فصل 17

فصل 17

خرج راما من مركز الشرطة مرتدياً قميصاً داخلياً للشرطة، و شعره مصفف إلى الخلف كعادته، متوجهاً نحو السوق القريب. كانت الصفوف من المتاجر على جانبي الزقاق الضيق مكتظة بالتجار، غير أن وجهته الحقيقية كانت مقهى يقع عند الزاوية.

عند دخوله، رأى طاولات و كراسي دائرية قليلة، المكان كان بسيطاً ذو طابق واحد. اختار راما الطاولة الأبعد ليتجنب المقاطعة، و لكن شخصاً ما جلس أمامه دون استئذان، مما اضطره إلى رفع رأسه بنفاد صبر، و قد أبدى استياءه الشديد من الوقاحة. و حين رأى من يكون، تجاهله تماماً دون نية للتحية أو الحديث. عاد إلى مطالعة صحيفته، تاركاً الآخر في حالة من الحرج حتى لم يعد يتحمل الصمت.

“لا تزال متعجرفاً كما عهدتك، أيها القائد. اختفيت طويلاً حتى ظننتُ أن قطاع الطرق في الجنوب قد قتلوك” قالها بصوت ينضح بالتهكم.

” لا تتذاكى عليّ، كلاوُ ” أجابه راما.
” و ماذا ستفعل بي؟ ” تحداه كلاوُ، و كأنه يستفزه عمداً، كما كان يفعل حين كان “أعز أصدقائه”.

” يبدو أن رصاصة ذلك اليوم شُفيت، و الآن تتوق لأخرى ” رد راما ببرود.

” دائماً نفس الشيء، تطلق النار و انتهى! ما زلت غاضباً! ماذا لو متُّ حقاً حينها؟ ” قال كلاوُ بانفعال.

” موتك شأنك، لا شأني ” أجابه راما بلهجة قاسية.

” تباً لك، لا أجد كلمات لسبّك ” تمتم كلاوُ، غير أن برود راما لم يثر غضبه بحق، بل كأنه يتظاهر بذلك.

” أنت من أمرني بإطلاق النار، فَلِمَ تتذمر الآن؟ ” رد عليه راما.

” لم أتوقع أن تفعلها فعلاً! ” اعترف كلاوُ.

كانت الرصاصة قد أصابت نقطة حرجة. كان كلاوُ على شفا الموت، لولا سحر راما الذي أبقاه حياً حتى وصل إلى المستشفى.

مع ذلك، ظل فاقداً للوعي أياماً، بل أسابيع. و حين أفاق، اعتقله راما بتهمة السرقة، ليُحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، لكنه أُفرج عنه بعد عام بفضل عفو ملكي. أما معسكر “تايغر إيب”، فقد دُمّر تماماً.

من استسلم أُودِع السجن، و من قاوم قُتِل على يد راما بلا رحمة. و هكذا انتهت أسطورة سيد اللصوص العظيم، و قُصّت كأنها مأساة نمر عجوز قُتل على يد شرطي شاب خبير بالسحر. و منذ ذلك الحين، خشيه قطاع الطرق في المنطقة كلها، خوفاً لا يزال قائماً حتى اليوم.

بفضل راما، بدأ كلاوُ حياة جديدة كصاحب مقهى. لكنه صرّح بوضوح: راما لم يساعده بدافع الرحمة، بل كان هناك سبب خفي وراء أفعاله.

” و مَن هذا؟ ” سأل راما، وهو يطوي صحيفته و يشير برأسه إلى رجل غريب يُحضِّر الشاي أمام المقهى.

” زوجي. أليس رائعاً؟ تعرّفت عليه في السجن ” أجاب كلاوُ مبتسماً بفخر و هو يتحدث عن شريكه، و كأن الحب نفسه أمر لا يُصدق ” أنا أوفّر المال حالياً. هو من “كراو”، و أريد إنجاب الكثير من الأطفال. الحياة ستكون أطيب من ذي قبل ” قالها بشوق لحياة أسرية تُنقذه من الوحدة التي لازمته دوماً.

