حقوق الترجمة محفوظة للمترجمة:
♪يــــاكـــــيـــرا♪
٭استمتعوا (。•̀ᴗ-)✧
“ابنُ مَن هذا؟”
اخترق صوتٌ تقشعرُّ له الأبدان مسامعه فجأة؛ فانتفض “يو-جين” هلعًا، مستفيقًا من شتاته على الواقع المرير.
لا يزال المسدسُ مُصوبًا نحوه، ولا يزال وجه “وينستون” البارد والصلد كما هو، بعينين تفيضان بالاحتقار وتحدقان فيه بحدة.. لم يتغير شيء. أدرك “يو-جين” أنه كان غارقًا في وهمٍ عبثي، فاجتاحته موجةٌ من الذعر، وشُلّ تفكيره عن اتخاذ أي رد فعل؛ حتى الكلمات خانته، فلم يجد ما ينطق به. حينها، افتر ثغر “وينستون” عن ابتسامة ساخرة، وكأنه كان يتوقع منه هذا الصمت.
“بالطبع، لن تجد جواباً.”
أفلتت ضحكةٌ خافتة من زاوية شفتي وينستون الملتويتين؛ لم تكن أكثر من زفيرٍ حاد ومقتضب.
“عاهرٌ دنيء مثلك، لن يملك أدنى فكرةٍ عن هوية الوالد.”
شعر يوجين وكأن نصلاً حادًا قد غُرس في أعماق قلبه. شحب لونه تمامًا، ووقف متسمّرًا لا يقوى إلا على التحديق في “وينستون” بذهولٍ وصدمة.
(إنه أنت..)
حاول أن ينطق، لكن صوته خانه. بقيت الحقيقة اليائسة حبيسة حنجرته، تائهةً وسط تشابك صوته المتهدج والمخنوق.
(إنه أنت يا وينستون..)
ظل “يو-جين” متجمّدًا تحت وطأة الصدمة، عاجزًا عن نبس ببنت شفة. حينها افتر ثغر “وينستون” عن ابتسامة ساخرة، وتهادى صوته المليء بالازدراء قائلًا:
“يا صغيري، لا أحد في هذا العالم يدرك مدى وضاعتك أكثر مني.”
. . . .
(سعال، سعال..)
دوى صدى سعالٍ حاد هزّ أركان الغرفة، لكن المحامي ظل واقفًا، منتصب الظهر بملامح جامدة لا يمكن تفسيرها. كان الرجل يلهث باحثًا عن أنفاسه، وصدره يعلو ويهبط في أنفاسٍ متلاحقة وضحلة، قبل أن ينهار جسده من شدة الإعياء. كانت بقايا باهتة من “فيروموناته” لا تزال عالقة في الهواء؛ تلك الرائحة التي رفعت شأنه ومنحته كل شيء، لكنها في الوقت ذاته، وبقسوةٍ بالغة، حرمته من الشيء الوحيد الذي كان يتمناه أكثر من أي شيء آخر.
أما الآن، فلم تعد تلك الرائحة مسكرة أو طاغية؛ بل غدت طيفًا يهيّم في الأرجاء، لا يكاد يُدرك، مجرد همس خافت لما كانت عليه من سطوةٍ وجبروت.. لقد كانت رائحة الموت الوشيك.
انبعث من حنجرة الرجل صوت حشرجةٍ رطبة وهو يلهث بجهدٍ مضنٍ؛ (غررك، غررك). كانت أنفاسه مثقلة، وصوته يخرج مبحوحًا حينما نطق أخيرًا:
“لم.. يبقَ الكثير من الوقت، أليس كذلك؟”
تلت كلماته خشخشةٌ فقاعية منبعثة من صدره. أما الطبيب الواقف بجانب السرير، فلم يحرك ساكنًا، بل اكتفى بالنظر إليه في صمتٍ مطبق. بينما انتظر المحامي حتى هدأت نوبة السعال، ثم نطق بعد برهة من الصمت:
“هل أنت مستعد؟”
عند هذا السؤال الهادئ، سعل الرجل مرتين إضافيتين قبل أن يومئ برأسه إيجابًا. وكأن الطبيب اتخذ من تلك الإيماءة إشارة، فبدأ يلقي عليه سلسلة من الأسئلة. وبعد أن استمع إلى إجابات الرجل بتمعن، التفت نحو المحامي قائلًا:
“السيد كامبل في كامل وعيه، لكن مستويات الفيرومونات لديه أدنى من المعتاد.”
كان من المعروف أن “الألفا” المسيطرين قد يرضخون أحيانًا للشدة الطاغية لفيروموناتهم الخاصة، فتتلاشى عقولهم تحت وطأة ذلك الضغط؛ ولكن على الرغم من جسده الواهن، ظل ذهن “هارولد كامبل” صافيًا كحد السيف.
