بيع الكاري في المدرسة. أما ابنة العمة (ابنة عمه)، فافتتحت مطعم كاري في الحي القريب من المنزل.
لم يكن يريد التفاخر، لكن كل الطعام الذي صنعته تلك الثنائية الأم و ابنتها كان لذيذا. مع كل لقمة، كان الأمر كما لو أن الضوء يخرج من الفم.
لكن اليوم… لماذا بقي كل هذا الطعام؟
“لماذا تبدو عمة دانغ متجهمة؟”
“لقد باعت طبقين أو ثلاثة فقط.”
“…”
رؤية وجه عمته القاتم، لم يجرؤ نيران على سؤال أي شيء آخر في تلك اللحظة.
اختار شوربة صافية مع ساق دجاج، بانانغ الخنزير، و بيضة مقلية. قدمت له العمة دانغ كمية كبيرة من الطعام لدرجة أنه اضطر لمشاركة أصدقائه لإنهائها.
“كشك العمة دانغ؟” سأل همِارات.
“نعم. لماذا؟”
“لا شيء.”
بينما كان يقول ذلك، تناول بعض الحساء الصافي، مبتسما بطريقة غريبة، و كأن الطعم لذيذ للغاية. و كان هذا أمرا طبيعيا—عندما يطبخ شخص بارع، يكون الطعام دائما شهيا—لكن صديقه كان يتصرف بشكل مريب.
“تعرف شيء ما،” قال نيران، “لقد ترددت حين سألت عن أي كشك جاء الطعام.”
رصد نيران صديقه بعينيه كما لو كان يستجوبه. نظر هِيمارات حوله طلبا للمساعدة، لكن الآخران لم يعودا بعد. كان ثارا قد عرض شراء الماء، و ذهب ثيبك لمساعدته في حمله. فبقينا نحن الاثنان فقط.
“احكِ.”
“آه… آه… حسنًا، سأخبرك. لكن لا تُصدر ذلك الوجه المخيف أولا، حسنا؟ لا أريدك أن تطلق عليّ رمية جودو بعد.”
“لن أرميك. فقط قل لي.”
“حسنا…”
روى هيمارات لنيران ما عرفه. عادة، لم يكن شخصا يزور منتدى المدرسة الإلكتروني كثيرا. معظم المواضيع كانت هراء بلا فائدة. لكن ليلة أمس، فجأة ارتفع أحد المواضيع بشكل كبير.
كان عنوانه: “لقد وجدوا صرصارا في طعام خالة دانغ.”
و كان عدد المهتمين بالموضوع كبيرا لدرجة أن الموضوع بقي على الصفحة الرئيسية لساعات عدة.
“المحتوى كان نصيا فقط، لا صورة لإثبات ذلك.”
ظن أن قليلا من الطلاب يستخدمون المنتدى فعلا، لكن مثل هذه القصص، عندما تنتشر بالكلام في الصباح، تصبح مرعبة. و هكذا، بقي الكشك بلا زبائن.
شد نيران قبضته بإحكام، شاعرا بشفقة هائلة تجاه خالته. كان يعرف مدى حرصها، و مدى حبها للطبخ. مطبخها دائما نظيف. و عندما تطبخ، ترتدي دائما قبعة و قفازات و قناعا لمنع أي شيء من السقوط في الطعام. لم يكن هناك أي احتمال لوجود صرصار في طعامها. لا شيء. مطلقا لا شيء.
“من بدأ الإشاعة؟”
“مجهول.”
لكن بعد ذلك… لماذا فكر نيران فورا في الشخص الذي تشاجر معه البارحة؟ بدأت الاحتمالات تتشكل في ذهنه. الجميع يعرف أن خالة دانغ هي خالته. كانت تبيع الطعام هناك منذ عشر سنوات. و عندما أصبح ابن أخيها ضمن الفريق الوطني، كانت تعد الوجبات الخفيفة لتوزيعها مجانا.
