فصل 3

فصل 3

أظن أنني قد طلبت الكثير.

“سيتم خصم نقاط السلوك من كلاكما. لاستعادتها، يجب أن تؤدوا خدمة مجتمعية في هذا القسم: عشرون ساعة لكل منكما.”

“…”

“…”

في تلك اللحظة، كنا جميعا في غرفة الانضباط. كان هناك عدد من أعضاء مجلس الطلاب… آه نعم، تشيوَا كان حاضرا، مع اثنين أو ثلاثة آخرين. الأستاذ سوتشارت كان موجودا، ممسكا بسلاحه المميز: عصاه التي لا تفارقه. و على الجانب الآخر، كان المدرب أونغ يقف مبتسما بابتسامة لطيفة، تحمل طابع المصالحة.

ثم كان هناك الطالبان المثيران للمشاكل، و معهما حوالي عشرة شهود شاهدوا كل شيء عن قرب. كان ثارا واحدا منهم. حاول صديقي المساعدة، لكن دون جدوى، لأنه مهما قال، في النهاية كنت أنا من بدأ الأمر.

“على أي حال، بيِنغ نيران هو المسؤول الأساسي في هذا الموضوع. آمل ألا يكون المدرب أونغ متساهلا جدا مع الطالب الذي تحت رعايته. التضحية ببعض وقت التدريب لأداء خدمة مجتمعية لتصحيح سلوكه ليس بمشكلة، أليس كذلك، كْراب؟”

حافظ المدرب أونغ على ابتسامته الطيبة.

“الصواب صواب و الخطأ خطأ، كٔراب. بالنسبة للوقت، لا أظن أن هناك تضاربا. سيواصل بيِنغ نيران التدريب وفق الجدول الأصلي. أما الخدمة المجتمعية… سأجعله يؤديها خلال وقت فراغه الشخصي، كْراب.”

“ذلك ممتاز، كْراب. و قد تم الاتفاق على ذلك.”

عشرون ساعة من الخدمة المجتمعية لكفارة ما فعلت. ذلك المعسكر التطوعي الذي رفضته بقوة عندما اقترحه تشيوَا هذا الصباح… يبدو أنني سأضطر للاعتماد عليه بعد كل شيء. بمجرد المشاركة في هذا النشاط، يتم استيفاء المتطلب بالكامل. لا حاجة للتفكير الزائد.

قبل مغادرة غرفة الانضباط، ابتسم لتشيوَا.

“سنتحدث لاحقا، حسنا؟”

هذا ما أخبرته به بعيني.

في نادي الجودو، أطلق المدرب أونغ تنهيدة طويلة قبل أن يستدير نحوي. التحول كان واضحا: فقد تحولت ابتسامته الطيبة السابقة إلى عبوس صارم. ابتلعنا أنا و ثارا ريقنا في الوقت نفسه.

“نمارس الجودو كرياضة. نتنافس. نستخدمه للدفاع عن النفس. لا نمارسه لإيذاء الآخرين. المدرب لا يوافق على ما فعلته، نيران. لو كان ذلك الطالب قد أصيب بجديّة، لما اكتفى الأمر بعشرون ساعة من الخدمة المجتمعية. هل تفهم ما أقوله لك، كْراب؟”

“أفهم، كْراب.”

“كنت تتحكم في غضبك أفضل من قبل، أتعلم، نيران؟”

“…”

“على أي حال، عد للتدريب. لن يكون هناك أي تعديل في الجدول؛ قم بكل شيء كالمعتاد. أريد منك التركيز. المباراة القادمة على الأبواب.”

عاد المدرب إلى غرفة الاستراحة. أما أنا فعدت للتدريب و أنا مثقل بالغمّ، و مع ذلك، بعد أن حركت جسدي قليلا، بدأ ذهني يصفو شيئا فشيئا. قبل أن أدرك، انتهت تدريبات فترة الظهيرة.

تفرق أعضاء نادي الجودو متجهين إلى منازلهم، و كنت أحدهم.

