«ماذا تفعل؟!»
انفجر الغضبُ المتراكم دفعةً واحدة، فرمى لي وون الوردةَ بعيدًا. لكنّ ما حدث بعد ذلك كان غير متوقَّعٍ تمامًا.
دوّى صوتٌ حادّ. اتّسعت عينا لي وون بدهشة. أمّا قيصر، الذي تلقّى الصفعةَ على حينِ غرّة، فقد تجمّد في مكانه، وعيناه مفتوحتان على اتّساعهما.
تبادل الاثنان النظرَ للحظاتٍ طويلة. لا الضاربُ تحرّك، ولا المضروبُ استوعب ما حدث. بدأ احمرارُ خدّ قيصر يزداد تدريجيًا، وظهرت آثارُ أصابعِ لي وون بوضوح.
كان لي وون أوّلَ من استعاد وعيه.
قال بتردّدٍ خافت:
«أنا… آسف. لم أقصد ذلك.»
كانت زلّةً، لكنه صفعه فعلًا.
ظلّ قيصر يحدّق فيه وكأنه لم يُصدّق بعد. لم يرفع يده حتى ليمسّ خدّه المتورّم قليلًا. كانت تلك أوّل مرّةٍ يرى فيها لي وون هذا التعبير الغبيّ على وجهه.
عند رؤيته هكذا، حسم لي وون أمره وقال:
«اضربني.»
عينٌ بعين… وخدٌّ بخدّ.
اقترب، وأغمض عينيه. تجاهل يد قيصر التي كانت أمامه قبل أن يُطبق جفنيه. حاول أن ينسى شكلَ أصابعه الطويلة الأنيقة… لكنه لم يستطع أن يتجاهل قوّتها، ولا طريقته الماهرة في استخدام السكين حين كان يُحضّر الشطائر بالأمس.
شدّ على أسنانه بقوّة.
لم يكن معتادًا على تلقّي الضربات.
لكن… فلينتهِ الأمر بسرعة.
رفع ذقنه وكأنه يسلّم نفسه.
توقّع صفعةً قاسية…
لكنها لم تأتِ.
ظلّ قيصر يحدّق فيه فقط.
ارتعشت أهداب لي وون المغلقة توتّرًا. عندها، خفَض قيصر رأسه ببطء.
وفجأة—
لمسةٌ ناعمةٌ وحلوة لامست شفتيه.
تجمّد لي وون.
لم يدم ذلك طويلًا. ففي اللحظة التي امتصّت فيها شفاهُ قيصر السفلى شفةَ لي وون برفق، قبض هذا الأخير يده بعنف.
صَفعة!
هذه المرّة، أمسك قيصر خدَّه الآخر وتراجع.
صرخ لي وون غاضبًا:
«ماذا تفعل الآن؟! قلتُ اضربني! من طلب منك أن تُقبّلني؟!»
ضحك قيصر بهدوء:
«ظننتُ أنك أغلقتَ عينيك لتُقدّم لي وجهك…»
تشنّج وجه لي وون من الغضب، بينما أشار قيصر إلى أثر يده وقال:
«هل تسمحُ بقبلةٍ ثانية؟»
قبض لي وون يده فورًا، ووجّه لكمةً دون تردّد—
لكن قيصر تفاداها بسرعة، وأمسك معصمه، وسحبه نحوه.
تفاجأ لي وون، بينما ضحك قيصر بخفّة.
وعلى عكسه، عبس لي وون ورفع رأسه، لكنّ قيصر أدار نظره قليلًا، ثم حدّق في قبضته المشدودة، قبل أن ينزل بنظره إلى شفتيه…
وانحنى فجأة—
قبلةٌ خفيفة أخرى.
اتّسعت عينا لي وون، فرفع قيصر رأسه وقال مبتسمًا:
«أعتقد أنّ الحساب قد سُوِّي.»
ثم أطلق سراحه، وابتسم ابتسامةً خفيفة، واستدار مغادرًا المكتب.
ظلّ لي وون يحدّق في الباب المغلق بصمت.
وحين استوعب ما حدث… كان الأوان قد فات.
«هذا… هذا المجنون!»
ركل الأوراق بعنف، فتبعثرت في كلّ مكان.
