“إذا كان فِي مهتما، يمكنك المجيء، نا كْراب.”
“…”
“إلى نادي الفلك.”
كان بارنتشيوا قد وجه هذه الدعوة ذات بعد ظهر، بينما كانت الحافلة العامة تهتز بنا في طريق العودة إلى المنزل. نيران، الذي بدأ يتسرب إليه الملل من اضطراره المستمر لـ ‘التباهي’ في نادي الجودو، أومأ على الفور؛ كأنه يخشى أن يندم الآخر أو يتراجع عن دعوته لاحقاً، رغم علمه اليقين أن أبواب الأندية مفتوحة للزوار دون استئذان.
في ذلك اليوم، ذهب نيران أولا إلى صالة الجودو و ارتدى زي التدريب، و وقف أمام الجميع ليقدمه المدرب رسمياً كعضو في الفريق الوطني للشباب أمام المبتدئين. ألقى تحية مقتضبة و ابتسم بالكاد، ثم وقف ساكناً بينما تولى ‘موست’ مهمة الاستعراض.
كالعادة، كانت صرخات الفتيات هي الأعلى صدى، و لم يفهم نيران أبداً سر هذا الهوس بـ ‘الأولاد الرائعين’.
بمجرد أن تشتت الجو، انتهز نيران الفرصة و تسلل خارجا.
استبدل زي التدريب سريعا بملابسه العادية—ما يطلق عليه ‘وضع الوسامة’—و انطلق نحو مبنى العلوم، و تارا يتبعه كظله المخلص.
“ألن تبقى هناك لتتباهى أمام المبتدئين؟” سأل تارا و هو يلهث.
“لا. شعرت بالكسل. أريد فقط إلقاء نظرة حول المكان.”
“آه… إذن سأأتي معك.”
وصل الزائران إلى مبنى العلوم، الأكبر و الأطول في المدرسة، حيث يدرس طلاب جميع المستويات. و رغم الشائعات عن أشباحه العنيفة، إلا أن المبنى كان يغص بالبشر لدرجة تمنع أي روح من التجول بحرية. كان نادي الفلك يربض في الطابق العلوي تقريباً. في طريقهما، مرّا بأندية علمية شتى: نادي مراقبة الخلايا، التجارب، الرياضيات، و حتى الشطرنج و الغو.
“تبا… لماذا هذا الارتفاع الشهق؟ سأموت!” اشتكى تارا و هو يلهث. لم يكن نيران في حال أفضل؛ فالعضلات الرياضية لا تصمد أمام هذا العدد اللامتناهي من الدرجات.
“ها نحن هنا.”
كان الطابق العلوي يلفه هدوء غريب. سارا في الممر حتى لمحا لافتة مرسومة يدوياً: ‘نادي الفلك’. بدا النادي جريئاً و واثقاً؛ فلم ينزل أعضاؤه لتجنيد المبتدئين، بل كانت رسالتهم: من أرادنا فليأتِ إلينا.
“مهلا… هل أنت متأكد من رغبتك في الدخول؟” سأل تارا بتردد.
“ألا ترى اللافتة؟ ‘نادي الفلك يرحب بك’.”
“نعم، و لكنها تبدو و كأنها لا ترحب بأحد فعلياً.”
“…”
فكر نيران في الأمر نفسه، و لكنهما وصلا بالفعل. طرق نيران الباب، و بعد ثوانٍ، سُمع صرير باب يفتح ببطء كأنه مشهد من أفلام الرعب. ظهر وجه من خلف الباب، ترافقه دفقة هواء باردة؛ نظارات دائرية، عيون مجهدة، و شفاه شاحبة.
“آه!! روحي كادت أن تقفز، تبا!” صرخ تارا. أما نيران، فقد ضيق عينيه و هو يحاول استيعاب الموقف.
“مرحبا بكم في نادي مراقبة النجوم… أو نادي الفلك، كْراب.”
“هل يمكنك الخروج و الوقوف بشكل صحيح؟ لماذا تختبئ خلف الباب؟” سأل تارا بصوت مرتجف.
“عذرا كْراب. لا أريد للضوء أن يتسرب، نا،” أجاب عضو النادي، ناي جوم يوت، و هو يكشف عن جسده بالكامل قبل أن يغلق الباب خلفه. “هل جئتم للانضمام كْراب؟”
“ليس تماما، أردنا فقط الاستطلاع.”
قاطع تارا هامساً لنيران: “هل أنت متأكد أن المكان آمن نا؟ لماذا كل هذا الظلام؟ إنه يشبه نوادي الرعب نا.”
“لا تبالغ. أنت تتخيل الأمور فقط.”
سحب نيران صديقه إلى داخل الظلام. و بمجرد إغلاق الباب، انقطع الضياء، و لكن أمام عيونهما، كانت النجوم تسبح في فضاء الغرفة.
“واو…” فتح تارا فمه دهشة.
