«سأغَادِرٌ فِي خِلَالِ خَمْسِ دَقَائِقَ تَمَاماً، لِذَلِكَ إِذَا كُنْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَاهْتَمَّ بِالْأَمْرِ. وَأَنَا أَكْرَهُ تِلْكَ الْمَلَابِسَ الْقَبِيحَةَ. ارْتَدِ مَلَابِسَكَ مَعَ أَفْضَلِ مَا لَدَيْكَ».
تكلم قَيْصَرُ، الَّذِي نَظَرَ إِلَى جَسَدِ لِي وُون بِالْكَامِلِ بِعَدَمِ رِضاً، فَتَحَ الْبَابَ وَغَادَرَ.
«سَأَذْهَبُ فِي خِلَالِ خَمْسِ دَقَائِقَ تَمَاماً».
وَلِإِثْبَاتِ كَلِمَاتِهِ، وَأَمَامَ رُؤْيَتِهِ يَذْهَبُ مُبَاشَرَةً إِلَى السَّيَّارَةِ الَّتِي كَانَ يَأْمُلُهَا، كَتَمَ لِي وُون الْكَلِمَاتِ السَّيِّئَةَ وَرَكَضَ أَعْلَى الدَّرَجِ.
بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ تَمَاماً، تَوَقَّفَ لِي وُون الَّذِي تَمَكَّنَ مِنَ الرُّكُوبِ فِي السَّيَّارَةِ الَّتِي بَدَأَ مُحَرِّكُهَا بِالْعَمَلِ. تَوَجَّهَ إِلَى مَطْعَمٍ كَبِيرٍ فِي الْمَدِينَةِ. لَقَدْ رَأَى الْمَبْنَى عِدَّةَ مَرَّاتٍ عِنْدَمَا كَانَ يَمُرُّ بِهِ، لَكِنَّهَا كَانَتِ الْمَرَّةَ أُولَى الَّتِي يَعْرِفُ فِيهَا أَنَّهُ مَطْعَمٌ. يُمْكِنُكَ غَالِباً الْعُثُورُ عَلَى مَبَانٍ وَمُنْشَآتٍ وَأَجْسَامٍ عِمْلَاقَةٍ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ فِي رُوسْيَا، الَّتِي تَمْتَلِكُ عَقْلِيَّةَ “الْأَكْبَرُ هُوَ الْأَفْضَلُ”، لَكِنَّهَا كَانَتِ الْمَرَّةَ أُولَى لِمَطْعَمٍ بِهَذَا الْحَجْمِ الْكَبِيرِ.
«أَهْلاً بِكَ، أَيُّهَا الْقَيْصَرُ».
الرَّجُلُ الَّذِي انْحَنَى بِأَدَبٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ مُدِيرُ الْمَطْعَمِ. كَانَ مِنَ الْمُثِيرِ لِلدَّهْشَةِ أَنَّهُ اقْتَرَبَ مِنَ الْمَدْخَلِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَقْعَدِهِ، لَكِنَّ تَصَرُّفَ قَيْصَرُ كَانَ كَمَا لَوْ كَانَ طَبِيعِيّاً لِلْغَايَةِ أَنَّهُمْ سَيُرْشِدُونَهُ وَيَتَحَرَّكُونَ مَعاً بِنَاءً عَلَى تَوْجِيهَاتِهِ.
بِالطَّبْأَنَّ نَفْسَهُ، إِذَا خَرَجْتَ مِنْ عَالَمِ الْمَافْيَا الْعِمْلَاقِ، فَسَتَكُونُ عَالِقاً عَلَى بُحَيْرَةٍ سَمِيكَةٍ مِنَ الْجَلِيدِ فِي بَرْدِ الشِّتَاءِ وَسَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ الِانْتِظَارُ حَتَّى يَصِلَ الرَّبِيعُ.
أَشَارَ الْمُدِيرُ إِلَى الطَّاوِلَةِ مَعَ ابْتِسَامَةٍ وُدِّيَّةٍ نَحْوَ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يُفَكِّرُ بِسُخْرِيَّةٍ فِي قَلْبِهِ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ جَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الَّذِي سَحَبَهُ الْمُوَظَّفُ، اخْتَفَى الْمُدِيرُ الَّذِي قَدَّمَ كِتَابَ الْقَائِمَةِ مَعَ الْمُوَظَّفِ.