إذا، الشخص الذي يملك أكبر سبب للحقد الآن… لا يمكن أن يكون سوى آوي و نادي الملاكمة.
“أعتقد أنني أعرف من فعل ذلك.”
تغيمت عيناه، و امتلأت بالظلام. لم نحصل على فرصة للقتال البارحة، و الآن يجب أن يضايقوني لهذه الدرجة؟ و ما ذنب خالة دانغ في كل هذا؟
“آه نيران، يبدو أنك على وشك أن تقتله الآن. ليس لدينا دليل بعد. عليك أن تهدأ أولا،” حاول ثارا تهدئته.
لكن ذلك لم يكن فعالا كثيرا. لأن نيران، بطبيعته، يحب عائلته و أصدقائه بعمق. إذا آذى أحد الأشخاص الذين يهتم بهم، لن يقبل نيران ذلك أبدا.
“ذلك اللعين… البارحة كان يجب أن أجعل وجهه منتفخا بالضرب هناك أمام المدرسة.”
شد قبضتيه بإحكام، و هو يراقب كشك خالة دانغ. كان هناك شخصان يصطفان في الصف. بمجرد رؤية ظهورهم، تعرف عليهما على الفور.
السيد بارنشيفا.
و الآخر بدا أنه ذلك الفتى الذي دائما يرتدي زيا مثاليا، و الذي اعتاد الوقوف أمام السبورة. نونغ بايبون، رئيس مجلس الطلاب للصف الخامس.
ذلك منح قلبه قليلا من الراحة. على الأقل، السيد تشيوَا لم يصدق تلك الإشاعات. لكن… آوي عليه أن يدفع ثمن هذا.
تحمل نيران الجلوس حتى أنهى طعامه خلال استراحة الغداء، لأن الجميع أخذوا دوره في تهدئته. و في النهاية، لم يعد يشعر برغبة في الجري نحو نادي الملاكمة؛ كان مجرد إضاعة للطاقة بلا جدوى.
حتى حلت فترة ما بعد الظهر. بدأ الطلاب بالتوجه إلى الصفوف. أصبح الجزء السفلي من المبنى أقل ازدحاما. سار نيران غاضبا نحو الصالة الرياضية حيث كان نادي الجودو. غيّر زيه المدرسي إلى الأبيض، و ربط حزاما أزرق على خصره: زي التدريب.
“تبا… أنا ميت،” تمتم ثارا بصوت مرتجف عندما رأى وجه نيران قبل بدء التدريب. كان يظن أن نيران سيخرج كل غضبه خلال التمرين.
“أنا لا أخلط مشاعري بالرياضة.”
“سهل القول، صعب التنفيذ،” تمتم ثارا.
تظاهر نيران بتغيير الموضوع، و جذب ثارا إلى حديث آخر.
“هل لديك حصة فارغة؟ ظننت أن لديك درسا.”
“نعم، نحن الآن في الصف السادس. ندرس أقل قليلا. المدرسة تسمح لنا بالقراءة للتحضير للامتحانات أكثر من حضور الدروس… رغم أنني لا أقرأ.”
“نعم، و أنا كذلك.”
الإحماء. تمارين فردية. و ختاما، المباريات الثنائية.
جلس المدرب أونغ يراقب كالعادة، مشيرا إلى المناطق التي يجب التركيز عليها. مرت حوالي ساعتين. و أخيرا، انتهت تدريبات فترة ما بعد الظهر.
سار نيران و ثارا بجانب أندية أخرى متجهين إلى الخارج. وجهتهم كانت الكافتيريا. كانت خالة دانغ قد أغلقت الكشك و عادت إلى المنزل.
مع هذا التعب، أراد نيران شيئا باردا ينعشه. طلب عصير بطيخ (قليل السكر). طلب ثارا عصير برتقال. و عندما سلَّموا المشروبات، جلسا على بعض الكراسي الخشبية أمام مبنى نادي الملاكمة.
