رفع قيصر يده، وأخذت أصابعه الطويلة المفاصل تمسح حاجبي لي وون برفق. تساقطت قطراتُ الماء المتشكّلة من الثلج على أصابعه.
ظلّ لي وون يحدّق فيه لحظات، ثم قرّر إنهاء التحية سريعًا.
إذا غادرتُ، سيعود إلى سيارته…
فتح فمه ليتكلّم، لكنّ قيصر سبقه:
«إلى أين ستذهب؟»
أجاب بهدوءٍ دون تفكيرٍ طويل:
«إلى المحطّة… فقط…»
وبعد تحيّةٍ خفيفة، تابع سيره.
لكن فجأة—سمع خطواتٍ خلفه.
تجاهل الأمر في البداية، وواصل طريقه نحو محطة الترام.
لا… لا يمكن…
رغم الشعور السيّئ، لم يُرِد الالتفات.
لكنّ الصوت كان واضحًا… ولم يكن لشخصٍ واحد.
تردّد، ثم استدار—
ورآه.
قيصر… يتبعه.
وخلفه عشرات الرجال ببدلاتٍ سوداء.
تجمّد مكانه، ثم قال بحدّة:
«لماذا تتبعني؟»
توقّف قيصر، وكذلك رجاله.
ابتسم وقال ببساطة:
«أريد أن أذهب معك.»
لم يُجب لي وون. اكتفى بالنظر إليه بذهول.
الناس في المحطة بدأوا يحدّقون بهم.
هل هذا مجنون؟
لكنّه كتم غضبه، واستدار وصعد إلى القطار.
—
دخل القطار—
ودخل معه قيصر…
ثم رجاله.
امتلأ المكان برجالٍ ضخام، وأصبح الجوّ خانقًا.
وقف قيصر بجانبه، بينما أحاط بهم الرجال في دائرةٍ محكمة.
وبدأوا يرمقون الركّاب بنظراتٍ مرعبة.
واحدًا تلو الآخر، صمت الجميع.
انطفأت الهواتف، وتوقّفت الأحاديث.
حتى الشاب الذي كان يستمع للموسيقى بصوتٍ عالٍ، نزع سماعته بتردّد.
تحوّل القطار إلى صمتٍ مطبق—
لا يُسمع سوى صوت اهتزازه.
عندها، قال أحد الرجال:
«المقعد فارغ، يا قيصر.»
انشقّ الرجال كالبحر، ووقف صاحب المقعد مذعورًا، ليُفسح له الطريق.
بكى الرجل وهو ينسحب.
قال قيصر بهدوء:
«اجلس.»
لكن لي وون ردّ ببرود:
«لا حاجة.»
رفض في البداية—
لكن حين اهتزّ القطار فجأة، تعثّر وسقط—
فأمسكه قيصر.
اصطدم جسده بكتفه، فتراجع قيصر خطوةً دون أن يشعر.
في تلك اللحظة، انفجر رجاله:
«سيدي!»
«هل أنت بخير؟!»
«أيها الأحمق! ألا تستطيع القيادة؟!»
تحوّل القطار إلى فوضى.
صرخ السائق معتذرًا، بينما هرب الركّاب مذعورين.
وعند المحطّة التالية، فرّ الجميع—
ولم يبقَ سوى قيصر ورجاله… ومعهم لي وون.
التفت لي وون على صوت صراخ،
فرأى السائق يُسحَب بالقوة.
همس بصدمة:
«ماذا…»
لكنّ قيصر نظر إليه مبتسمًا وسأل:
«إلى أين تقع المكتبة؟»
ابتلع لي وون غضبه بصعوبة.
—
بعد عدّة محطّات، وصلوا أخيرًا.
نزل لي وون أولًا، وسار بصمتٍ نحو المكتبة، وقلبه مثقل.
المكتبة كانت كبيرةً ومزدحمة، مليئةً بالكتب من كلّ نوع.
لكنّ الهدوء الذي اعتاد عليه هناك… لم يكن موجودًا اليوم.
بسببه…
تجاهل قيصر، واتجه مباشرةً إلى قسم القانون.
بدأ يبحث بسرعة، يلتقط الكتب ويفحصها.
بعد أن اختار بعضها، التفت—
فلم يجده.
لكنّه رأى رجالًا يرفعون حاجزًا—
إذًا هو هناك…
وبالفعل، ظهر رأسٌ أشقر من بينهم.
كما توقّعت…
وفجأة، سمع صوته خلفه:
«سيد المحامي.»
قطّب جبينه.
ظهر قيصر، مبتسمًا، ومدّ إليه كتابًا:
«هذه هدية.»
نظر لي وون—
العنوان:
«مطبخٌ سهلٌ يمكن لأيّ شخصٍ إعداده»
برز عِرقٌ في جبينه.
قال ببرود:
«لا أحتاجه.»
وتحرّك مبتعدًا، بينما ذكرياتٌ محرجة تعود إليه.
إن استمرّ هذا… سأُسخر من نفسي طوال حياتي…
توقّف فجأة عند هذه الفكرة.
طوال حياتي؟
قطّب جبينه، ثم توجّه إلى المحاسب:
«من فضلك، احسبها.»
بدأ الموظف العدّ.
وفجأة—سقط كتابٌ فوق كتبه.
تجمّد وجهه.
صوت قيصر من الخلف:
«أضف هذا أيضًا.»
كان كتاب الطبخ.
ابتسم قيصر بسعادة.
توقّف عن الابتسام!
قال لي وون بحدّة:
«ماذا تفعل؟ قلت لا أريده.»
لكنّ قيصر ردّ بهدوءٍ غريب:
«بلى، تحتاجه حقًا… وإلا ستموت يومًا ما بتسمّمٍ غذائي.»
ازداد غضب لي وون:
«لقد عشتُ جيدًا حتى الآن. ولن أحتاجه.»
ابتسم قيصر:
«الحياة أهمّ من الكبرياء… فكّر في الأمر.»
قال ببرود:
«المكان مزدحم… أعده.»
لكنّ قيصر تجاهل كلامه:
«بحثتُ جيدًا، هذا مناسب لك.»
كاد لي وون ينفجر—
لكن الموظف قاطعه:
«المجموع: 1324 روبل.»
أخرج المال بسرعة—
لكنّه توقّف.
أكثر مما حسبت…
أخذ الفاتورة، وفتح الكيس—
فرأى كتاب الطبخ…
موضوعًا بداخله بكلّ فخر.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!