فصل 17: الفصل السابع عشر

فصل 17: الفصل السابع عشر

بِنبرةٍ هادئةٍ تُجاري لطف السؤال، أجاب قيصر بوجهٍ مسترخٍ:

“هل أعجبك المكان؟”

أجابه لي وون بصراحة: “سيكلّف تدفئته الكثير.”
(الفقير فقير 😒)

لمع في عيني قيصر بريقٌ غريب، وقال بابتسامةٍ كأنها تكتم ضحكة: “ليس وكأنني عاجز عن دفع التكاليف.”

“بالطبع.”

راقب لي وون وجه قيصر وهو يتحدّث بتلك اللامبالاة، فانتقل مباشرةً إلى صلب الموضوع:

“ماذا تنوي أن تفعل؟”

مدّ قيصر يده، وبدا مشدودًا للحظة، ثم عاد بها نحو صندوق السيجار.

“لا شيء مهم… مجرّد نزاعٍ بسيط على ممتلكات.”

وبينما كان يتكلّم، التقط سيجارًا فاخرًا. عقد لي وون حاجبيه، لكن قيصر واصل حديثه ببرودٍ وهو يتفحّص السيجار.

“هل تعرف اسم بيردياييف؟”

كان اسم العمدة السابق… الذي أصبح الآن جثةً باردة تحت التراب.

حدّق لي وون بغضبٍ في يدي قيصر الأنيقتين وهما تنتقيان السيجار بصمت. تجاهل قيصر نظراته، منشغلًا فقط بما في يده، وكأن الأمر لا يعنيه. شعر لي وون بالاشمئزاز من هذا السلوك، ولم يكن مستعدًا لتحمّله.

امتدّت يده فجأةً وأمسك بمعصم قيصر بقوّة. التفت قيصر إليه، والتقت أعينهما.

نظر إليه لي وون بعينين حادّتين وقال: “من حسن الأدب أن تنظر إلى من يحدّثك.”

لم يُجب قيصر. اكتفى بالوقوف أمامه في صمت. كانت قبضته الصلبة واضحة تحت يد لي وون، وعيناه الرماديتان، المؤطّرتان برموشٍ بلون شعره البلاتيني، بدتا أعمق من المعتاد.

انفرجت شفتاه قليلًا، كأنهما توشكان على قول شيءٍ… أو إغواءٍ صامت.

“عذرًا.”

قالها لي وون بابتسامةٍ خفيفة، ثم ترك يده وأعادها إلى جانبه. عندها توقّف قيصر عن ترتيب السيجار، وأغلق الصندوق.

“أنا أتحدّث عن تاجرٍ في السوق.”

“أعرف.”

أجاب لي وون بهدوء.

“وفاة العمدة… كانت مُريبة.”

التفت لي وون إليه بنظرةٍ باردة، فابتسم قيصر ابتسامةً خفيفة:

“الناس محكومٌ عليهم بالموت… بطريقةٍ أو بأخرى.”

كان ذلك صحيحًا… لكن السؤال كان: كيف؟

رفع لي وون حاجبيه بنظرة شك، ففتح قيصر فمه ببطء:

“من الخطأ الاعتقاد أن المافيا تفعل دائمًا أمورًا غير قانونية.”

لم يزُل شكّ لي وون، فتابع قيصر وهو يستند براحةٍ إلى الأريكة:

“كان لدى ذلك التاجر نساءٌ كثيرات… لكنه لم يتزوّج رسميًا. لا أبناء، لا عائلة… لا أحد على الإطلاق.”

ضيّق قيصر عينيه قليلًا:

“كل ما تبقّى هو ثروةٌ ضخمة… عقاراتٌ ونقود.”

فهم لي وون المغزى فورًا.

“إذًا… تريد الاستحواذ عليها؟”

“ولِمَ لا؟” ردّ قيصر.

“حتى لو لم أفعل، سيفعلها غيري.”

لم يعجب لي وون ذلك، لكنه كان يعلم أنه صحيح. كانت الشائعات تتحدّث عن تورّط مافياتٍ عدّة في صراعٍ على تلك الثروة.

سأل مجددًا: “وما علاقة هذا بقضيتي؟”

“لا علاقة مباشرة.”

ابتسم قيصر قليلًا، ثم أضاف:

“لكن الفساد… لا يُرتكب وحده.”

نظر إلى يديه الفارغتين، ثم أعاد بصره نحو صندوق السيجار وهزّ كتفيه:

“الذباب يأتي دائمًا في أسراب.”