دَاخِلَ الْمَطْعَمِ، الَّذِي كَانَ كَبِيراً كَمَا يَبْدُو مِنَ الْخَارِجِ، كَانَ الْعَدِيدُ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ جَاءُوا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِطَعَامِهِمْ يَجْلِسُونَ عَلَى طَاوِلَاتٍ مُمْتَلِئَةٍ. كَانَ الرَّقْمُ الْمَكْتُوبُ بِجَانِبِ الْقَائِمَةِ يُعَادِلُ الْفَوَاتِيرَ الشَّهْرِيَّةَ لِمَعِيشَةِ لِي وُون، لَكِنْ بِالْنسبَةِ لِلْأَشْخَاصِ الْمُجْتَمِعِينَ هُنَا، لَمْ يَكُنْ سِوَى رَقْمٍ لِوَجْبَةِ طَعَامٍ.
نَظَرَ لِي وُون إِلَى الْقَامَةِ الْمَأْلُوفَةِ لِقَيْصَرُ وَهُوَ يَخْتَارُ النَّبِيذَ قَبْلَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، اقْتَرَبَ الْمُوَظَّفُ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ جَانِباً بِسُرْعَةٍ وَانْحَنَى بِجَسَدِهِ. قَيْصَرُ، الَّذِي طَلَبَ نَبِيذَ “بِتْرُوس” مِنْ عَامِ 82، نَظَرَ إِلَى لِي وُون كَمَا لَوْ كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ رَأْيِهِ. لَمْ يَفْعَلْ لِي وُون سِوَى أَنْ عَقَدَ حَاجِبَيْهِ قَلِيلاً.
فِي الْوَاقِعِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ أَنَّهُ شَرِبَ نَبِيذاً بِبِضْعَةِ آلَافٍ مِنَ الرُّوبِلَاتِ أَوْ مَاءً نَقِيّاً لَمْ تَكُنْ تَعْنِي فَرْقاً كَبِيراً بِالْنسبَةِ لَهُ. كَانَ الشَّيْءُ الْمُهِمُّ الْآنَ هُوَ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي يَمْتَلِكُهَا الرَّجُلُ. مَاذَا بِحَقِّ الْجَحِيمِ يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الظَّرْفِ؟ كَانَ فُضُولِيّاً، لَكِنْ بَعْدَ تَرْكِ مِعْطَفِهِ عِنْدَ مَدْخَلِ الْمَطْعَمِ، اسْتَدَارَ وَاكْتَشَفَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ فِي يَدِ قَيْصَرُ. كَانَ لِي وُون مُتَوَتِّراً لِلْغَايَةِ، لَكِنَّهُ قَرَّرَ الِانْتِظَارَ وَرُؤْيَةَ مَا سَيَحْدُثُ.
«إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُهِمّاً، فَسَأَقْطَعُ الشِّرْيَانَ السُّبَاتِيَّ».
عِنْدَمَا نَظَرَ إِلَى السِّكِّينِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ.
«النَّبِيذُ الْجُورْجِيُّ جَيِّدٌ، لَكِنَّنِي أُفَضِّلُ النَّبِيذَ الْفَرَنْسِيَّ».
كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ فِيمَا يُفَكِّرُ، نَظَرَ قَيْصَرُ إِلَى لِي وُون. أَجَابَ لِي وُون بِوَجْهٍ عَابِسٍ: «لَا أَعْرِفُ الْكَثِيرَ عَنِ النَّبِيذِ».
«كَانَتْ هُنَاكَ نَظَرِيَّةٌ تَقُولُ إِنَّ النَّبِيذَ الْجُورْجِيَّ كَانَ أَوَّلَ نَبِيذٍ فِي الْعَالَمِ، مَا رَأْيُكَ؟». عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ.
«هَلْ يَتَغَيَّرُ الطَّعْمُ إِذَا كُنْتَ تَعْرِفُهُ وَتَتَنَاوَلُهُ؟» قَالَ قَيْصَرُ بِحَمَاسٍ.