لكنّ الندم سرعان ما تبعه—
فالمستندات، التي كانت مرتّبة بدقّة، اختلطت الآن تمامًا.
«تبًّا…»
سقط على الأرض، ووجهه متشنّج، وأنينٌ مكتوم يغلي في صدره.
وبينما كان يعيد ترتيب الأوراق على عجل، ظلّ الغضب يشتعل في داخله.
لنعتبرها تعادلًا… أنا من بدأ أولًا…
حاول إقناع نفسه، لكنّ ملامحه لم تهدأ.
لماذا ما زلتُ غاضبًا؟ انتهى الأمر… أليس كذلك؟
مسح شفتيه بلا وعي بظاهر يده—
ثم توقّف فجأة.
الدفء الذي لمس شفتيه…
انتقل إلى يده.
وخفق قلبه بطريقةٍ غريبة.
—
منذ الصباح الباكر، استمرّت الضوضاء.
استيقظ لي وون على صوت خطواتٍ متسارعة.
للحظة، بدا له المشهد غريبًا… ثم تذكّر.
لم يكن في شقّته القديمة.
بل في غرفةٍ فسيحةٍ فاخرة، تليق بقصرٍ عظيم.
الأثاث العتيق، الخزف المنتشر، اللوحات الزيتية الموقّعة…
كلّ شيءٍ كان باهظًا ومترفًا إلى حدٍّ مُبالغ فيه.
لكنّ السرير… كان مختلفًا.
المرتبة، الأغطية، اللحاف الثقيل—
كلّها ناعمةٌ بشكلٍ لا يُوصف، كأنّه ينام فوق سحابة.
لهذا يأكلُ الأغنياء في أسرّتهم…
نهض ببطء، ثم نظر إلى السرير وكأنّه يأسف لمغادرته.
سمع خطواتٍ مجددًا.
اقترب من النافذة—
فرأى سيارةً سوداء جاهزة.
قيصر سيغادر…
—
تساقط الثلج بخفّة على زجاج السيارة.
السماء ملبّدة، وكأنّ عاصفةً وشيكة.
خرج قيصر بلا تردّد.
اصطفّ الرجال ببدلاتٍ سوداء وانحنوا فورًا.
سار بهدوء، بلا تعبير، بينما غطّى الثلج معطفه الفاخر تدريجيًا.
فُتح باب السيارة. انحنى قليلًا، ثم صعد.
لكن—
فُتح الباب فجأةً من جديد.
التفت—
كان لي وون.
أغلق الباب وقال ببرود:
«أنزلني في الطريق.»
قطّب قيصر حاجبيه:
«ماذا تعني؟»
أجابه بنبرةٍ حاسمة:
«لن أبقى حتى ينتهي كلّ شيء. سأخرج لأشتري كتابًا.»
صمت قيصر.
أضاف لي وون بنفاد صبر:
«هيا، ماذا تنتظر؟»
تحرّكت السيارة أخيرًا.
—
بعد قليل، ومع ازدياد كثافة الثلج، قال لي وون:
«أنزلني هنا.»
سأله قيصر:
«إلى أين ستذهب؟»
«إلى المكتبة… يمكنني أخذ القطار من هنا.»
توقّفت السيارة.
ترجّل لي وون بسرعة—
لكنّه توقّف فجأة.
شعورٌ غريب.
استدار—
قيصر كان خلفه.
خرج من السيارة، واقفًا باستقامة، بينما اندفع الرجال من الخلف.
تجمّد المارّة، ثم بدأوا يهربون وسط الثلج.
رمش لي وون بدهشة.
ما الذي يفعله هنا؟
اقترب قيصر…
ومدّ يده.
كانت قبعة فرو— شابكا.
قال بهدوء:
«المشي بلا قبعة هنا خطر.»
ووضعها على رأسه بنفسه.
أدرك لي وون الدفء فورًا.
كانت ناعمة… خفيفة… تحتضن رأسه بلطف.
قال بهدوء:
«شكرًا… سأعيدها عندما أعود.»
ابتسم قيصر ابتسامةً خفيفة.
لكن لي وون لاحظ شيئًا—
الثلج على كتفي قيصر كان يزداد ثقلًا.
رغم معطفه الفاخر…
بدا وكأنه لا يهتم.
نظر إليه لي وون بشعورٍ غريب…
لا يعرف له اسمًا.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!