فصل 18: الفصل الثامن عشر

فصل 18: الفصل الثامن عشر

في اليوم التالي، وبعد الساعة التاسعة بقليل، كان قيصر يغادر القصر حين أدرك فجأة معنى ما قصده لي وون.

وبينما كان على وشك الصعود إلى سيارته، اخترق أذنيه صوتُ محرّكٍ مزعجٍ لآلةٍ قديمة. توقّف، واستدار ليرى… درّاجةً ناريةً صغيرة تترنّح في طريقها. في لحظةٍ واحدة، التفتت جميع الأنظار نحوه.

وسط نظرات الرجال المثبّتة، كانت الدرّاجة تُصدر أنينًا مؤلمًا، كأنها على وشك الانهيار، لكنها رغم ذلك اندفعت بصعوبة حتى توقّفت أمام البوابة الرئيسية للقصر… تمامًا عند التاسعة.

وفي الصمت الخانق، خلع الرجل ذو البدلة الرخيصة خوذته.

تنفّس أحدهم بخفوت.

حدّق قيصر في لي وون، الذي نزل من الدرّاجة دون أن يقول كلمة.

“ما هذه الخردة …؟”

قالها قيصر بنظرةٍ مستنكرة.

أجابه لي وون بهدوء: “التاسعة تمامًا.”

ثم مرّ بجانبه وكأن شيئًا لم يحدث.

سار بخطى واثقة وسط التوتّر. ورغم العداء الواضح من الروس تجاه الغرباء، لم يُبدِ أي تردّد… ولا حتى أدنى ارتباك.

وعندما توقّف أمام الباب الرئيسي، كان الرجال الذين رمقوه بنظراتٍ شرسة قد بدأوا يفقدون صبرهم.

أدار لي وون رأسه نحو الخادم، وقال بهدوء: “هل يمكنك إرشادي؟”

تردّد الخادم، ونظر بين قيصر ولي وون، وكأنه لا يعلم ماذا يفعل، قبل أن يأتيه الأمر:

“خذه.”

“نعم، سيدي.”

أسرع الخادم نحو لي وون، فتح الباب وقاده إلى الداخل. أما قيصر، فظلّ واقفًا يراقب ظهره بصمت.

ثم… ارتسمت على وجهه ابتسامة.

كانت ابتسامةً خفيفة، لكنها كافية لتُجمّد أنفاس الحاضرين. لأول مرة، رأوا ملامحه القاسية تلين، وعينيه المريرتين تهدآن.

القيصر… يبتسم؟

تبادل الرجال نظرات الذهول، لكن قيصر كان قد استدار بالفعل وصعد إلى سيارته. انحنى أحدهم سريعًا، فتبعته بقية الرؤوس. غادرت السيارة بهدوء، تاركةً خلفها رجالًا شاحبي الوجوه، تتصبّب منهم العرق.

جلس قيصر في المقعد، غارقًا في التفكير. لم يمدّ يده نحو صندوق السيجار كما اعتاد، بل تمتم بهدوء:

“درّاجة… مزعجة.”

نظر السائق إليه عبر المرآة بدهشة، لكن قيصر لم يُضف شيئًا.

“مرحبًا.”

استقبل الخادم لي وون بأدب، الذي واصل الحضور إلى العمل يوميًا في الموعد نفسه.

وفي يومه الأول، أدرك لي وون أن ما قاله قيصر كان صحيحًا تمامًا. كانت الملفات هائلة… ولو نقلها إلى منزله، لما وجد حتى ممرًا ينام فيه.

ومع تقدّم التحقيق، تبيّن أن الرجل الميّت كان غارقًا في الفساد بقدر ثروته. لم يجد لي وون ما يقوله سوى أن الأمر مروّع… حتى إنه، للحظة، رأى أن الموت كان مستحقًا.

لكنّه سرعان ما دفن مشاعره، وانغمس في عمله ببرود.

كان قيصر يغادر يوميًا في الوقت ذاته، ولا يعود حتى ينتهي لي وون من عمله. لم يحدث قط أن التقيا داخل القصر، باستثناء الصباح عند البوابة.

وذلك… أراحه.

“إلى هنا.”

قاد الخادم لي وون عبر الممر، كما في كل مرة. كان رجلًا حادّ الملامح، قليل الكلام، يؤدي واجبه فقط.

فكّر لي وون فجأة: هل هو أيضًا من الروس الخُلّص؟

كان يعلم جيدًا أن التوترات العرقية في روسيا ليست بالأمر البسيط، وأن الغرباء غالبًا ما يُقابلون بالعداء. ومنذ دخوله القصر، شعر بذلك بوضوح.