«لِأَنَّ تَنَوُّعَ الْحَوَاسِّ يَتَنَاسَبُ طَرْدِيّاً مَعَ حَجْمِ الْمَعْرِفَةِ. كُلَّمَا عَرَفْتَ أَكْثَرَ، كُلَّمَا أَصْبَحْتَ أَكْثَرَ حَسَاسِيَّةً».
كَانَ هَذَا أَشْبَهَ بِهَذَيَانٍ لَا مَعْنَى لَهُ. كَانَتْ حَيَاةُ لِي وُون جَيِّدَةً دُونَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْأَشْيَاءِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَنْ يُخْرِجَ الظَّرْفَ عَلَى الْفَوْرِ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَاصَلَ قَيْصَرُ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيذِ كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ نَسِيَ تَمَاماً السَّبَبَ الَّذِي جَعَلَهُ يُحْضِرُ لِي وُون إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.
«إِذَا شَرِبْتَهُمَا جَنْباً إِلَى جَنْبٍ، فَيُمْكِنُكَ بِالتَّأْكِيدِ الشُّعُورُ بِالْفَرْقِ فِي النَّكْهَةِ. أَلَيْسَ لِلنَّبِيذِ شَخْصِيَّتُهُ الْخَاصَّةُ؟ النَّبِيذُ الْفَرَنْسِيُّ أَنِيقٌ لَكِنَّهُ مُتَطَلِّبٌ. النَّبِيذُ الْأَمْرِيكِيُّ قَاسٍ لَكِنَّهُ قَوِيٌّ. مَاذَا عَنِ النَّبِيذِ الْجُورْجِيِّ؟ فِي الْبِدَايَةِ، يَكُونُ بَسِيطاً وَصَلْباً كَعَذْرَاءَ عَنِيدَةٍ، لَكِنْ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَعْتَادَ عَلَيْهِ، يَكُونُ كَشَيْءٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِبْدَالُهُ».
فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَمَاماً، عَادَ الْمُوَظَّفُ مَعَ نَبِيذِ “بِتْرُوس”. رَاجَعَ قَيْصَرُ الْمُلْصَقَ وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بَعْدَ تَذَوُّقٍ خَفِيفٍ. وَعِنْدَمَا مُنِحَ الْإِذْنُ، صَبَّ الْمُوَظَّفُ النَّبِيذَ فِي كَأْسِ لِي وُون ثُمَّ تَرَاجَعَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ قَيْصَرُ، وَهُوَ يَرْفَعُ كَأْسَهُ قَلِيلاً كَمَا لَوْ كَانَ يَنْخَبُ:
«اسْتَمْتِعْ. الطَّهْيُ أَيْضاً هُوَ فَنٌّ».
يَبْدُو أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْفَنَّ كَانَ حِكْراً عَلَى الْبُرْجُوَازِيَّةِ.
مُفَكِّراً فِي قَلْبِهِ، أَخَذَ لِي وُون النَّبِيذَ إِلَى فَمِهِ فِي صَمْتٍ.
«لِلْأَسَفِ، السَّيَّارَاتُ الرِّيَاضِيَّةُ بِلَا فَائِدَةٍ فِي رُوسْيَا. مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ تَتَسَاقَطُ الثُّلُوجُ وَتَهُبُّ رِيَاحٌ قَوِيَّةٌ، وَمِنَ الصَّعْبِ لِلْغَايَةِ السَّيْرُ دُونَ سَقْفٍ. لَكِنَّنِي لَا أَزَالُ أَشْتَرِيهَا. حَتَّى إِنَّنِي قُمْتُ بِتَوْسِيعِ الْمَرْأَبِ مِنْ أَجْلِ سَيَّارَةٍ لَنْ أُسَافِرَ بِهَا».
“حَسَناً، هَيَّا، أَعْطِنِي الظَّرْفَ!”.