” ها ” زفر راما بسخرية.

” ما هذه النظرة؟ ” سأله كلاوُ.

” لم أقل شيئاً ” أجاب راما متحاشياً، ملامحه جامدة، بينما الرجل المذكور جاء إليهما بكوب قهوة لم يطلباه.

” شكراً، حبيبي ” قال كلاوُ دون خجل، و جعل الرجل الرقيق الملامح يبتسم بخجل قبل أن ينصرف.

تبع كلاوُ شريكه بنظرة حالمة، مما أزعج راما.

” هل ستظل تحدق هكذا كأحمق؟ ” انفجر راما.

” لا تحسدني. ألم تكن أنت من قال إنه لا يريد أطفالاً و لا زوجاً؟ ” قال كلاوُ، مستفزاً ماضي راما.

” كان يجب أن أطلق عليك النار في رأسك أو أملأ فمك برصاصة لتتوقف عن الثرثرة ” رد راما.

” لا تطيق الحديث عن سعادتي، و مع ذلك أنت من أتى إليّ! ” قال كلاوُ سعيداً لأنه نجح في استفزازه، ثم انتقل إلى الموضوع الجاد:
” قل لي، أين يختبئ؟ ” قالها راما بجدية.

” كنت أعلم أنه لهذا السبب جئت ” قال كلاوُ، مدركاً أن راما يتحدث عن سوك، رغم أنه لم يذكر اسمه ” ما إن تصل، حتى تبحث عن طليقك؟ هل تريد إحياء الماضي؟”

” هل ستتوقف عن الاستفزاز؟ قل لي فقط إن كنت تعرف مكانه ” أصرّ راما.

” كيف لا أعرف؟ أنت من أمرتني بتعقبه.”

” …”

” رأيته قبل شهر. أخذ طفله إلى المستشفى المقابل للتطعيمات. الطفل بخير.”

” …”

” هذا الطفل، لا حاجة لأن أقول لك. إنه نسخة منك، كأنه مستنسخ. يؤسفني أنه خرج بوجهك ” سخر كلاوُ.

” و ما العيب في أن يشبهني؟ ” سأل راما.

” لا تكن غبياً. الطفل حتى لا يعرف أن له أباً آخر! ” قال كلاوُ.

” لا تطرح الكثير من الأسئلة. فقط دلّني على مكانه ” أمره راما، متجاهلاً التهكم، مدركاً تماماً ما يفعله دون رغبة في شرح أي شيء.

” قبل أن أقول لك، هل لي بسؤال؟ ” طلب كلاوُ.

” ماذا الآن؟ ” قال راما بنفاد صبر، لكنه رضخ ” تكلم بسرعة، ليس لدي وقت لمحادثات تافهة.”

” فقط أريد أن أفهم: لقد انتقمت. لماذا لا تتركه و شأنه؟ ” سأل كلاوُ ” إنه شخص طيب، و أم رائعة… ماذا لو تركته يعيش حياته؟ و كرّست وقتك لشيء آخر؟”
” … الانتقام كان جزءاً فقط. ما أفعله هو واجبي، واجب الشرطي: حفظ الأمن و تحقيق العدالة. قتل ‘إيب’ لم يحل كل شيء. لا يمكنني السماح للصوص أن يستمروا بسرقة الناس. الأمر لا يتعلق به وحده، لن أترك أي مجرم يفلت من القانون ” شرح راما.

” … معك حق ” اعترف كلاوُ، لكنه قلق على الطفل. إن قبضوا على سوك، فمن سيرعى الصغير؟ كان يعلم أن سوك بلا عائلة، مثلما كان هو في الماضي.
” أتخاف أن أقتله؟ ” سأل راما، مستشعراً أفكار كلاوُ، و توقع أنه يظنه سيعامل سوك كما يعامل المجرمين الآخرين.

” و هل ستفعل؟ ” سأل كلاوُ.