فجأةً، اكتملت الصورة في ذهن لي وون. عقد حاجبيه وقال ببطء:

“العمدة… كان متورّطًا مع السيناتور زدانوف؟”

بدلًا من الإجابة، قال قيصر:

“الآن… تفهم لماذا عليك قبول هذا العمل؟”

ابتسم لي وون بصمت، لكن ملامحه كانت جادّة. إذا كان الأمر كذلك، فالمعنى واضح. كشف فساد زدانوف عبر هذه القضية سيشكّل ضربةً قاسية له. ومع الإعلام، قد يُجرّد من منصبه… بل ويُسجن.

وهذا… قد يضمن الفوز بقضية نيكولاي.

كان لي وون واثقًا: الفساد هو نقطة الضعف دائمًا.

راقب قيصر ردّ فعله، ثم تمتم لنفسه بابتسامة:

“هل تناول نمري طعامه؟”

عقد لي وون حاجبيه باستغراب، لكن قيصر لم يفسّر شيئًا.

“تعال… سأريك الغرفة.”

“غرفة؟”

تفاجأ لي وون، لكن قيصر واصل:

“لابد أن إيغور ترك بعض الوثائق المهمة هناك. والبقية في المكتبة. الغرفة المجاورة متصلة بمكتب الدراسة… يمكنك الاطلاع عليها في أي وقت.”

“لحظة.”

أوقفه لي وون بسرعة.

“لا أنوي البقاء في منزلك. أرسل الملفات إلى منزلي، وسأعمل عليها هناك وأتواصل معك.”

ظهرت على وجه قيصر دهشةٌ خفيفة، لكن لي وون أدرك فورًا أنها مزيّفة.

“هل تمزح؟ لو وضعت كل ذلك في منزلك الصغير، فلن تجد مكانًا للنوم.”

كانت نبرةٌ توحي بأنه يعرف منزله جيدًا. عبس لي وون فجأةً، وشعر بشكٍ يتسلّل إليه، لكن قيصر واصل الكلام:

“لا أصدّق أنك عشت سبع سنوات في مكانٍ كهذا. لماذا لا تنتقل؟ يمكنك الحصول على مكانٍ أفضل بالسعر نفسه.”

كان ذلك صحيحًا… لكن لدى لي وون سببًا.

“لأن لكل شقة حمّامها الخاص.”

ابتسم قيصر ساخرًا:

“بالطبع.”

معظم الشقق كانت تشترك في حمّاماتٍ عامة، وكان هذا السبب من بين أسباب بقائه، إلى جانب جدّته. لكنه لم يرغب في شرح ذلك.

“على أي حال… لا.”

قالها باقتضاب، فعبس قيصر باستغرابٍ حقيقي هذه المرة:

“لا؟”

كان معتادًا على الجدل بكل منطقٍ ممكن، لكنه وجد شيئًا لا يفهمه.

تذكّر لي وون فجأةً حادثةً قديمة، حين تجمّدت أنابيب المياه في المبنى، واضطرّ السكان لاستخدام حمّامٍ مشتركٍ واحد… والاصطفاف لساعات في البرد القارس.

تنفّس بعمق وهو يفكّر: الحمد لله أنه لم يتجمّد هذا العام.

ثم قال:

“سآتي إلى هنا يوميًا. هكذا يمكنني العمل على الملفات.”

“يوميًا؟”

كرّر قيصر الكلمة، فأومأ لي وون:

“أعمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً. سأحضر خلال هذا الوقت.”

ثم أضاف: “سأعود غدًا.”

بعد تحيّةٍ مقتضبة، نظر إليه قيصر وقال:

“لن أستطيع إحضارك كل يوم.”

أجابه لي وون بوجهٍ خالٍ من التعبير: “لا بأس… سأستقل القطار.”

تغيّرت ملامح قيصر قليلًا:

“للأسف، لا يوجد ترام يصل إلى باب منزلي. إن شئت… أبني لك محطة.”

“لا داعي… سأتدبّر الأمر.”

هزّ قيصر كتفيه وكأنه يقول: كما تشاء.

نظر إليه لي وون للحظة، ثم استدار وغادر الصالة فورًا. كان الخادم ينتظره خارج الباب، فسارع إلى اللحاق به.

وبمجرد أن أُغلق الباب…

أخرج قيصر سيجارًا من العلبة، وابتسم ابتسامةً خفيفة.

“يبدو أن الأمور بدأت تثير الاهتمام…”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!