خرجت من الصالة متثاقلا، مارا بالميدان العشبي. نفس المنظر المعتاد، الذي أراه يوميا في المدرسة… حتى التفت و رأيت شخصا جالسا على مقعد، يقرأ كتابا سميكا.

إنه تشيوَا… لماذا لم يذهب إلى المنزل بعد؟

أملت رأسي قليلا وأنا في حيرة، و ضبطت أحزمة حقيبتي أثناء اقترابي. توقفت أمام أطراف حذائه مباشرة. نظر إلي ذلك الشاب ذو النظارات، ثم ضحكت.

“أظن أنني في النهاية سأضطر للذهاب إلى ذلك المعسكر التطوعي الذي دعوتني إليه، ناي تشيوَا.”

…هذا ما أردت قوله.

“تعال و سجل في غرفة مجلس الطلاب، لوي كْراب.”

“آها… دع ذلك لاحقا. و أنت، لماذا لم تذهب إلى المنزل بعد؟ إذا كانت أعمال مجلس الطلاب، لما جلست هنا تقرأ كتابا، أليس كذلك؟”

“كْراب… كنت أنتظر فِي نيران.”

“…”

“كنت أخشى أن يعود أولئك الطلاب الأكبر سنا ليأخذوا منا المال.”

“مع طولك هذا و ما زلت تخاف منهم؟ افتح صدرك و ثق بنفسك. لا حاجة للخوف. إذا حاولوا مضايقتك، فقط ارمِهم. مثل هذا العصر. رغم أنني عوقبت، لكن مجرد التفكير في الأمر ما زال ممتعا.”

“…لا أعرف كيف أرمي أحدهم.”

“هل تريد أن أعلمك لاحقا؟ لكن الآن يجب أن أذهب، نا. أنا تحت العقوبة. و مع شدة التدريب، إذا كان عليّ أيضا تعليم الجودو لناي بارنچيوَا… يظن بيِنغ نيران أنه ليس جاهزا بعد. انتظر حتى يلين المدرب معي قليلا. حينها سيكون لدي وقت أكثر.”

“فهمت، كْراب.”

أدخل الفتى الطويل كتابه ‘أسرار الكون العميقة’ في حقيبته، وضعها على كتفه، و وقف بجانبي.

“لنذهب، كْراب. أنا جائع بالفعل.”

“…”

“…فقط أن الكون الذي نعيش فيه يحتوي على ثقوب سوداء تمتص كل شيء حولها باستمرار. نسميها أجراما سماوية. داخل الثقب الأسود، هناك قوة جاذبية هائلة، تكفي لامتصاص الضوء نفسه. لا شيء يمكن أن يهرب منها، كراب.”

ما التعبير الذي يفترض أن أصنعه بعد سماع هذا الشرح الغريب تماما؟ تحركت عيناي يمينا و يسارا قبل أن أنظر إلى الفتى مرة أخرى. فجأة خطرت على بالي عبارة ‘وسيم لكنه غريب’، التي قالها أحد أصدقائي من قبل.

نعم، إنه غريب. لكن الحقيقة… هو حقا وسيم.

“الجوع جوع. لماذا تخبرني عن الثقوب السوداء التي تبتلع كل شيء؟ الجميع يعرف ذلك، أليس كذلك؟”

أدرك نيران متأخرا أنه كان صريحا بعض الشيء. لم يظهر ناي بارنچيوَا أي انفعال خاص؛ وقف فقط ينظر إليه صامتا.

مثل جرو.

صفق نيران حلقه و بدأ بالسير نحو مخرج المدرسة. الفتى الطويل تبعه. للحفاظ على توازن الصمت، بدأ نيران البحث عن موضوع للحديث.

“هل سمعت الشائعات عن كشك خالة دانغ؟”

“سمعتها، كْراب.”

“فلماذا أكلت هناك على الغداء إذن؟ أطفال هذه المدرسة ساذجون جدا… منشور واحد في المنتدى و يصدق الجميع كل شيء. لم أرَ أي دليل. أليس كذلك؟”

أومأ ناي تشيوَا برأسه.