” لو كنت أريد قتله، لفعلت ذلك منذ زمن. لما سمحت له بالوصول إلى هذه المرحلة ” أجابه راما.

” إذن، لماذا لا…؟ لا بأس ” قال كلاوُ، و قد ازدادت شكوكه، لكنه أدرك أن الإلحاح لن يُجدي مع راما.

أخيراً، أخبره كلاوُ بمكان معسكر ‘تايغر بروينغ’. لم يكن بمقدوره الكتمان؛ فمنذ خروجه من السجن، كان راما يجبره على مراقبة سوك و إبلاغه بكل تحركاته. لم يفهم السبب، لكن الدَين الذي فرضه عليه راما جعله يلتزم بالأمر.

نظراً لصعوبة التضاريس الجبلية، عرض كلاوُ أن يرافقه كمرشد. سافرا على صهوة الجياد، و بعد نصف يوم، وصلا إلى منطقة اعتقد كلاوُ أنها مخبأ اللصوص.

” أنا متأكد أنه في الجوار. تعقبته مراراً، لكن لم أعثر على المدخل ” قال كلاوُ.

” ابق هنا و احرس الخيول ” أمره راما.

” ستدخل وحدك؟ ” سأله كلاوُ.

” نعم. إن لم تعثر على المدخل، فلا بد أن هناك تعويذة إخفاء. لا أعلم ما الأفخاخ السحرية بالداخل. الذهاب وحدي أسرع و أسهل ” شرح راما.

في الحقيقة، لم يرغب بوجود كلاوُ، الذي يفتقر لأي مهارات سحرية. كما أنه لم يسبق له أن واجه ‘تايغر بروينغ’، و لم يكن من النوع الذي يستهين بعدوه أو الظرف.

” اصمت، أحتاج إلى التركيز ” قال راما و هو يستدير.

ركّز ذهنه و وضع شمعاً سحرياً نادراً على عينيه ليُفعّل الرؤية الروحية، فاستطاع رؤية المدخل الخفي للقرية. كما توقع، كان القرويون يتعاونون مع اللصوص، و التعويذة مجرد طبقة دفاع إضافية. لهذا عجزت الشرطة عن العثور على المعسكر بسهولة.

تقدم راما بحذر، كأنه نمر يترصد فريسته. و على بُعد خطوات مما أشار إليه كلاوُ، وجد المدخل.

قيّم الوضع ثم استخدم تعويذة إخفاء ليتسلل بهدوء. لم يكن لديه ورقة ‘البيتيل’ كما علّمه أستاذه، فمزّق ورقة صنوبر كبيرة، لفّها و وضعها في أذنه اليمنى، و ركّز على تعويذة تقول:
“لا يروْني من حولي، لا يرَوْني حين أمر
بودّام بانجاكو، ما-أ-أو، لا يروا جسدي
دهامام بانجاكو، ما-أ-أو، لا يروا جسدي
سانجام بانجاكو، ما-أ-أو، لا يروا جسدي
خاتيسيت أَهَم بيتّانغ نا جانامي
تشورا تشوا تشوا بارايانتي”

نجحت التعويذة: أصبح جسده غير ملموس و لا مرئي، يتسلل كالنسيم، بلا هيئة و لا رائحة و لا صوت.

تفحّص راما المعسكر بهدوء. و وفقاً للتقارير، كان معسكر ‘تايغر بروينغ’ الأكبر في المنطقة الوسطى، يضم ما لا يقل عن مئة لص. لكن ما رآه كان قرية يسكنها خمسون شخصاً بالكاد، نصفهم نساء و أطفال. و كان عدد الرجال المسلحين قليلاً جداً، مما أثار شكوكه.

” يجب أن أُحمّـمك جيداً، أيها الصغير! هيا تعال! ” قالت صوتٌ مبتهج.

استدار راما. تجمّد جسده، و كاد يتوقف عن التنفس، حين رأى وجهاً صغيراً يطابق وجهه حين كان طفلاً، و كأن القدر رتّب لهما هذا اللقاء.