كَمَا شَعَرَ مِنْ قَبْلُ، كَانَ رَجُلاً يَضَعُ الصَّبْرَ قَيْدَ الِاخْتِبَارِ. خِلَالَ سَاعَةِ الطَّعَامِ، لَمْ يَتَحَدَّثْ قَيْصَرُ أَبَداً عَنِ الصُّحُفِ. كَانَ النَّبِيذُ مُجَرَّدُ الْبِدَايَةِ. بَعْدَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ كُرَةِ الْقَدَمِ إِلَى الْحَدِيثِ عَنِ التُّرَاثِ وَالْكَاتِبِ الَّذِي فَازَ مُؤَخَّراً بِجَائِزَةِ نُوبِلَ، جَاءَ الْآنَ دَوْرُ تَارِيخِ سَيَّارَةٍ فَارِقَةٍ يَجِبُ أَنْ تَرَاهَا مَرَّةً فِي الْعَيْنِ.
بِالْكَادِ قَاوَمَ لِي وُون الرَّغْبَةَ فِي إِمْسَاكِ طَرَفِ الْمِنْدِيلِ وَتَلْوِيحِ السِّكِّينِ بِعُنْفٍ نَحْوَ قَيْصَرُ. وَاسْتَمَرَّتْ عَيْنَاهُ فِي التَّجَوُّلِ حَوْلَ قَيْصَرُ. أَيْنَ وَضَعَهُ بِحَقِّ الْجَحِيمِ؟ أَلْقَى لِي وُون ثَنَاءَهُ عَلَى سَيَّارَةِ قَيْصَرُ الْأُورُوبِّيَّةِ مِنْ أُذُنٍ وَاحِدَةٍ وَكَافَحَ لِكَبْحِ جِمَاحِ نَفْسِهِ، حَيْثُ كَانَ يُرِيدُ إِمْسَاكَ الظَّرْفِ عَلَى الْفَوْرِ.
عِنْدَمَا تَحَدَّثَ عَنْ كُرَةِ الْقَدَمِ بَعْدَ النَّبِيذِ، تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهُ وَاصَلَ التَّقَدُّمَ. كَانَ ذَلِكَ أَيْضاً لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنَ اللَّبَاقَةِ الرَّدُّ عَلَى مُحَادَثَةٍ حَتَّى نُقْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، بِمَا أَنَّهُ قَبِلَ وَجْبَةَ طَعَامٍ. لَكِنَّهُ الْآنَ شَعَرَ بِالْمَلَلِ. قَرَّرَ لِي وُون، الَّذِي وَصَلَ إِلَى ذُرْوَةِ صَبْرِهِ، أَلَّا يَتَحَمَّلَ قَيْصَرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِذَا طَرَحَ مَوْضُوعاً جَدِيداً وَأَجَّلَ الْأَمْرَ.
«الْحَلْوَى».
ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ قَدِ انْتَهَى، لَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئاً. لِلْأَسَفِ، كَانَتِ الْقَائِمَةُ الْخَاصَّةُ فِي الْمَطْعَمِ، الْحَلْوَى، تَتَكَوَّنُ مِنْ خَمْسَةِ أَطْبَاقٍ فَقَطْ. وَعِنْدَمَا قُدِّمَتِ الْحَلْوَى أُولَى، وَهِيَ الْمُثَلَّجَاتُ، فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ.
«أَصْلُ الْمُثَلَّجَاتِ هُوَ…»
فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، قَفَزَ لِي وُون مِنْ مَكَانِهِ. سَقَطَ الْمِنْدِيلُ الَّذِي كَانَ فِي حِجْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ، لَكِنَّهُ تَجَاهَلَهُ. وَبِالْنسبَةِ لِقَيْصَرُ، الَّذِي تَوَقَّفَ عَنِ الْكَلَامِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ، تَحَدَّثَ لِي وُون بِصَوْتٍ بَارِدٍ:
«إِذَا لَمْ تُعْطِنِي الْأَوْرَاقَ، فَلَا يُوجَدُ سَبَبٌ لِقَضَاءِ الْوَقْتِ مَعَكَ هَكَذَا».
