فصل 49

فصل 49

جلس “لي وون” وهو يستعيد في ذهنه كلمات الشاهد الجديد الذي رآه في الجزيرة. استغرق الأمر منه وقتاً طويلاً ليركز في عمله، وبينما كان يختلس النظر إلى الساعة مراراً، أدرك أن تشتته نابعٌ من جوعه الشديد للعثور على شهود جدد. ولم يمضِ سوى بضع ساعات حتى تمكن أخيراً وبالكاد من الانغماس وسط الأوراق وإنجاز مهامه.
وفجأة، تناهى إلى مسامعه صوت سيارة. رفع “لي وون” — الذي كان غارقاً في العمل — رأسه مباغتة، وبدا ضوء المنارة الخافت ينسلُّ عبر النافذة المظلمة. أعاد بصره إلى الوثيقة متظاهراً بأن شيئاً لم يحدث، لكن الكلمات التي كانت تملأ بصره منذ قليل بدت وكأنها تتوهج بسوادٍ مبهم، ولم يعد قادراً على استيعاب المحتوى.
دون وعي منه، قطب جبينه وهو يقلب أوراقاً أخرى، مستمعاً إلى صدى خطوات تقترب عبر الرواق. تشنج جسده بتوتر شديد، فاتخذ وضعية صلبة وادعى القراءة بجدية تامة. اقترب صوت الخطوات أكثر.. ثم سُمعت خشخشة المقبض.
انفتح الباب على الفور، فحبس “لي وون” أنفاسه دون أن يشعر. كان يطأطئ رأسه متظاهراً بالتجاهل، حين بادر الرجل الذي دخل الغرفة بالحديث بوضوح:
— “ألم يحن وقت الانصراف من العمل بعد؟”
توقف “لي وون” عن الحركة عند سماعه صوت الرجل الفظ. وبصعوبة، رفع حاجبيه ونظر للأعلى، لكنه سرعان ما عبس مجدداً. كان “ديميتري” يقف أمامه بوشاح من الفرو السميك على كتفه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها بذلة بلون أرجواني داكن، مما أعطى لـ “لي وون” إحساساً غريباً، إذ لم يكن يتخيل حتى أن بذلة بهذا اللون يمكن إنتاجها. بذلة كانت لتبدو كزي مهرج لو ارتداها شخص آخر، لكنها، وبشكل غير متوقع، بدت ملائمة تماماً لـ “ديميتري”.
نظر إليه “لي وون” بصمت، ثم رد باقتضاب: “لدي ما أقوله لـ قيصر”.
أدرك أنه نطق اسمه الأول دون قصد، لكنه لم يبالِ بتغييره. حينها ابتسم “ديميتري” بخبث، وانحنى للأمام بوضعية القرفصاء مواجهاً “لي وون”.
— “وأنا أيضاً.. يا سـ-ـيـ-ـادة المحامي”.
قالها “ديميتري” وهو يقطع مخارج الحروف عمداً، ثم أضاف: “نحن الاثنين فقط”.
— “أرى ذلك”.
أشاح “لي وون” بنظره ببرود وعاد إلى وثائقه. لم يكن لديه وقت لهذا؛ فالمحاكمة يجب أن تنتهي قريباً. وفكّر في عائلة “نيكولاي” وأطفالهم الذين يعانون من صعوبات بعد إغلاق المصنع لأيام، وحاول التركيز، لكن أعصابه ظلت مشدودة تجاه الرجل الجالس بجانبه.
— “لدي سؤال”، قال “ديميتري”.
— “هل أنت في حالة جيدة؟”
قطب “لي وون” جبينه أمام هذا السؤال المفاجئ ونظر إلى “ديميتري”، الذي استمر والابتسامة لا تفارق وجهه:
— “كم مرة تعاملتما فيها مع بعضكما اليوم؟ سيكون من الصعب السيطرة على قيصر ببعض الرجال فقط”.
بينما كان “ديميتري” يتحدث بغموض، رمقه “لي وون” بنظرة حادة، فضيق “ديميتري” عينيه وقال:
— “محامٍ بوجهٍ يبدو وكأنه التهم بعض الرجال”.
في تلك اللحظة، دَوى صوت محرك سيارة في الخارج. هذه المرة، عاد قيصر. وقف “ديميتري” فجأة، مكملاً ثرثرته وحده أمام “لي وون” الصامت:
— “كنت أتساءل إن كان يمتلك المهارات حقاً”.
بينما كان “ديميتري” يبتعد، شعر “لي وون” بسخافة الموقف وأطلق تنهيدة قصيرة. ثم سُمعت خطوات في الردهة؛ لقد كان قيصر. نهض “لي وون” من مقعده وراح يلمس ثيابه ويهندمها لا إرادياً. في مناسبات أخرى، لم يكن يهتم إن كانت ملابسه مجعدة أم لا، لكنه الآن اهتم بالأمر بشكل مبالغ فيه. وعندما انتبه لنفسه، وجد يده تعبث بخصلات شعره من الخلف لتسويتها.
طرقٌ خفيف على الباب، ثم انفتح ليظهر قيصر.
خفقان قلب..
فجأة، شعر “لي وون” وكأنه يسمع دقات قلبه في أذنيه. أما قيصر، الذي كان يراقب “لي وون” الصامت بدوره، فقد خطا للداخل بابتسامة طفيفة: “مرحباً”.
— “مرحباً”.
