تحذير: تحتوي هذه الرواية على محتوى عنيف، و تتضمن شخصيات ذات سلوكيات غير لائقة. يرجى استخدام التقدير و عدم اتخاذها كمثال يُحتذى به بل عظة ثقرأ بعين واعية.
————
‘سنة 2487 هـ.ب. (1944 م)، شاينات’
تحت ستار الليل الهادئ، حيث تخرج الوحوش المفترسة للصيد، كان هناك أيضًا جلادون مختبئون في الظلال بصمت مخيف. أكثر من ثلاثين رجلًا قويًا، مسلّحين ببنادق قصيرة وطويلة، كانوا ينتظرون إشارة الهجوم من زعيمهم، صاحب العينين الحادتين كعيني صقر.
صوت بومة مخيف تردّد في الليل، مؤذنًا بقدوم خطر وشيك. سُحبت قطعة قماش سوداء لتغطية الرأس والوجه، مخفيةً ندبة طويلة تمتد حتى تقارب زاوية العين، تاركةً فقط عينين حادتين كالسكين لترشدا الطريق.
“الجلاد روك”
‘بانغ!’
دوى صوت مدوي وعدواني من مسدس لوجر ألماني الصنع، عيار 9 ملم بارابيلوم، السلاح المفضل لـالنمر سوك زعيم عصابة اللصوص، إيذانًا ببدء الهجوم. لكن هذه المرة لم تكن للسرقة كالمعتاد، بل جاؤوا للسيطرة على الأراضي.
انتشرت إشاعاتٌ كالنار في الهشيم، عن جماعةٍ تدَّعي انتماءها لـ”النمر بروانغ”، تذبحُ الأبرياءَ وتخطفُ النساءَ وتدنسُ الأعراضَ بلا رادع. أصبح الخوفُ ضيفاً ثقيلاً على قلوب أهل المنطقة، حتى هجرها البعضُ بحثاً عن أمانٍ لن يجده. أما الشرطة؟ فكانت مجرد سرابٍ في صحراء اليأس.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا للعثور على مخبأ هؤلاء، و هو قرية صغيرة لا تتجاوز بضعة منازل، عشرة على الأكثر. يُعتقد أنهم عصابة جديدة تسعى لتكون نمورًا، لكنها تتصرف كالأوغاد بلا مبادئ، على عكس النمور الحقيقية.
“من أنتم يا أوغاد؟” صاح رجل بدين يرتدي سروالًا فقط، و هو يتقدم بغضب واضح، ممسكًا بسلاحه الناري.
“من زعيمكم؟” تقدم رجل طويل القامة ليقف أمام صاحب الأرض، يتبعه رجاله الذين حاصروا القرية.
“أنا النمر شير، زعيم هذه المنطقة!”
“جيد، هذا يوفر عليَّ عناء البحث.”
“ماذا تريد؟”
“أمر رجالك بالتجمع هنا، الآن!” لم يهتم سوك بالرد على السؤال، و أصدر أوامره بنبرة هادئة، رغم أن فوهة مسدسه كانت موجهة إلى وجه الرجل. “إن كنتَ تملك ذرةَ عقل، فسترى أننا أحطنا بكم من كل جانب. لا تُجبرني على فعل شيءٍ ستندم عليه.”
“يا فتى، أيها الغلام! النمرُ لا يفترسُ أخاه!”
“نمر؟ أنتم مجرد كلاب، كلاب تعض في الخفاء.”
“ألا تعرف من نحن؟”
“و أنت، هل تعرف من أنا؟” كانت نبرته هادئة و باردة، لكنها مليئة بالسلطة، مما جعل الرجل البدين يرتجف، و بندقيته في يده لا تختلف عن قطعة خشب عادية. أدرك أنه لا يستطيع مواجهة هذا الرجل، لكنه أدرك ذلك متأخرًا.
‘بانغ!’
“آه!” سقط شير على الأرض، يتأوه من الألم بعد أن أصيب في فخذه بمسدسه الخاص. كم كان محبطًا أن يُسلب سلاحه بسهولة، رغم أنه لم يكن بالأمر السهل تمامًا، إذ كان لدى الرجل تعاويذ سحرية جعلته يخسر.