“أنا أتناول الطعام فقط في كشك خالة دانغ. لذا أكلت هناك كالمعتاد، كْراب.”

“حقا… ألا تأكل أبدا في أكشاك أخرى؟”

“مرة أو مرتين، كْراب. لكن طعام خالة دانغ هو المفضل لدي.”

ابتسم نيران ابتسامة عريضة. خطرت له فكرة جيدة.

“إذا، هل سبق لك أن زرت مكان تاي تشانا؟ إنه بالقرب من بيوتنا.”

هز ناي تشيوَا رأسه ببطء. “أبدا، كْراب.”

“لقد فوت الكثير. إذن سأأخذك هناك.”

غادرنا المدرسة معا و توجهنا إلى موقف الحافلات. بعد رحلة قصيرة، وصلنا إلى المكان. من حديثهما في اليوم السابق، تبين أننا نعيش في نفس الحي. ليس قريبا جدا، لكنه ليس بعيدا أيضا.

كانت خالة دانغ تبيع الطعام داخل المدرسة، بينما كان كشك بي تاي أمام منزلها. كان مكتظا منذ الصباح و حتى الليل. و بدون مبالغة… كان هناك متجر مجاور يبيع كل شيء، و حتى آلة ألعاب للعب. باختصار، كان جنة لأطفال المنطقة.

كيف يعقل أن ناي تشيوَا لم يأتِ من قبل؟

“حقا لم تأتِ هنا من قبل؟”

“حقا، كْراب. أنا أذهب دائما مباشرة إلى المنزل. لا أتوقف في أي مكان.”

“أنت فتى مثالي للغاية. تحتاج إلى أن تمارس قليلا من المشاكسة.”

هز رأسه عند هذا القدر من الاستقامة.

مستحيل. بما أن نيران يعرفه الآن، فلن يدعه وحيدا.

“هيا، لنأكل أولا. قبل أن ينفجر الثقب الأسود في معدة ناي تشيوَا.”

“…”

لقد عرف بالفعل كيف يمزح مع الغريب. ضحك حتى اهتزت كتفاه، أمسك بمعصم الآخر و جذبه نحو كشك الطعام. و بما أن كل الطاولات كانت مشغولة، طلب نيران امتيازا خاصا لدخول المنزل.

“أرز بالريحان مع لحم مفروم و بيضة مقلية، كْراب! طبقان!”

“أوه، أوه… أحضرت صديقا وسيما، أليس كذلك؟” في’تاي مداعبا.

“كْراب، كْراب، وسيم جدا.” أجاب نيران، متماشيا مع المزاح.

استمع ناي تشيوَا بوجه مستقيم تماما. لم يكن لديه أدنى فكرة أنهم يتحدثون عنه، و هذا بالضبط أحد أسباب سهولة المزاح معه…

لم يكن بيت في’تاي و الخالة دانغ كبيرا جدا، مناسبا فقط لعيش الأم و ابنها. زوج الخالة دانغ توفي منذ سنوات بسبب السرطان. وما زال نيران يتذكر لونغ ديتش (لونغ تعني العم) كرجل لطيف جدا. لو كان حيا، لاقترب مبتسما، حاملا لهم الطعام دون أي كلمة.
(لوكا:فاك تاي طلع ولد و انا حسبته بنت أبغى أغتصب مترجم)

“ناي تشيوَا.”

“كْراب.”

“ما رأيك بمجموعة آي آوي؟ هل تشعر برغبة في ضربهم؟ بسبب المال الذي يبتزونه.”

هز الفتى أمامه رأسه.

“لا أريد ضرب أحد، كْراب. أفضل أن تنتهي المسألة ببساطة. أخشى تصاعد الوضع.”

“صحيح… أم آي آوي أيضا معلمة في المدرسة. ربما لهذا السبب يظن نفسه مهما و يجوب مع عصابته يتنمر على الآخرين. لكن قبل يومين، انتهى به الأمر مبللا بمشروب الصودا الأحمر، أليس كذلك؟ صديق فِي نيران قال إن هذا من عمل شبح مبنى العلوم. الأشباح الآن ماهرة جدا—يذهبون حتى لشراء مشروب الصودا الأحمر لرشه على الناس.”