” لقد اتّسخْتَ من اللعب و تفوح منك رائحة كريهة! سنذهب للبيت و نبدّل ملابسك، و إلا ستغضب أمك مني!”

قال شاب نحيل، في أوائل العشرين، و هو يمسك بيد طفل صغير و يعبر به من أمام راما.

” أريد أمي. متى تعود أمي سوك؟ أشتاق لها. قالت إنها ستنام معي. هل يمكنك مناداتها؟ ” سأل الطفل.

” لا يزال أمامنا عدة أيام. بالكاد رحلت، و أنت تسأل عنها ” أجابه الشاب.

وجه الطفل و اسم سوك أكّدا لراما أن هذا ولده. تبعهم إلى بيت خشبي مرتفع. ‘فينيانغ’، الشاب الذي وثق به سوك للعناية بالرضيع في غيابه، حمم الصغير و غيّر ملابسه، ثم تركه يلعب وحده بينما أعدّ الطعام في الشرفة.

صرير خشب كأن أحداً يصعد بثقل، جعل ‘فينيانغ’ يستدير، لكنه لم يرَ شيئاً، فصرف النظر. في داخل الغرفة الصغيرة، كان الطفل ينظر بفضول إلى الأمام، قبل أن يتجلّى أمامه جسد راما.

” أين…؟”

” ششش… أغمض عينيك ” همس راما، جاثياً و قريباً من وجهه.

نفخ بلطف على رأسه، فغرق الطفل في نوم عميق. حمله، ضمّه إليه، ثم اختطفه من القرية بسهولة، بعد أن نشر غازاً منوّماً أفقد ‘فينيانغ’ الوعي، و كسب الوقت للفرار مع كلاوُ.
” ما الذي تفعله بحق الجحيم؟! ” سأل كلاوُ، مذهولاً حين رأى الطفل بين ذراعي راما.

” لا شأن لك. تحرّك ” أمره راما، حاملاً الطفل على كتفه بينما امتطى الحصان مسرعاً.
” الطفل لا ذنب له!! أعده إلى أمه ” صرخ كلاوُ، غير قادر على تجاهل ما رأى، و قد تأثر بوجه الصغير.
لم يكن يعلم ما ينوي فعله راما. ظنّ أنهما سيعثران على ‘تايغر بروينغ’، لا أن يختطفا طفلاً.

” أمه ستأتي لأجله، أيها الأحمق ” قال راما ببرود، منزعجاً من ضعف كلاوُ، متسائلاً كيف كان يوماً ما لصاً.

” ماذا تعني؟ ” سأل كلاوُ.

” سأستخدمه فقط لجذبه. اصمت و دلّني للخروج من هذة الغابة ” أمره راما، بوجه جامد و صوت صارم.

أغلق كلاوُ فمه و أطاع، مرتاحاً لمعرفة أن راما لا ينوي فصل الطفل عن والدته، كما خشي. لم يكن راما شخصاً طيباً، لكنه شعر بشفقة حقيقية حين رأى سوك مع ابنه بهذا القرب، بهذه المحبة… راما في المقابل، كان قاسياً، يستغل الطفل كأداة للضغط على حبيبه السابق… أو بالأصح، طليقه.”

” تنظر إليّ كأنني وحش ” قال راما، بابتسامة ساخرة، و هو يخلع سترته و يلف بها الطفل حتى لا يسقط من الحصان.

” أليس كذلك؟ أي شرطي يختطف طفلاً بريئاً؟ ذلك الطفل… أنت لم ترَ، لكنه يحب أمه كثيراً. تباً، سوك سيفقد عقله ” رد كلاوُ.

” فليظن العالم ما يشاء ” قال راما.

لم تكن مشاعر الآخرين تهمه. حتى إن اعتبره العالم شريراً لم يكترث. كان ولاؤه للواجب و العدالة فقط. لقد خان مبادئه حين ترك سوك يفلت سابقاً، لكن إصرار سوك على العودة للإجرام فرض عليه أن يحاكمه بيديه.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!