“إلى أين تذهب يا خام؟”
صرخ كلاوُ و هو يركض خلف القامة الطويلة التي كانت تبتعد بخطوات ثابتة عن المخيم حتى لحق به حين توقف و انتظره.
كان جسد خام القوي مرتديًا قميصًا بأكمام طويلة مرفوعة حتى المرفقين مظهرًا ذراعين عضليين تبرز منهما العروق. غيّرته الحياة في الغابة خلال أكثر من شهر فجعلته أكثر صلابة. شكله المهيب ازداد قوة و بشرته و إن أصبحت أكثر اسمرارًا ظلت أفتح لونًا من بقية رجال المخيم.
“إلى أين تذهب إذًا؟” كرر كلاوُ سؤاله بعدما لم يتلق جوابًا مما اضطر خام للرد على مضض:
“أتمشى في الجوار فقط.”
“ما الممتع في الخروج كثيرًا؟ لا يمر يوم دون أن تختفي وحدك” قال كلاوُ مشككًا في خام، كان يختفي كثيرًا بمفرده.
“إلى الشلال” أجاب خام.
“نفس الشلال الذي ذهبت إليه سابقًا؟”
“نعم هو ذاته. أحب الجلوس هناك الجو لطيف” قال خام بصوت خامل كأنه لا يريد الاستمرار في الحديث. كلاوُ هو الوحيد الذي يسمح له خام بمحادثة أطول.
“أنت رجل غريب” علّق كلاوُ.
“غريب بماذا؟ أنا طبيعي. أم يفترض أن أكون مثلكم؟ أسكر طوال اليوم و ألهو مع النساء و أراهن في قتال الديوك و الملاكمة؟” رد خام.
“لا تبالغ يا رجل” قال كلاوُ دون اقتناع تام، فبالرغم من أنه لا يفعل تلك الأمور إلا أن معظم رجال المخيم يفعلون “لكننا قطاع طرق ماذا تتوقع؟ أن نتأمل كالرهبان؟ هذه ليست طريقتنا.”
“لا مشكلة لدي و لهذا أنا هنا. لكنني لا أحب الضوضاء مثلكم” قال خام.
“إذًا أنت تهرب لتكون وحدك أليس كذلك؟” سأله كلاوُ مرة أخرى.
“شيء من هذا القبيل” اعترف خام مجاريًا الحديث، دون أن يكشف الحقيقة بعد رغم أنها ليست خطيرة.
“إذا كان هذا فقط فلا بأس. لكنك تعرف لماذا لا نزال هنا و لم نعد إلى المخيم الرئيسي صحيح؟” قال كلاوُ بنبرة جدية.
“لأن القائد إيب لا يثق بي بعد” رد خام.
“أجل لكنه لا يثق بك لأنك غامض” قال كلاوُ.
“لكنني لم أفعل شيئًا يثير الشك” قال خام.
“آمل أن يكون ذلك صحيحًا” رد كلاوُ دون أن يبدو مقتنعًا تمامًا.
“لا تقلق سأعود قبل حلول الظلام” قال خام محاولًا التخفيف من حدة الموقف.
“تبدو و كأنك خارج في موعد غرامي” قال كلاوُ ضاحكًا.
“موعد؟ مع من؟ نحن في وسط الغابة. أنت بنفسك قلت أن لا أحد يأتي إلى هنا إلا السكان المحليون” رد خام.
“صحيح كنت أسأل فقط” قال كلاوُ.
“اطمئن يمكنك الوثوق بي” قال خام و ربت على كتف كلاوُ بقوة ليؤكد له صدقه.
لم يتابع كلاوُ الحديث و إن بقيت نظراته تحمل شيئًا من الشك. فرغم أن النمر إيب لم يكن رجلًا صالحًا إلا أنه ربّى كلاوُ اليتيم منذ صغره و لهذا كان ولاؤه له لا يتزعزع. كان يأمل أن يلتزم خام بوعده و لا يخونهم.
—————
امتزج صوت الماء المتدفق مع أنين متقطع و خشن.
جسدان يتحركان بشغف كفرسين جامحين في معركة.
الماء البارد لم يطفئ نار الشهوة التي اشتعلت بينهما.
إيقاع اتحادهما كان عنيفًا و وحشيًا كما لو أنهما مخلوقان بريّان.