كلما تخيل نيران شبح مبنى العلوم يشتري الصودا في الكافتيريا، بدا له الأمر أكثر طرافة. أطلق نيران ضحكة مكبوتة قبل أن ينظر إلى الفتى الآخر.

“ألم يتخذ مجلس الطلاب أي إجراء حيال ذلك؟”

“لا شيء، كْراب. بالكاد يتم التحدث عنه. ربما خوفا. غرفة المجلس أيضا في مبنى العلوم. يقول صديقي إنه أمر محفوف بالمخاطر.”

“هل ناي تشيوَا يصدق بوجود الأشباح؟”

“لا أعتقد ذلك، كْراب. إذا استخدمنا العلم لتفسير الأمر، يمكن أن تكون الأشباح نوعا من الطاقة. حتى الموجات الراديوية، التي لا يمكننا رؤيتها بالعين المجردة، تم اكتشافها. إنها موجودة في الغلاف الجوي، و تتصل بالحقل المغناطيسي للعالم—”

“الأرز بالريحان مع اللحم جاهز!”

“شكرا، كْراب، في’تاي!” أجاب نيران فورا.

جاء في الوقت المثالي؛ كان على وشك ألا يفهم شيئا…

زحزح الطبق نحو ناي تشيوَا، قدم له الملعقة، و ملأ له كوبا بالماء.

“كُل. هذه المرة فِي’نيران هو من يعزم.”

“…شكرا، كْراب.” أجاب ناي تشيوَا بصوت شبه مكتوم قبل أن يبدأ الأكل.

توقفنا عن الحديث عن العلوم أو الفلك أو ما شابه… أكلنا حتى فرغت الصحون. شعور بالشبع بدأ يخيّم على الجفون. لكن الأكل و النوم مباشرة ليس فكرة جيدة، لذا أخذنا بعضنا للعب قليلا في المحل المجاور.

كان هناك جهاز ألعاب لشخصين. تنافسنا في لعبة أحجية من نوع ترتيب القطع. كانت القطع المختلفة الأشكال تسقط ببطء، و يجب ترتيبها لتتلائم. عند إتمام صف، تختفي القطع و تُكتسب النقاط. لعبة بسيطة، مثل تقشير موزة.

كان نيران يحمل مصاصة في فمه، عينيه مركّزتان على الشاشة بالكامل. و مع ذلك، لم تقارن بأي حال بعيني ناي بارنچيوَا خلف تلك النظارات المربعة. كان مركزا أكثر منه… يقال إنه عندما يهتم شخص بشيء بجدية، يظهر جوهره الحقيقي. و كان جوهر الفتى بجانبه يلمع أكثر من أي شيء آخر.

أعتقد أنني وجدت خصما جديرا.

دعوني أقول لكم، نيران بارع جدا في هذه اللعبة.

كانت المباراة حقيقية. في البداية، كانت القطع تسقط ببطء. لكن مع مرور الوقت، بدأت تهبط بسرعة أكبر فأكبر. حرك يديه بلا توقف، يسارا و يمينا، دون راحة. لعبنا طويلا حتى بدأ الناس في المحل يتجمعون لمشاهدتنا.

تكوّمت تدريجيا حشود صغيرة حولنا، كما لو كانوا يشجعون مباراة. نظر نيران إلى شاشته ثم إلى شاشة ناي تشيوَا. كان الفتى أيضا سريع اليدين؛ القطع كانت تناسب تقريبا في كل مرة. ممتاز جدا…

ظل صوت اللعبة يتردد عاليا. بدأ العرق يتصبب على جبينه. كانت المصاصة تذوب في فمه، و أصبحت مزعجة قليلا، لكنه أبقاها هناك لأنه لم يعرف متى يخرجها. و مع ذلك، في اللحظة التالية، حدث شيء لم يتوقعه.

كانت المصاصة على وشك السقوط!