“بالطبع،” قالها بصوت متهدج، ترافقه ضحكة ذات حواف حادة وساخرة، “هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بأن ذهني بهذا الصفاء.”
خيم الصمت على المحامي والطبيب وهما يرقبان سيّد القصر. لم يكن “هارولد كامبل” قد تجاوز أوائل سبعينياته بعد، ومع ذلك، كانت رمال ساعته توشك على النفاذ
وبالنسبة لكينونة مثل “ألفا مسيطر” – ذلك المخلوق الذي يتمتع بمناعةٍ معززة، وهرمٍ متباطئ، وعمرٍ مديد يتجاوز بمراحل أعمار البشر العاديين – كانت حالته هذه شذوذًا نادرًا لعل هذا هو الثمن الذي دفعه لكونه الوحيد في سلالته الذي وُلد بطفرةٍ شبه كاملة لسمات “الألفا المسيطر” تلك الفيرومونات التي استبدت به وسادت حياته لعقود، قد انحنت أخيرًا وخرّت صريعةً أمام جسد مضيفها المحتضر. ولأول مرة في حياته، استشعر هارولد مذاق التحرر؛ فقريبًا، سيفك قيده من هذا الجسد العليل والمثقل بالأوجاع.
داهمته نوبة سعالٍ أخرى زلزلت كيانه وبعد أن تأكد المحامي من أن كل شيء – بما في ذلك إفادات الطبيب – يتم تسجيله بدقة، بدأ بالحديث:
“لقد تم إعداد هذه الوصية وفقًا لرغبات السيد هارولد كامبل الصريحة وقد أكد الدكتور ويلسون أن السيد كامبل في كامل قواه العقلية و لإضفاء مزيدٍ من الصحة على هذه الوصية، قام طبيبان إضافيان بإجراء تقييمات نفسية وتقديم توثيق رسمي لنتائجهما وهذه الشهادات مرفقة بالوصية. والآن، يتفضل السيد هارولد كامبل بالبدء في قراءة وصيته بصوتٍ مسموع.”
ألقى المحامي النص الرسمي بدقةٍ آلية، لا يغير فيه سوى الاسم وبعض التفاصيل الطفيفة، تمامًا كما فعل مراتٍ لا تُحصى مع عملاء سابقين ناول هارولد الوصية المكتوبة سلفًا، ثم تنحى جانبًا.
حشد هارولد ما تبقى له من قوةٍ واهنة، وزفر ببطء، ثم كابد ليعدل جلسته، ليرتمي ثانيةً بظهره فوق الوسائد الضخمة. وفي النهاية، وبجهدٍ جهيد، فتح فمه ليبدأ بالحديث:
“أنا، هارولد كامبل، أكتب هذه الوصية وأنا بكامل قواي العقلية بينما أقف على أعتاب الموت. وسيتم تنفيذ هذه الوثيقة دون عوائق تحت الإشراف القانوني للمحامي مكوي.”
وبعد أن تحدث بهذا الاستطراد، داهمته نوبة سعالٍ حادة وضحلة. وبعد كفاحٍ مرير لاستعادة أنفاسه، استأنف القراءة:
“كاميليا، رفيقة دربي.. لقد وهبتِني أربعة أبناء رائعين، وهي هدية تفوق كل تقدير.”
بصوتٍ حازم وجاد، بدأ هارولد يسرد الميراث الذي سيتركه خلفه ستتلقى زوجته كاميليا مبلغ مليون دولار شهريًا حتى وفاتها، ما لم تتزوج مرة أخرى، وفي هذه الحالة تتوقف الدفعات أما ابنته الكبرى، كاثرين، فستحصل على عشرة ملايين دولار نقدًا، بالإضافة إلى ملكية جميع خيول العائلة و سيرث ابنه الأكبر غوردون عشرة ملايين دولار نقدًا، بالإضافة إلى عقار “ماليبو” والأراضي المحيطة به أما ابنه الثالث جيسون، فسيحصل على مخصصات شهرية قدرها مئة ألف دولار، بشرط استمرار علاجه الطبي؛ و إذا توقف عن العلاج أو عاد لتعاطي المواد غير المشروعة، فستُعلّق الدفعات، ويُدخل قسرًا إلى مركز تأهيل متخصص لتلقي رعاية مكثفة، مع وقف الصرف حتى خروجه.
كاد هارولد أن يلفظ هذه الكلمات بصعوبة، وقد تقطعت أنفاسه بفعل السعال القاسي أشار بضعف نحو الطبيب طالبًا الماء، فقدم له الطبيب كأسًا على عجل، تجرعها هارولد حتى الثمالة، قبل أن يزفر في إنهاكٍ تام. عندها فقط عاد للحديث مجددًا، وصوته يخرج بحشرجةٍ متهدجة:
“و إلى وينستون .. ابني الأصغر الحبيب.”