كان كما هو دائماً. “لي وون”، الذي كان قلقاً على حالته الجسدية، شعر بالراحة في داخله حين رآه لا يبدو عليه التعب أو الانزعاج. تحدث قيصر بصوت هادئ كعادته:
— “الوقت متأخر قليلاً، كنت قلقاً من أنك قد غادرت”.
أجاب “لي وون” بجمود:
— “لدي ما أقوله لك. كنت أتحدث عن السيناتور جدانوف في الجزيرة”.
ابتسم قيصر بمرارة أمام هذه الكلمات التي أضيفت بسرعة لئلا يُساء فهمه، وقال: “كنت سأتحدث عن ذلك أيضاً.. لنذهب إلى الصالة”.
استدار قيصر أولاً وغادر المكتب. وبينما كان “لي وون” يراجع أوراقه ويخرج إلى الرواق، أطلق تنهيدة عميقة أمام هذا التوتر والارتباك الذي لا يطاق.
عندما دخل الغرفة متأخراً، كان الرجلان بانتظاره؛ قيصر و”ديميتري”. كان كل منهما يجلس على أريكة منفصلة وبينهما طاولة، وبدا وكأنهما ينظران إلى توأمين. تملكت “لي وون” الحيرة للحظة تحت نظراتهما المباشرة. هل هما شخصان مزعجان أم أنه هو من يشعر بعدم الارتياح؟
كان الجلوس بجانب قيصر أمراً يثير تردده، فقد بدا غير مرتاح ولا يريد استقبال نظرات “ديميتري” المشككة، وفوق كل ذلك، كان خفقان قلبه بتلك الطريقة يزعجه. لكن الجلوس بجانب “ديميتري” كان مزعجاً أيضاً لسبب مختلف.
نفض “لي وون” تلك الأفكار التافهة عن رأسه؛ (لماذا أقلق بشأن هذا؟ يمكنني الجلوس في أي مكان).
تحرك “لي وون” وجلس بجانب “ديميتري” بلا مبالاة. أما قيصر، الذي كان يراقبه بعناية، فمد يده بكوب من الشاي. خفض “لي وون” نظره ليخفي تعابيره، لكن “ديميتري” لم يرفع عينيه عنه. حين وضع كوب الشاي، عاد قيصر إلى وجهه المعتاد الجاد وقال:
— “هذا بخصوص السيناتور جدانوف”. وجه حديثه لـ “ديميتري” و”لي وون”: “الشاهد الآن ميت، لذا هو العضو الوحيد المتبقي. أريد استغلال مهاراتي قليلاً”.
— “أنا رهن إشارتك”.
قالها “ديميتري” بطاعة كأنه “جني المصباح”، ثم أضاف: “أحتاج إلى صورة للجثة”.
أمام كلمات قيصر الصريحة، قطب “لي وون” جبينه، لكن “ديميتري” أومأ بلا مبالاة:
— “لقد قمت بتصويرها بالفعل، لذا يمكنني استخدامها”.
— “جيد إذاً”.
استطرد قيصر ببرود:
— “هو عضو في الجمعية الوطنية وسيستقيل من تلقاء نفسه، لذا إذا فعلنا ذلك بشكل صحيح، فلن تكون هناك مشكلة”.
قطب “لي وون” حاجبيه مجدداً: “هل من الممكن أن يكون قد نجا حتى الآن؟”
سأل “ديميتري”: “لماذا تبدو وكأنك لا تثق بنا؟”
نظر إليه “لي وون” ثم ركز انتباهه على قيصر: “هل لدى السيناتور ما يقدمه كدليل؟”
— “لا أملك دليلاً واحداً”.
ضاقت عينا قيصر، وقطب “لي وون” جبينه أمام الابتسامة الغريبة التي ارتسمت على وجهه، ليعقب قيصر ببرود:
— “لكن لديه الكثير ليخسره”.
قال شيئاً غريباً ثم رفع كوب الشاي إلى فمه. أومأ “لي وون” الذي كان ينظر لـ قيصر بابتسامة خفيفة وقال:
— “حسناً، أصدق ذلك. إذاً، هل يمكنني الذهاب إلى مكتب السيناتور جدانوف غداً؟”
— “حسناً”، أجاب قيصر، “لكن يجب أن يكون الوقت دقيقاً”.
— “بالتأكيد”.
نهض “لي وون” من مقعده بعد أن ألقى نظرة ارتياب، وكأنه يريد إنهاء الأمر على أكمل وجه:
— “سأذهب إلى منزلي الآن”.
للحظة، شعر بـ قيصر وهو يتوقف عن الحركة. انتظر “لي وون” في داخله أن يقول شيئاً، لكن على غير المتوقع، لم يبدِ أي رد فعل آخر. شعر “لي وون” بخيبة أمل طفيفة وغادر الصالة بعد إلقاء تحية قصيرة.
بعد سماع صوت انغلاق الباب، أمسك قيصر كوب الشاي مجددًا وراح يشرب بذهول، فنطق “ديميتري” الذي كان يراقبه بنبرة مستفزة:
— “إنه فارغ منذ مدة”.
توقف قيصر ونظر إلى الكوب؛ كما قال “ديميتري”، لم تكن هناك قطرة واحدة متبقية. وضع قيصر الكوب ببرود، لكن “ديميتري” لم يفتْه الأمر، وظلت تعابير وجهه محفورة في ذهنه.
بعد عدة أيام من الطقس المشمس، كان “جدانوف” في حالة مزاجية جيدة للغاية، وكان يجهز لرحلته القادمة إلى البحر الأبيض المتوسط. “عندما أعود، سيكون كل شيء على ما يرام.. بعيداً عن ذلك المحامي المزعج”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!