وَعِنْدَمَا كَانَ عَلَى وَشْكِ الْعَوْدَةِ إِلَى قَرَارِهِ الْأَصْلِيِّ، اقْتَرَبَ الْمُوَظَّفُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ عَلَى الْفَوْرِ وَمَدَّ ظَرْفاً نَحْوَ قَيْصَرُ. وَبَيْنَمَا تَوَقَّفَ لِي وُون وَنَظَرَ، أَخَذَ قَيْصَرُ الظَّرْفَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهِ.
«هَا هُوَ ذَا».
عِنْدَمَا مَدَّ لِي وُون يَدَهُ عَبْرَ الطَّاوِلَةِ وَحَاوَلَ انْتِزَاعَهُ، سَحَبَ قَيْصَرُ ذِرَاعَهُ بِبَسَاطَةٍ وَجَعَلَ مُحَاوَلَتَهُ بِلَا فَائِدَةٍ.
«لَيْسَ مَجَّاناً».
أَلَمْ تَكُنِ الْعَذَابَاتُ الَّتِي مَرَرْتَ بِهَا حَتَّى الْآنَ كَافِيَةً؟ عِنْدَمَا رَفَعَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ قَيْصَرُ:
«إِذَا قَبَّلْتَنِي، فَسَأُعْطِيكَ إِيَّاهُ».
خِلَالَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ الْأَكْثَرَ ازْدِحَاماً، كَانَ الْمَطْعَمُ الشَّهِيرُ مَلِيئاً بِالرُّوَّادِ وَالْمُوَظَّفِينَ. كَانَ هُنَاكَ أَيْضاً الْعَدِيدُ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَتَجَسَّسُونَ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي أَجْوَاءَ غَرِيبَةٍ. مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟ ضَيَّقَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ.
لَمْ يَتَرَدَّدْ لِي وُون.
وَاقِفاً مَعَ الطَّاوِلَةِ فِي الْوَسَطِ، انْحَنَى لِي وُون نَحْوَ الْخَلْفِ وَضَغَطَ شَفَتَيْهِ ضِدَّ شَفَتَيْ قَيْصَرُ. الشِّفَاهُ النَّاعِمَةُ وَالْمَرِنَةُ أَرَادَتْ لَمْسَ شَفَتَيْ قَيْصَرُ الْمُهَنْدَمَتَيْنِ بَعِنَايَةٍ، ثُمَّ ضَغَطَتْ عَلَيْهِمَا بِرِفْقٍ.
دُونَ قَصْدٍ، أَغْلَقَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ. وَعِنْدَمَا أَطْلَقَ زَفِيراً أَشْبَهَ بِالتَّنَهُّدِ، أَمْسَكَتْ يَدُ لِي وُون بِالظَّرْفِ الَّذِي كَانَ قَيْصَرُ يُمْسِكُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَزِعُهُ. وَانْتَهَتِ الْقُبْلَةُ.
نَهَضَ لِي وُون بِحَمَاسٍ وَنَظَرَ إِلَى قَيْصَرُ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ لَمْ يَكُنْ يَخْتَلِفُ عَنْ عَادَتِهِ: «إِذَنْ لِنَتَوَقَّفْ».
بَعْدَ تَوْدِيعٍ قَصِيرٍ، اسْتَدَارَ عَلَى الْفَوْرِ وَغَادَرَ الْمَطْعَمَ. كُلُّ مَا تَبَقَّى كَانَ قَيْصَرُ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِدَهْشَةٍ. ظَهَرَتِ ابْتِسَامَةٌ بِبُطْءٍ عَلَى شَفَتَيْ قَيْصَرُ، الَّذِي نَظَرَ فِي صَمْتٍ إِلَى ظَهْرِ لِي وُون.
اقْتَرَبَ الْمُوَظَّفُ بِتَرَدُّدٍ وَحَذَرٍ، وَأَزَاحَ الْوِعَاءَ الْفَارِغَ وَوَضَعَ الْحَلْوَى التَّالِيَةَ أَمَامَ قَيْصَرُ. وُضِعَتْ جِلَاتِين لَذِيذَةٌ مَنْقُوعَةٌ فِي النَّبِيذِ أَمَامَهُ. دُونَ لَمْسِ الْحَلْوَى، أَخْرَجَ قَيْصَرُ سِيجَاراً مِنْ دَاخِلِ سُتْرَتِهِ وَأَشْعَلَهُ. تَغَلْغَلَ الدُّخَانُ الْمُتَصَاعِدُ عَمِيقاً فِي رِئَتَيْهِ.
