فصل 29

فصل 29

اختنق كاسيان وهو يبتلع الهواء، لكن بليس، الذي لم يلحظ ردّة فعل خطيبه إطلاقًا، حشر في فمه لقمة أخرى من البطاطا وقال بنبرة حالمة:
— أتمنى أن نتزوج قريبًا… أليس كذلك؟

حرّك فكيه بسعادة، لكنه فجأة تجمّد. لمع في عينيه الواسعتين البريئتين بريقٌ لا يليق بطفل. رمق بليس الشاب بنظرة ماكرة وقال:
— لكن لا يُسمح لك أن تلعب مع أولاد آخرين. إذا خنتني… ستصبح أصلعًا.

— كح! — كاسيان، الذي كان قد أخذ رشفة كبيرة من البيرة، اختنق وبدأ يسعل.
اتّسعت عيون الجميع في آنٍ واحد. لكن بليس، غير مبالٍ بالصمت الذي خيّم، لوّح بإصبعه الصغير مهددًا كاسيان الذي لا يزال يسعل:
— وستتلقى ضربة هناك أيضًا. هكذا يُعاقَب الخائنون.

— هااه… بليس، لا تقل مثل هذه الأشياء، — قال كاسيان وهو يزفر بتعب ويضع يده على جبينه. — هذا غير لائق. يجب أن تتحدث بكلام أجمل، فهمت؟
— حقًا؟ — عبس بليس، وبدت على وجهه الصغير ملامح استياء واضح. تمتم “هممم…” وغرق في التفكير.
“يجب أن أتكلم بطريقة جميلة…”
— فهمت، — قال أخيرًا.
— أحسنت، ولدٌ طيب.
لكن ما إن مدحه كاسيان وربّت على رأسه بلطف، حتى قال بليس:
— شعرك سيعبر الجسر القزحي، وفجلتك الكبيرة ستمرض. لذلك يجب أن تلعب معي فقط، مفهوم؟
(ملاحظة: “الجسر القزحي” تعبير كوري يُستخدم ككناية عن الموت.)
سحب كاسيان يده بصمت، ثم عاد ليمسك بكأس البيرة. كان الارتباك واضحًا على وجهه، بينما التصق بليس بجانبه وكأن شيئًا لم يحدث، وبدأ يأكل النقانق بهدوء.
ساد الصمت لبعض الوقت، بينما كان كاسيان يشرب، إلى أن ناداه أحد أصدقائه:
— كاسيان، هل يمكن أن نتحادث قليلًا على انفراد؟
— لماذا؟ — تدخّل بليس فورًا.
قفز الصغير بسرعة وفتح ذراعيه، مانعًا كاسيان من النهوض:
— لا! كاسيان لي! سنتزوج، لذا سيلعب معي فقط!
تعلّق بذراع كاسيان بقوة، وكأنه لن يتركه أبدًا. ارتبك الصديق، غير متوقع هذا الرد العنيف من طفل.
— أم… كاسيان؟
رفع كاسيان يده معتذرًا بابتسامة محرجة، ثم نظر إلى بليس وتنهد:
— ما هذا؟ كلْ بهدوء. هل لدى أحدكم مناديل؟
أخرجت إينا منديلًا من جيبها، فأخذه أحدهم وأعطاه لكاسيان. انحنى كاسيان وبدأ يمسح وجه بليس المتسخ بلطف:
— كُل بحذر حتى لا تتسخ. ارفع ذقنك… هكذا، أحسنت.
بعد أن نظّفه جيدًا، أومأ برضا:
— انتهيت. سأعود بسرعة، انتظرني هنا، حسنًا؟
— سأذهب معك!
— قلت لك بسرعة.
ضغط كاسيان برفق على رأسه ليمنعه من النهوض، ثم ابتعد مع صديقه. حاول بليس اللحاق به، لكن ساقيه القصيرتين لم تسعفاه. استسلم وعاد غاضبًا.

اقترب أحد الأصدقاء بحذر:

— أم… هل تريد؟ هذه رقائق بطاطا.
نظر إليه بليس بريبة، ثم مدّ يده وأخذ حفنة كبيرة. بدأ يأكل بصوت مقصود. ومع كل لقمة، مدّ يده للمزيد.
فهم الجميع سريعًا أن طريق قلب هذا “الوحش الصغير” هو الطعام. فتجمّعوا حوله:
— اشرب هذا، بارد.
— هل لديك حساسية؟ هل تأكل الفول السوداني؟

— ماذا عن البسكويت؟

— تريد المزيد من البطاطا؟ أو نقانق؟

حاول بليس الحفاظ على مظهر الغضب، لكنه كان سعيدًا في داخله. توقف عن أخذ الطعام بنفسه، وبدأ يفتح فمه بترف، تاركًا الآخرين يطعمونه.
“الكولا… مقبولة. البسكويت… جيد. البطاطا… أكلتها من قبل.”

…هاه؟

أخذ لقمة جديدة، لكنه عبس فورًا. رائحة قوية ضربت أنفه. نظر بحدة إلى من أعطاه الطعام:
— هذا جبن فقط… ومكلف أيضًا…

— تفو! — بصق بليس القطعة فورًا.

انسحب الشاب خجلًا، بينما التف الآخرون حول بليس:
— هل أنت بخير؟ خذ بطانية.

— منذ متى أنت في إنجلترا؟

— هل والدك فعلًا آشلي ميلر؟

— لماذا أتيت مختبئًا في صندوق السيارة؟
رفع بليس رأسه بفخر:

— أينما يذهب كاسيان، أذهب أنا.

— آه، صحيح… أنتما ستتزوجان.

لكن أحدهم قال:

— هل هذا حقيقي؟

بدأت الشكوك تدور بينهم. فرق العمر كبير جدًا، وغير منطقي.
— لكن كاسيان يهتم به كثيرًا…
— نعم، لم أره هكذا من قبل.

— كان يكره الأطفال أصلًا…
بدأ بليس يهدأ وهو يسمعهم.
— …حقًا؟

التفتوا إليه.

— هل هو لطيف معي فقط؟
— نعم… تقريبًا.
اتسعت ابتسامته بسعادة غامرة.
— حقًااا؟

وفي تلك اللحظة—
— ماذا تفعلون؟

التفت بليس، ووجهه يضيء فرحًا. كان كاسيان عائدًا. ركض نحوه:

— كاسيااان!

انحنى كاسيان والتقطه:

— ماذا حدث؟

— كنت مطيعًا!

نظر للأصدقاء، فأكدوا!

— نعم، كان هادئًا.

ضحكوا:
— كيف تترك خطيبك وحده؟
نظر كاسيان إلى بليس، الذي كان يبتسم بسعادة:
— رأيت؟ كنت مطيعًا.
وضَحِك بفرح، وخدّاه محمران.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!