كان هو الابن الذي حظي بمكانةٍ أثيرة في قلبه، والأكثر شبهًا به من بين الجميع. فمن بين أبنائه كافة، كان “وينستون” هو الاستثناء الأبرز؛ والوحيد الذي ورث ذات السمات الجينية التي يحملها “هارولد” نفسه و بينما كان يتخيل تلك العينين البنفسجيتين الثاقبتين، المتطابقتين تمامًا مع عينيه، ارتعش صوته ارتعاشةً طفيفة للغاية وهو يكمل:
“لأجلك، أتركُ…”
—
“يو-جين سيعود.”
في اللحظة التي شاع فيها الخبر، انغمس منزل “كامبل” في فوضى عارمة “الليدي كاثرين”، التي كانت تميل بطبعها لنوبات الإغماء، فقدت وعيها لثلاثٍ وثلاثين ثانيةً بالتمام والكمال.
أما زوجها “جورج”، الذي كان يروح ويجيء بمنديله ليخفف عنها، فقد جاهد بصعوبة لكبح سيلٍ من الشتائم كان يوشك أن ينفجر من بين شفتيه، ليكتفي في النهاية بزمجرةٍ مكتومة: “سحقًا!”
أما “كاميليا كامبل”، التي عُرفت دائمًا برباطة جأشها وعمليتها الباردة، فقد ظلت منتصبة القوام، تحافظ على قناعٍ من الهدوء الزائف. لكن في قرارة نفسها، تمنت لو كان بإمكانها الانهيار ببساطة مثل ابنتها الهشة؛ فقد كان هذا الخبر كفيلًا بإفساد مزاجها تمامًا وتدمير سلامها النفسي.
على مقربةٍ من تلك الجلبة، جلست الابنة المراهقة جورجينا ترتشف شايها باهتمامٍ بالغ، وهي تراقب الكبار وهم ينهارون أمام عينيها. وكما كان متوقعًا، كان عمها الأكبر غوردون أول من كسر الصمت، رافعًا عقيرته بالصراخ كما هي عادته في مثل هذه اللحظات:
“لماذا، بحق الجحيم، يقرر ذلك الفتى الجانح العودة إلى هنا؟ بعد أن لوّث سمعة العائلة، هل يجرؤ الآن على الزحف عائدًا إلينا؟”
ومن فوق الأريكة، وبيدٍ لا تزال تضغط على جبهتها في تعبيرٍ درامي عن الضيق، أضافت الليدي كاثرين تعقيبها المرير:
“ذلك المخلوق كان وصمة عارٍ منذ اللحظة التي وُجد فيها.”
في الحقيقة، كان العار الحقيقي يكمن في جدهم، الذي قرر في خريف عمره أن يتخذ شابًا آسيويًا يصغره بسنواتٍ طوال عشيقًا له.
احتفظت جورجينا بهذه الفكرة الحكيمة لنفسها، واكتفت برشفةٍ أخرى من شايها. لقد مرت سنوات منذ آخر مرة سمعت فيها اسم يوجين ، هل مرت خمس سنوات على رحيله؟ أم ست؟ لم تكن متيقنة تمامًا. بالنسبة لها، لم يكن يمثل أكثر من “ذلك الرجل الغريب الذي سكن بيت الضيافة”. و في مرحلةٍ ما، حين نضجت بما يكفي لتدرك الأمور، قيل لها إنه مجرد قريبٍ بعيد. لكن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن أحدًا في هذه العائلة لم يعتبره يومًا واحدًا منهم.
حتى ادعاء كونه قريبًا بعيدًا لم يكن سوى كذبةٍ ملائمة حاكها “هارولد كامبل” بدهاء ليحفظ ماء وجهه. الحقيقة كانت أكثر فضائحية بكثير؛ يوجين كان العشيق المتخفي لـهارولد كامبل .
منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماه القصر، كان حضوره ثقيلًا وغير مرحب به، وعندما رحل أخيرًا، احتفلت العائلة بأكملها بمغادرته وكأنه نصرٌ مؤزر طال انتظاره.
والآن، ها هو يعود.
وبالطبع، لم يكن أحدٌ سعيدًا بذلك فبعد أن تخلصوا أخيرًا من ذلك الحثالة ، كيف يجرؤ على الظهور مجددًا؟ كان كل شخص في الغرفة يتجرع ذات الكأس من الاشمئزاز.
أما جورجينا ، فقد تظاهرت باللامبالاة وهي تواصل احتساء شايها بهدوء، بينما كانت تراقب بفتور كيف يغلي الحقد في صدور الكبار وحتى أمام ابنته المراهقة، لم يعد جورج قادرًا على لجم غضبه العارم.
—
يُـتبع …
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!