«هَذَا أَيْضاً مُ مْتِعٌ».
بَقِيَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ كَانَتْ أَكْثَرَ رِضاً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى بَيْنَمَا نَفَثَ الدُّخَانَ بِهُدُوءٍ.
«يَا إِلَهِي، هَذَا أَمْرٌ لَا يُصَدَّقُ حَقّاً!».
بِمُجَرَّدِ مُغَادَرَتِهِ قَاعَةَ الْمَحْكَمَةِ بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ، صَرَخَ نِيكُولَاي بِإِثَارَةٍ. بِالْنسبَةِ لِمَنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ الْفَشَلَ مَعَ نَذِيرِ هَزِيمَةٍ مُطْلَقَةٍ، كَانَ حُكْمُ الْيَوْمِ قَرِيباً جِدّاً مِنَ الْمُعْجِزَةِ. ابْتَسَمَ لِي وُون فِي وَجْهِهِ وَحَذَّرَهُ مِنْ أَنْ يَهْدَأَ، لَكِنَّ شُعُوراً مُعَقَّداً بَقِيَ فِي دَاخِلِهِ.
كَانَتِ الْوَثَائِقُ الَّتِي قَدَّمَهَا قَيْصَرُ مُذْهِلَةً. رَغْمَ أَنَّ الْأَمْرَ يَعُودُ إِلَى 10 سَنَوَاتٍ مَضَتْ، إِلَّا أَنَّ جْدَانُوف اسْتَخْدَمَ الطَّرِيقَةَ نَفْسَهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَرَاضِي وَمَبَانِي أَشْخَاصٍ آخَرِينَ. كَانَ دَلِيلُ الْخَطَأِ وَاضِحاً لِلْغَايَةِ. الشَّخْصُ الَّذِي أَنْشَأَ الْوَثَائِقَ الْمُزَوَّرَةَ، وَالْإِجْرَاءُ الَّذِي تَمَّتْ مُعَالَجَتُهُ فِي لَحْظَةٍ دُونَ أَيِّ شَكٍّ، وَحَتَّى الْعَائِلَةُ الَّتِي فَقَدَتْ حَيَاتَهَا فِي الْمَشَاكِلِ. كُلُّ الْأَدِلَّةِ كَانَتْ وَاضِحَةً. بِالطَّبْأَنَّ نَفْسَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ لَدَيْهِمْ كُلُّ هَذِهِ الْوَثَائِقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكَانُوا قَدْ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ. حَتَّى الْآنَ، بَعْدَ مُرُورِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، كَانَ مِنَ الصَّعْبِ التَّأَكُّدُ مِنَ الْفَوْزِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَتْ رُوسْيَا مَلَاذاً لِلْفَسَادِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ صَحِيحاً أَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِحَجْمِ ثَقْبِ الْإِبْرَةِ تَدَفَّقَ عَبْرَ النَّفَقِ الْعَمِيقِ وَالْأَكْثَرِ عُمْقاً.
«الْآنَ هِيَ الْبِدَايَةُ. كُنْ أَكْثَرَ قُوَّةً. سَتَكُونُ هُنَاكَ تَهْدِيدَاتٌ لَا يُمْكِنُ تَخَيُّلُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ».
«هَذَا جَيِّدٌ».
أَوْمَأَ نِيكُولَاي بِحَزْمٍ بِوَجْهٍ لَا يَزَالُ يَتَذَكَّرُ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، خَرَجَ جْدَانُوف مَعَ الْمُحَامِينَ. نَظَرَ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى نِيكُولَاي وَلِي وُون بِأَعْيُنٍ خَائِفَةٍ، وَسُرْعَانَ مَا اخْتَفَى عَنِ الْأَنْظَارِ بَيْنَمَا مَشَى فِي الْمَمَرِّ بِخُطُوَاتٍ مُتَسَارِعَةٍ.
«حَسَناً، إِذَنْ الْيَوْمَ…»
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!