كان النادي مكيفاً بقوة و مجهزاً بأجهزة عرض متطورة. اقترب ناي تشيوَا سريعا من نيران و أشار لهما باللحاق به، فجلسا في الزاوية. لاحظ نيران أمراً غريباً؛ الجميع هنا يرتدي نظارات، باستثنائه هو و تارا.
بدأ الشرح عن النظام الشمسي و الكواكب التسعة. “بلوتو بعيد جدا ليعتبر قمراً للشمس، و ربما يُزال مستقبلاً…”
“لا، نا.”
“هذا غير صحيح.”
جلس نيران يراقب في صمت؛ فالمعلومات لم تجد لها مكاناً في عقله. و مع البرودة، غطّ تارا في نوم عميق مستنداً على كتف نيران، و لم يمضِ وقت حتى بدأ نيران يشعر بالنعاس. و لكنه حين نظر إلى الفتى بجانبه، وجده يجلس باستقامة مثالية، و عيناه تشعان شغفاً.
مال نيران برأسه ليتأمله، فالتفت إليه تشيوَا بتساؤل خلف نظاراته المربعة. تظاهر نيران بالجدية و قال: “يبدو أن ناي تشيوَا يعشق هذه القصص نا… و لكن فِي نيران يكاد ينام.”
“هذه القصص منومة فعلاً كْراب، و لكنها الجوهر. القمر يبتعد عن الأرض بحوالي 3.82 سنتيمتر كل سنة.”
“حقا؟”
“كْراب. ربما كان القمر قديماً يبدو عملاقاً.”
“هذا الحديث يجعلني أشعر بضآلتي،” تمتم نيران. “تصبح مشاكلي اليومية تافهة أمام عظمة الكون.”
صمت تشيوَا برهة قبل أن يسأل بوقار: “هل يعرف فِي ماذا سيحدث لو اختفى القمر؟”
“لا أعرف. أعلم فقط أن التغيير مخيف.”
انتهى الحوار و عاد تشيوَا بتركيزه للمحاضرة. فجأة، شعر تشيوَا بثقل على كتفه؛ نيران كان قد استسلم للنوم و استند عليه، بينما تارا نائم على كتف نيران. كان تشيوَا ثابتاً و صلباً كالعمود الفقري لهذا الصف من النائمين.
استمرت الأنشطة حتى وقف ناي جوم يوت ليعلن عن ‘المشروع الكبير’. أدى صوته المرتفع إلى إيقاظ نيران، الذي وجد خده مستنداً على كتف عريض. نظر للأعلى ليرى تفاصيل وجه تشيوَا بدقة؛ خط الفك، الأنف المرتفع، و الشفاه المشكلة جيداً… فكر في نفسه:
“مهلا… هذا الفتى وسيم.”
و فجأة، شعر نيران ببلل على كتفه الآخر. تذكر شائعات الشبح و أصابته القشعريرة، فأمسك بذراع تشيوَا بقوة، و لكنه أدرك الحقيقة: “تارا نائم و يسيل لعابه!”
دفع صديقه باشمئزاز، فاستند تارا على الحائط و واصل نومه. “استخدم منديلا كْراب، و لدي قميص احتياطي في خزانتي إذا أردت فِي.”
توجه نيران مع تشيوَا إلى الحمام في ذلك الطابق المعزول. انتظر تشيوَا بجانب الأحواض بينما دخل نيران لتبديل قميصه بآخر واسع و مريح يخص تشيوَا. خرج نيران حاملا قميصه الملوث: “شكرا نا.”
أخذ تشيوَا القميص و طواه بعناية فائقة و وضعه في حقيبة قماشية. “هل الطي ضروري حقاً؟”
“الطي يجعل الحمل أيسر كْراب.”
بينما كانا يغادران الحمام تحت ضوء الغروب الكئيب، سأل نيران بفضول: “كيف لفتى في الصف الحادي عشر أن يكون بهذا الطول؟ ما طولك بالضبط؟ فِي نيران يعتبر نفسه طويلاً، و لكن قميصك جعلني أسأل حقا.”
تلعثم تشيوَا و احمرت أذناه: “أنا طولي 180 سنتيمترا كْراب.”
“لا تكذب نا!”
“185…”
ضيق نيران عينيه من الانزعاج. “لماذا تكذب؟ لم أكن لأغضب.” ثم أضاف في نفسه أنه شعور رعب أن يكون هذا الفتى أطول منه بكثير. “لنعد إلى النادي. أريد أن أشعر بتكييف الهواء مرة أخرى.”
“كْراب.”
عادا إلى الصف، و ما إن فتحا الباب حتى اخترق أذنه صوت جوم يوت و هو يعلن: “شبح مبنى العلوم ليس شبحا… بل هو كائن فضائي! لذلك يجب أن تتعاونوا جميعاً لبناء جهاز يتعقب تلك الطاقة.”
و هكذا بدأ المشروع لبناء آلة قادرة على اكتشاف الكائنات الفضائية في مبنى العلوم… نعم، هذا النادي غريب حقا.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!