ثم رأى نيران آوي يخرج مع مجموعته. رآه الآخر أيضا. لهذا اقترب و هو يدس يديه في جيوبه، يمشي بتحد، معتمدا على عدد أصدقائه خلفه ليشعر بالأهمية.
الحقيقة أن لا نيران و لا ثارا كانا خائفين. البارحة، لم يكن نيران كذلك؛ ببساطة لم يرغب في أن يتأذى. مواجهة هؤلاء كانت ستزيد المشكلة. أراد تجنب الصداع… لكن بدا أنه لم يعد قادرا على تفادي هذا.
“هاي، آي نيران. البارحة ركضت مبتعدًا مع ذلك الطالب الغريب. واليوم سمعت أن الطلاب قاطعوا كشك خالتك، أليس كذلك؟” سخر آوي، ضاحكًا بصوت عالٍ مع مجموعته.
ملاحظة: ‘آي’ تُستعمل قبل الأسماء، و معناها قد يكون إهانة خفيفة أو مزاحا خشنا بين الأصدقاء.
كان يحتسي صودا حمراء بوضعية يظنها مستفزة. توقف أعضاء نادي الملاكمة عن الضحك. خطا آوي خطوة للأمام و رفع قدمه على المقعد بجانب نيران. توقف عن الشرب و نظر إلى نجم الجودو قبل أن يتحدث:
“ألا تعرف كيف تقف كإنسان طبيعي؟”
“ألا تتعب أبدا من مضايقة الناس؟”
“أليس أنت من لا يكل؟ إذا كان لديك شيء لتقوله، قاتلني وجها لوجه. لا تختبئ خلف لوحة مفاتيحك. وتوقف عن التظاهر بالسيطرة مع عصابتك. بالنسبة لي، هذا ليس ببرّاق.”
طرق آوي كوب الصودا بقوة على الطاولة، فتناثر السائل. وقف نيران أيضا. شعر براحة لعدم وجود أحد ينظر إليه بازدراء. بالإضافة إلى ذلك، كان واضحا أنه أطول قليلا من آوي. لهذا ابتسم ابتسامة متباينة، و هو يحمل هالة تفوق.
“إذا كنت تعتقد أنك قوي جدا، ما رأيك في مواجهة فردية؟ أتحداك الآن.”
مد ثارا يده ليمسك بكتفه. علم نيران أن صديقه يحاول منعه، لكن كان الوقت قد فات بالفعل.
“تظن أن أحدا من نادي الملاكمة لا يستطيع ضرب أحد من نادي الجودو؟”
“نعم، حاول.”
في تلك اللحظة، كانت مجموعتنا تجذب الكثير من الانتباه.
الأصوات المرتفعة، الزيّ الرسمي… فقط بالنظر إلى الملابس، يمكنك تمييز النادي الذي ينتمي إليه كل شخص.
بحث نيران عن مساحة مسطحة و ناعمة قليلا. هكذا، عندما يرميه، لن يتأذى كثيرا، لأن الحقيقة…
لا ينبغي أن نستخدم العنف. لكن هناك مشاكل لا تُحل إلا بهذه الطريقة. و إلا فلن تنتهي أبدا!
استغل لحظة خلو حراسة آوي، أمسكه من ياقة قميصه، و جذبه إلى العشب قبل أن يرميه على الأرض بلا أي مراسم.
“آه! هاي!”
“آه! هاي!”
لا الماء الذي انسكب على الأرض و لا العشب أبدا أظهر الرحمة التي أظهرها نيران تجاه آوي. كل ذلك بسبب ما فعله بأحد أحب الأشخاص لنيران.
“ما الذي تظن أنك تفعله؟!!”
“لقد انتهى أمرنا…” تنهد ثارا بعمق.
وافق نيران على هذه الكلمة الوحيدة. نعم. وصل الأستاذ سوتشارت. صار أكثر معلمي الانضباط صرامة في المدرسة شاهدا على الحادثة بأكملها.
فلتبق الحظوظ معنا. آمين…
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!