“لا أحب أن يوجه أحد مسدسًا إلى وجهي.”
“أيها الوغد!”
“أمر رجالك بالخروج!”
“يا رجال، اخرجوا جميعًا!” صرخ شير بأتباعه، مستسلمًا دون شروط.
“اسمعوا جيدًا! لم نأتِ اليوم لقتل أحد. قدومي هو تحذير: من الآن فصاعدًا، لن يحق لكم نهب أو إيذاء أحد هنا.”
“لكن هذه أرضنا!”
“لن تكون كذلك بعد اليوم.”
“من أنتم لتتجاسروا على فرض سلطتكم في معقل النمر شير؟!”
“و أنت، من تدّعي أنك لتسرق؟ أيها الملعون!”
“النمر بروانغ؟ لا أصدق! صوتك يوحي بأنك فتى!” قال شير بنبرة شرسة، لأن النمر بروانغ، حسب ما يُروى، رجل في الخمسينات، و ليس فتى نشيطًا كهذا.
“النمر بروانغ هو سيدي.”
“و أنت من تكون؟” ظل شير متشككًا، يريد معرفة من هو هذا الرجل الذي يملك سلطة أمره.
“هل سمعت باسم النمر سوك؟ إنه اليد اليمنى للسيد الأكبر.” لم يجب سوك بنفسه، بل أجاب أحد أتباعه نيابةً عنه.
“إذن، دعنا ننضم إلى جماعتكم!” قفز شير لاغتنام فرصة النجاة، عيناه تلمعان، فقد سمع من قبل عن النمر سوك، النمر بلا ظل، السريع و الغامض الذي نادرًا ما يظهر.
“السيد بروانغ لا يقبل أمثالكم. ارحلوا. إن استسلمتم بهدوء، سأترككم أحياء. و إلا، سأتأكد من دفنكم جميعا.”
————
“كنت أعلم أنك ستتركهم.” دوى صوت جريء قبل أن يشق رجل طويل و قوي الجمع ليقف وجهًا لوجه مع سوك. نمران يتواجهان.
عند عودته، أسرع سوك لتقديم تقريره للنمر بروانغ، وفقًا للحقائق.
ثم عاد إلى منزله الصغير عند الغسق.
“عدت يا أبي سوك؟”
“نعم، عدت يا أمي.”
رفع سوك يديه تحية لسايجاي باحترام. كان النمر بروانغ و سايجاي (زوجته) بمثابة والديه، لكنه ظل ينادي بروانغ ‘السيد’ لتجنب أي انتقادات، بينما اضطر لمناداة سايجاي ‘أمي’ بإصرار منها.
“شكرًا يا أمي على رعاية روب.”
“لا عليك، روب مثل حفيدي. سأعود للمنزل الآن، لأرى ماذا أعد والدك للعشاء.”
“حسنًا، يا أمي.”
بعد مغادرة سايجاي، أسرع سوك للاستحمام بعد أيام دون غسل، ثم استلقى بجانب فتى في الرابعة من عمره، نائمًا بهدوء على فراش رقيق. وجه الطفل كان نسخة طبق الأصل من شخص ما، أعاد إلى سوك ذكريات مؤلمة محفورة في عقله، ذكريات الشخص الذي ترك ندبة على وجهه بدم بارد.
كمن لم يحب يومًا.
النمر سوك، رجل في الحادية و الثلاثين، لديه ابن يبلغ من العمر أربع سنوات، و ندبة تمتد من زاوية فمه إلى ما يقرب من عينه. لم تستطع هذه الندبة إخفاء وسامته، فكان لا يزال محط أنظار نساء الجماعة، رغم علمهن أنه لا يمكنه الزواج. و في الوقت نفسه، كان هدفًا لشباب الجماعة الذين حاولوا مضايقته، لكنه كان يردعهم بقوة.
“أبي سوك…”
“روب.”
