فصل 16: الفصل السادس عشر

فصل 16: الفصل السادس عشر

شَعَرَ لي وون بشيءٍ من الشفقة على المظهر المُرهَق لزوجة نيكولاي، فوقف صامتًا يراقب نيكولاي وهو يُمسك بيدها. وعندما غادر الغرفة بعد أن هنّأه، بدا نيكولاي أكثر إنهاكًا من قبل… كأن التعب لا يرحل عنه أبدًا.

“سيدي…”

وضع لي وون يده على كتفه في محاولةٍ لمواساته ومنحه بعض القوة.

“سأتحرّى الأمر عن كثبٍ وأُقدّم شكوى. المحاكمة لا تزال جارية، ومثل هذا القرار يُعدّ إساءةً لاستعمال السلطة من قِبل أحد المشرّعين. نعم، هو يعلم ذلك… وغالبًا ما سيكون له صدى داخل هيئة المحلّفين.”

“حسنًا… نعم.”

كان صوت نيكولاي لا يزال واهنًا. وحين همّ لي وون بالكلام مجددًا، سبقه نيكولاي قائلًا:

“أفهم ما تقصده… وأعلم كم بذلتَ من جهدٍ طوال هذا الوقت. نعم، علينا أن نكون أقوياء. والآن، بعد أن جاء طفلٌ إلى هذا العالم، لا يمكنني أن أبقى هكذا. علينا أن نصمد… علينا أن ننتصر.”

ارتجف صوته قليلًا وهو يقول ذلك.

“الأمر… صعب.”

أغمض نيكولاي عينيه. تساءل لي وون إن كانت يداه الخشنتان ستبقيان قليلًا فوق عينيه المبللتين، لكنه لم يعرف كيف ينسحب من المكان. وقف عاجزًا عن الكلام، مكتفيًا بوضع يده على كتفه في صمت. كانت أصوات الخطى في الممرّ تتردّد ذهابًا وإيابًا، بينما ظلّ لي وون واقفًا يحدّق في يأس نيكولاي… غير قادرٍ على فعل أي شيء.

لا شيء على الإطلاق.

خيّم سكونٌ قاتل على الغرفة. كان لي وون جالسًا على السرير، بلا حراك… لساعاتٍ طويلة. مهما أعمل فكره، لم يكن هناك سوى طريقٍ واحد. وبعد أن أخذ نفسًا عميقًا، خطا خطوةً إلى الأمام قبل أن تتبدّد عزيمته.

اتجهت خطواته نحو سلّة المهملات، وقلبه يثقل كأنه يغرق. لم يجد خيارًا سوى أن يلتقط كيس القمامة ويبدأ في تقليبه، لكنّه عبس فجأة.

لقد تذكّر متأخرًا أن القمامة أُفرغت هذا الصباح.

تصلّب وجهه في الحال.

“تبًّا!”

ركل سلّة المهملات بعنف، وانطلق أنينٌ مكتوم من حلقه. أغمض عينيه وزفر زفرةً حارّة نحو السقف، ثم اتخذ قراره وبدأ يبحث من جديد. وبعد جهدٍ، عثر على بطاقة عملٍ بين كومة الملفات، فضغط الرقم بسرعة دون أن يتردّد.

خطر بباله لوهلة: ماذا لو كان الرقم لم يعد صالحًا؟ لكن لم يكن هناك وقت لمثل هذه الشكوك.

“مرحبًا، شكرًا لاتصالك. مكتب السكرتير.”

توقّف لحظة، ثم قال:

“أنا المحامي الذي التقيتم به قبل أيام. أودّ التحدّث مع السيد قيصر.”

بدا أن ليودميلا حبست أنفاسها للحظة، ثم استعادت صوتها وضغطت الزرّ على عجل. سمع لي وون نغمةً رتيبة، ثم صوت الانتظار.

“ماذا فعلت بالرقم الذي أعطيتُك إيّاه؟ لم أتوقّع أن تتصل بالمكتب.”

جاء صوت قيصر ساخرًا، بلا دهشةٍ حقيقية، وكأنه توقّع ذلك منذ البداية. لم يُجب لي وون، بل دخل مباشرةً في صلب الموضوع:

“سأتولّى القضية. لا يمكنكم ببساطة أن تقتلوا أحدًا… أو تدفعوه إلى الموت.”

شعر بضحكةٍ صامتة في الطرف الآخر. وبعد لحظةٍ قصيرة، قال قيصر:

“سأُرسل سيارة إلى منزلك غدًا.”

كان لي وون على وشك الاعتراض، لكن قيصر أضاف وكأنه يقرأ أفكاره:

“لا تقلق… الأمر قانوني.”

ثم أغلق الخط.

ظلّ لي وون ينظر إلى هاتفه لثوانٍ، قبل أن يطلق زفرةً مرتجفة. لم يعد أمامه خيار… لم يبقَ سوى التنفيذ.

لم يُحدّد قيصر ساعةً معيّنة. ولم يُحاول لي وون الاتصال مجددًا للسؤال؛ فلم يكن من طبع رجلٍ كقيصر أن ينسى أو يُغفل التفاصيل.

قد يتظاهر بالنسيان… لكن ذلك لن يكون إلا جزءًا من لعبته.