أمسك أحدهم بالعصا قبل أن تلمس الأرض، في نفس اللحظة ظهر على شاشة الآخر كلمة “انتهت اللعبة”. سُمعت تنهدات خفيفة من الجمهور، و أعيدت نفس المصاصة إلى شفاه فِي نيران.

“إذا سقطت، لن تستطيع الاستمرار في أكلها، نا كْراب.”

“…”

لم يعرف نيران أي تعبير يصنعه، ففتح فمه ببساطة و قبل المصاصة من يد ناي بارنچيوَا، تماما كما ظهرت على شاشته كلمة ‘انتهت اللعبة’ أيضا.

“لو لم تسقط المصاصة، لكان ناي تشيوَا بالتأكيد قد تغلب على فِي نيران.”

“…”

“نحن جيدان جدا.”

و هكذا انتهت جلسة اللعب. كانت مكثفة إلى حد شعورنا بأن العشاء الذي تناولناه قد هضم بالكامل بالفعل.

غادرنا محل الألعاب معا. لقد غابت الشمس منذ وقت طويل، لكن القمر لم يكن مرئيا لأن الغيوم غطته تماما.

“من الأفضل أن تعود قريبا؛ قد تمطر الليلة.”

“كْراب.”

“أين بيتك؟ سأوصلك.”

“…”

“القوي يجب أن يحمي الضعيف. في حال ظهر آي آوي في هذه المنطقة، سأتمكن من التصرف في الوقت المناسب. و إلا، قد يبتزّك مرة أخرى دون أن تدري.”

“…هناك، كْراب.”

“إذن نسلك نفس الطريق.”

مرّ الطالبان أمام كشك الطعام، ثم عبروا الحديقة ذات الأرجوحات و معدات اللعب و طوق كرة السلة. لم يمض وقت طويل حتى ظهر بيت نيران.

‘نيران إنجين’

كان لديه ورشة ميكانيكية. الرجل ذو الملامح الصارمة هناك كان والده. كان زبائن الورشة من مختلف الأعمار، غير أنّ أغلبهم من أصحاب الدراجات النارية في الحي.

“إذا احتجت لإصلاح أي مركبة أخبرني، نا. سأخبره أن يخصم عليك قليلا”، قال للفتى الطويل.

أومأ ناي تشيوَا في صمت دون قول المزيد، فواصل نيران الحديث:

“إذا، أين بيتك؟”

“قليلا و سنصل، كٔراب.”

“نعيش قريبين جدا… لماذا لم نصادف بعضنا من قبل؟” سأل بدهشة، مائلا رأسه.

شرح ناي تشيوَا:
“انتقلت إلى هذه المنطقة في بداية هذا العام، كْراب.”

“آه؟ لم تكن تعيش هنا من قبل؟ ماذا عن المدرسة؟”

“في البداية عشت في بيت آخر. عندما عاد والدي من الخارج، انتقلنا هنا. أما المدرسة، فقد درست في ميثين ويـبون منذ المرحلة المتوسطة.”

رد نيران بابتسامة صغيرة “همم”.

مر بجوار بيته، موجها الفتى الأصغر نحو مكان لم يعرفه بعد. لكن فجأة، خطا ناي بارنچيوَا خطوة طويلة و وقف أمامه، حاجزا الطريق.

تحدث الفتى ذو النظارات بوجه جدي:
“هنا يكفي، كْراب. شكرا لك، فِي نيران، لدعوتي للأكل و اللعب.”

“لكن…”

“سأرحل الآن، نا كْراب.”

قبل أن يرد نيران، انحنى ناي تشيوَا سريعا إلى الزقاق. بقي هناك يراقب ظهره العريض حتى اختفى عن الأنظار.

عادة، لم يكن نيران من الأشخاص الذين يلحون كثيرا. إذا قال ناي تشيوَا ذلك، لم يكن أمامه خيار سوى احترام الأمر. لم يركض خلفه كما كان يخطط. تنهد بعمق و توجه ببطء نحو منزله. عند الدخول، التقى بوالده الذي كان جالسا عند العداد يقوم بالحسابات.