“لقد عدت!” استيقظ الطفل نصف نائم، يتساءل بحنين، و يده الصغيرة تبحث عن والده. “هل تعبت في العمل، أبي؟”
“لا، لم أتعب على الإطلاق، يا بني.” ابتسم سوك بلطف. كان الطفل بريئًا جدًا ليفهم الآن، لكن عندما يحين الوقت، سيكشف له سوك الحقيقة كلها، و يترك له حرية اختيار طريقه.
نام الأب و ابنه متعانقين حتى الصباح. استيقظ سوك مبكرًا لإعداد الطعام لابنه كعادته. و في أيام فراغه، كان يعلم أطفال الجماعة القراءة و الكتابة، فهو الوحيد المتعلم بينهم.
“روب، ابقَ هنا و العب، سأذهب لجمع الخضروات و أعود.”
“حسنًا، أبي.” أجاب الطفل بطاعة، يلعب بلعبته الوحيدة بمرح، حتى مر به هان.
“ماذا تفعل، أيها الطفل بلا أب؟”
رفع روب رأسه، عابسًا. “لدي أب، أبي سوك هو أبي!”
“هاها! أب؟ هو أمك، هو من ولدك، يا روب. أما أبوك الحقيقي فقد هرب، لم يحبك و لا أمك، و إلا لما أصبحت يتيمًا هكذا.”
“يتيم… ماذا يعني ذلك، عم هان؟” كان الطفل بريئًا جدًا ليفهم كلام هان.
“يعني أن أبوك-”
“ماذا تفعل، أخ هان؟!” صرخ سوك من بعيد، مسرعًا نحو ابنه، بينما هز هان كتفيه باستخفاف و مضى في طريقه.
“أبي سوك.”
“نعم، يا بني؟”
“لماذا ليس لدي أم مثل الآخرين؟”
“أنا أبوك و أمك، يا روب.” رغم أنه لم يستطع الهروب من الماضي، إلا أنه كان عليه المضي قدمًا. مهما كان ابنه غير مرغوب به من الآخرين، سيكون هو أباه و أمه.
“قال عم هان إنك أمي، و قال إن لدي أبًا لكنه تخلى عني و عن أمي.” ضغط سوك على أسنانه، قبضتاه مشدودتان من الغضب. يمكنه تحمل أي شيء يُفعل به، لكن لا أحد يمس ابنه.
“انتظرني هنا، يا بني.” انطلق سوك خلف هان حتى لحق به.
“أخ هان، لماذا قلتَ لابني هذا الكلام؟”
“قلت ماذا؟”
“الطفل لا يزال صغيرًا، أنت تجعله مشوشًا!”
“لقد قلت الحقيقة.”
“إذا كنت تريد أن تظل زعيم الجماعة، فعليك أن تتصرف باحترام أكثر.”
“تفو! لا تعلمني، أنت لست بأفضل حال. أنت الذي قتلت والدك، أيها الوغد. احذر، قد يسير ابنك على خطاك، هاها!”
كظم سوك غيظه، فهو لا يريد الاشتباك مع هان ما لم يكن ضروريًا. كان يعرف سبب كراهية هان له، لذا لم يحتد عليه من قبل، بل كان يدير ظهره و يمضي. لكن هذا جعل هان متغطرسًا، ظنًا منه أنه يستطيع فعل ما يشاء.
لكن لكل صبر حدود.
بسرعة النمر، رفع سوك مسدسه لوجر نحو رأس هان في لحظة. تفاجأ هان لكنه ظل متحديًا.
“هل تريد أن تكون الضحية التالية، يا هان؟” كانت نبرته باردة، و عيناه قاسيتان خاليتان من الاحترام.
“أيها السوك! هل تجرؤ على توجيه مسدس إلى رأسي؟!”
“لستُ مجرد جريء، بل سأطلق النار إن لم تكف عن فمك الكلبي أو إزعاج ابني مجددًا. و تذكر جيدًا، أنا النمر سوك، أحترم الجميع كإخوة، و لا أفكر في خيانتهم. لا تخف، لن آخذ مكانك.”
“لا تدع أحدًا يقول إنك نمر يتنمر حتى على طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه.”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!