كان واضحًا… أنهم جماعة مغلقة، لا تقبل الغرباء.

ولهذا، لم يستطع فهم لماذا سمح له قيصر بالدخول أصلًا.

لم يكن يشعر بخطرٍ مباشر، لكنه كان منزعجًا من تلك النظرات التي تلاحقه في كل دخولٍ وخروج.

حتى الخادم نفسه لم يُخفِ انزعاجه.

ولهذا، قرّر لي وون أن يُنهي عمله بسرعة… وألا يعود إلى هذا المكان مرةً أخرى.

“إن احتجت شيئًا، نادِني.”

قال الخادم بأدب، ثم انسحب.

فتح لي وون باب غرفة الدراسة بنفسه ودخل. كانت الغرفة الواسعة مليئة بالملفات التي بعثرها بالأمس، لكن ذلك لم يُزعجه.

خلع معطفه، ألقى حقيبته جانبًا، وجلس فورًا.

سأنهي الأمر اليوم.

التقط ملفًا ضخمًا يتتبّع مسار ثروة الرجل منذ نشأتها حتى وفاته.

بالتأكيد… سأنتهي اليوم.

عقد حاجبيه بجدية، وبدأ العمل.

مرّ الوقت…

“هاه…”

تنفّس لي وون بعمق وهو يُغلق الصفحة الأخيرة.

كانت عيناه تؤلمانه من الإرهاق، لكنه نجح. حتى الأجزاء المظلّلة كانت كثيرة، لكنّه حصل على ما يحتاجه.

السؤال الآن: كيف يمكن الاستيلاء قانونيًا على ثروةٍ بُنيت على الفساد؟

رفع رأسه، فلاحظ الظلام خلف النافذة.

تفاجأ.

نظر إلى الساعة… فتجمّد.

منتصف الليل.

لم يشعر بمرور الوقت، بسبب ضوء الثريّا الساطع.

“القطار…”

قفزت الفكرة إلى ذهنه، لكنه أدرك فورًا أنه تأخّر.

جمع أوراقه بسرعة دون ترتيب، واندفع خارج الغرفة—

ليصطدم بقوة بشخصٍ ما.

“انتبه.”

قال الرجل وهو يمسكه قبل أن يسقط.

“دائمًا ترمي نفسك بكل جسدك.”

جاء الصوت مصحوبًا بضحكةٍ خفيفة.

رفع لي وون رأسه…

ليجد قيصر أمامه، يبتسم.

تجمّد للحظة، وكأنه لم يستوعب الموقف بعد. نظر إليه بوجهٍ شاحب، دون أن ينطق.

وفجأة… اختفت ابتسامة قيصر.

ثبتت عيناه على شفتي لي وون المفتوحتين قليلًا، وكأن شيئًا شدّ انتباهه. نظرةٌ مختلفة، أهدأ… أعمق.

ساد صمتٌ غريب.

وقفا يحدّقان في بعضهما، في سكونٍ يمكن معه سماع طرفة عين.

ثم، انحنى قيصر قليلًا.

كانت يده لا تزال تحيط بخصر لي وون، ورموشه الفضية الطويلة تُلقي بظلالٍ خفيفة.

اقترب نَفَسه من شفتيه…

وفي تلك اللحظة—

عاد لي وون إلى وعيه فجأة.

دفعه بعفوية، فتركه قيصر فورًا. تبادلا النظرات، كلاهما متفاجئ… لكن لأسبابٍ مختلفة.

قال لي وون بتلعثم: “أنا… كنت مستعجلًا قليلًا.”

أغلق فمه سريعًا، وقد شعر بالحرج.

في الأيام السابقة، كان الخادم يذكّره دائمًا بوقت المغادرة. هل انشغل هذه المرة أكثر من اللازم؟

ظلّ قيصر ينظر إليه بصمت، ويده ما تزال معلّقة في الهواء للحظة.

ثم قال، بابتسامةٍ خفيفة:

“يبدو أنك كنت مشغولًا جدًا… هل وجدت ما تبحث عنه؟”

عاد هدوءه المعتاد، فاستعاد لي وون توازنه قليلًا.

لكن حين فكّر في العودة… تذكّر القطار.

تغشّت عيناه بالظلام للحظة.

أما درّاجته العتيقة في الحديقة… فلم يكن يثق بها أصلًا.

كاد يزفر بضيق—

لكن، وعلى نحوٍ غير متوقّع…

بدأت مشكلته تُحلّ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!