“هل كان هناك مشاكل في المدرسة اليوم؟”

“…”

اللعنة. من أخبره؟ المدرب أم الأستاذ؟ عبس نيران. لقد تأدب بما فيه الكفاية في ذلك اليوم؛ لم يرغب في الحديث عن الأمر على الإطلاق.

“على أي حال… قال مدرس الانضباط إنك قد عُوقبت بالفعل. كن أكثر حرصا من الآن فصاعدا. أنت رياضي معروف إلى حد ما. القتال في المدرسة ليس جيدا لأي أحد. يجلب فقط العواقب السلبية.”

“…”

لم يكن أمامه خيار سوى البقاء هناك، مستمعا لمحاضرة والده حتى انتهت. في الحقيقة، أراد أن يشرح سبب غضبه الشديد من آي آوي… حتى الآن شعر أن مجرد رميه على الأرض لم يكن كافيا لما فعله. لكن الجدال كان سيطيل الأمور بلا فائدة.

“ألست ستقول شيئا يا بني؟”

“لا شيء، كْراب. مشاكل الأولاد.”

“جيد أنك تفهم. اذهب لتستحم، اقرأ قليلا، أنجز واجبك، و نم. غدا يجب أن تستيقظ مبكرا للمدرسة.”

“أمم… كْراب.”

لو رآهم أحدهم، لظن بالتأكيد أن بين الأب و الابن شجار أو خلاف. لكنه لم يكن كذلك. ببساطة، لم يعرف نيران كيف يعبر عما يفكر فيه فعليا. ربما مستقبله سيكون قادرا على ذلك. أما الآن، فالأفضل ترك الأمور هكذا.

“با دانغ لم تفتح الكشك على الإطلاق… هذا اليوم الثالث، أليس كذلك؟” سأل ثارا و هو يمضغ الدجاج المقلي. نظر نحو كشك الخالة دانغ للأرز بالكاري. ذلك اليوم كان أيضا مغلقا، دون أي علامة على الفتح.

“حتى لو فتحت، فلن تبيع شيئا. الطعام سيبقى و يهدر.”

في الليلة السابقة، قرر نيران تفقد منتدى المدرسة. الموضوع الذي ينتقد كشك با دانغ فقد شعبيته بالفعل. و حل محله موضوع جديد: إعلان مجلس الطلاب عن اختيار الأندية لذلك اليوم.

كل عام، يجب على جميع الطلاب الانضمام إلى ناد واحد على الأقل. بعد التسجيل، لا يمكنهم الانسحاب حتى بدء العام الدراسي التالي. لهذا السبب، كان اختيار الأندية دائما حدثا حيويا.

و هذا العام لم يكن استثناء. العديد من الأندية نصبوا طاولاتهم، يروجون لأنفسهم كما لو كانوا الأفضل.

كان نيران واحدا من الذين أرادوا التجول لرؤية ما يقدمونه، ربما للتسجيل في ناد آخر. بعد كل شيء، كان في نادي الجودو وحده منذ سنوات. كان يعرف الكثير من الوجوه، و بدأ يشعر بالملل.

“إذن لن تُظهر الجودو للصغار؟ أم ستترك الأمر لآي موست؟” سأل ثارا.

“أظن أنني سأظهر قليلا،” أجاب نيران. “لكن لعرض حقيقي، دع موست يفعل، كْراب.”

“و إلى أين ستذهب بعد ذلك؟ لمشاهدة الموسيقى؟” سأل ثارا بابتسامة منحرفة.

“أعتقد أنني سأمر على نادي الفلك.”

“…”

وضع ثارا وجها متعجبا بالكامل.

“…النادي الذي يتجمع فيه الغرائب، أليس كذلك؟ علاوة على ذلك، يقع في الطابق العلوي من مبنى العلوم، الأقرب إلى الأشباح.”

“حسنا، إذا صادفت شبحا، على الأقل أريد أن أسأله مرة واحدة أين اشترى الصودا الأحمر.”

“…”

“و بالإضافة إلى ذلك… مؤخرا هناك شخص مثير للاهتمام هناك.”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!