ورغم القلق الذي كان يترقّب ظهور السيارة في أي لحظة، لم يُرد لي وون إهدار وقته في مثل هذه الهواجس.

بعد أن أمضى الليل في المستشفى مع نيكولاي حتى الفجر، عاد ليأخذ قيلولةً قصيرة، ثم نزل الدرج كعادته. تناول إفطارًا سريعًا مع جدّته، ثم عاد إلى غرفته وانغمس في التحضير لمحاكمة نيكولاي. لم يكن يعلم ما الذي سيقدّمه له قيصر، لكن عليه أن يُعدّ كل شيء بإتقان.

وبينما كان منشغلًا بمراجعة السوابق القانونية والملفات، والتفكير في نتائج الجلسات السابقة، مرّ الوقت حتى حلّ الظهيرة.

“يا بني…”

لمسَت الجدّة كتفه بتردّد، فانتفض من تركيزه. التفت إليها بعينين متّسعتين، فابتسمت ابتسامةً باهتة.

“لقد وصل ضيف.”

“آه… نعم.”

أومأ برأسه، ثم نهض وارتدى معطفه ونزل إلى الطابق السفلي، حيث كان رجال قيصر بانتظاره.

“ألن تتناول الغداء؟”

قبل أن يُجيب، قال أحدهم:

“إنهم بانتظارك.”

كان صوته يحمل نفاد صبرٍ واضح. ابتسم لي وون لجدّته قائلًا:

“يجب أن أحترم الضيف… سأعود للعشاء.”

انحنى قليلًا مودّعًا، ثم استدار. غادر الرجلان بسرعةٍ وكأن عبئًا قد أزيح عن كاهلهما. صعد لي وون إلى السيارة المنتظرة دون أن يطرح أي سؤال.

انطلقت السيارة بسلاسة عبر الشوارع المزدحمة بالترام والسيارات.

يبدو أنه غفا قليلًا.

استيقظ لي وون على إحساس الفرامل. نظر من النافذة بوجهٍ شارد، فرأى المكان لأول مرة. غابةٌ كثيفة تحيط بالطريق من الجانبين، فخطر بباله فجأة أن هذا المكان ملكية خاصة.

فتح الخادم الباب فور توقّف السيارة.

“مرحبًا بك.”

رفع لي وون رأسه بعد التحية، فتجمّد للحظة. كان حجم القصر يفوق الخيال. بدا وكأنه قادرٌ على احتواء عدّة مبانٍ سكنية كاملة.

“من هنا، من فضلك.”

قاد الخادم الطريق، بينما وقف رجالٌ ببدلات سوداء على الجانبين. سار لي وون بصمتٍ نحو الباب الرئيسي، وسط نظراتٍ تلاحقه.

ساد صمتٌ خانق في المكان. وفجأة، شعر بشيءٍ غريب. كان قد عاش في روسيا لسنوات، حيث التوترات العرقية حادّة، لذا تعرّف غريزيًا على ذلك الشعور…

عداءٌ صريح.

وعند المدخل، التقى رجلًا يحرُسه. تبادل معه النظرات بثبات، ثم واصل السير. التوى فم الرجل بسخرية، وأصدر صوت إطلاقٍ بلسانه، مقلّدًا رصاصةً وهو يشير بأصابعه.

لكن لي وون مرّ بجانبه بوجهٍ هادئ، خالٍ من أي تعبير.

كانت الغرفة أشبه بدفيئةٍ زجاجية. الجدران والسقف من الزجاج، وضوء الشمس الشمالية يغمر المكان. الأثاث بسيط: أريكة وطاولة وساعة قديمة. أما الأرضية والجدران فكانت من ترابٍ وخشبٍ وعشب.

في وسط الغرفة، لفت نظره كرسيّ معلّق يشبه الشرنقة، يتدلّى من السقف بحبالٍ متينة. شكله البيضاوي، كبيضةٍ مقطوعة عموديًا، بدا مريحًا للوهلة الأولى.

وعندما لمح ساقين طويلتين تتدلّيان منه، تنحّى الخادم بصمت.

اقترب لي وون، فتوقّف الكرسيّ عن التأرجح تدريجيًا، واعتدل الجالس فيه.

“تفضّل، أيها المحامي.”

نظر قيصر إليه بابتسامةٍ هادئة، بينما انعكس ضوء الشمس على شعره الفضي.

“هل واجهتَ أي إزعاج في الطريق؟”

سأل قيصر، بعدما انتقلا إلى غرفةٍ أخرى وجلسا. ظهر الخادم مجددًا بصمت، ووضع أكواب الشاي أمامهما.

“أبدًا.”

أجاب لي وون بإيجاز. ارتشف قيصر الشاي، ثم عقد حاجبيه قليلًا دون أن يعلّق. ولم يفهم لي وون السبب إلا بعد مغادرة الخادم.

“كما توقّعت… لا أحد يُجاري شاي ليودميلا.”
(يلعن ام لودميلا )

اكتفى لي وون بهزّ رأسه بصمت. كان قيصر اليوم يرتدي ملابس مريحة، بعيدًا عن بدلته المعتادة، وحتى شعره الأشقر البلاتيني بدا غير مرتّب.

منظر رجلٍ قويٍّ في لحظة استرخاء نادرة.

فتح لي وون فمه أخيرًا وسأل:

“هل… هذا منزلك؟”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!