لكن سوك لم يشعر بالخوف بل كان يستقبل كل دفعة من خام بلذة كاملة.
“آه”
دُفع جسده إلى الأسفل و ارتفعت خاصرته في وضعية ساقين مفتوحتين و يداه تستندان على صخرة كي لا يسقط. أمسكه خام من خصره النحيل و راح يندفع داخله بحركات سريعة جعلت صوته يتردد بين الأشجار
“آه خام آه آه كم هو ممتع ساقاي ترتجفان”
“و أنا أيضًا يا لعين يا لك من ضيق حبي”
زمجر خام بصوته الخشن و عيناه تراقبان كيف يخترق جسد سوك حتى انسحب فجأة تاركًا مؤخرة حمراء فارغة ثم أخذ يدلك رأس عضوه و يحتكه بمدخل سوك قبل أن يصرخ “آه تبًا لك” و أفرغ سائله الأبيض الكثيف منسابًا على بشرته ثم صفعه على مؤخرته ليترك علامة حمراء واضحة.
“آه آه”
كان سوك يلهث حتى استدار خام و أمسك وجهه ليمنحه قبلة عميقة.
تلاعبت ألسنتهما معًا بشغف دون حاجة لكلمات.
لم يكن أحدهما يعبّر كثيرًا لكن أفعالهما كانت تقول كل شيء.
سلما نفسيهما لعلاقة غامضة تكررت كثيرًا في الخفاء.
لم يعرفا إن كان ما بينهما حبًا لكن سوك تخلّى عن حذره مؤمنًا بالمصير.
و كذلك خام الذي وقع في أسر نظرات سوك منذ لقائه الأول عند الشلال.
منذ تلك الليلة في الحانة لم يستطع مقاومته.
مرّت أسابيع قرابة شهرين منذ التقيا.
بعد أن هدأت عواطفهما خرجا من الماء و ارتديا ثيابهما. جلسا معًا تحت شجرة كبيرة متعانقين كأنهما لا يريدان فراقًا.
طبع خام قبلة ناعمة على رأس سوك و هو يلامس بشرته السمراء براحة يده مفكرًا بصمت
“سيعرف النمر إيب أمرنا يومًا ما فماذا سيفعل بسوك حينها؟”
“هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟” قال خام.
“و ما الذي تريد معرفته؟” رد سوك بعد صمت قصير فاتحًا الباب للكلام.
“هل تقبل أن تكون زوجًا لرجل مثلي خارج عن القانون؟” سأله خام.
“لقد تبعتك إلى الغابة و شاركتك الفراش فماذا تبقّى لتشك به؟” رد سوك.
“ألست خائفًا؟” سأله خام.
“طالما أنك معي فلا أخاف من شيء” أجاب سوك.
“لكن الحياة قاسية مليئة بالمطاردات و الاختباء” قال خام.
“لقد اعتدت على القسوة” رد سوك دون تردد.
“ماذا تعني؟” سأله خام بفضول.
“لم تكن عائلتي غنية يومًا. كنت آتي إلى الغابة أحيانًا للبحث عن أشياء أبيعها أعيش يومي بيومه. و لهذا لا أخشى شيئًا طالما أنت بجانبي” قال سوك.
“لا تخف يا سوك. لو أصبحت زوجي فلن أدعك تتألم. ربما أكون لصًا تافهًا لكنني سأحميك دومًا” قال خام.
“خام” اغرورقت عينا سوك بالدموع فدفن وجهه في صدر خام خائفًا من أن يُكشف ضعفه.
لم يكن سوك يتخيل أن علاقة عابرة ستتحوّل إلى ما يشبه الحب.
هل يحب هذا الرجل فعلًا؟ رجل لا يجب أن يحبه؟ رجل لا يمكن أن يرتبط به؟
“بالمناسبة ألم تلاحظ أن بطنك أصبح ممتلئًا قليلًا؟ و بشرتك أصبحت أكثر نعومة و تشعر بالانتفاخ” قال خام و هو يمرر يده على بطنه حتى صدره، يقرص حلمات سوك المنتفخة برفق منتزعًا منه أنينًا خافتًا “و رائحتك باتت أحلى مثل زهور الكانانغا.”
“حقًا؟ لم ألاحظ” قال سوك.
“ربما لأنك نلت الكثير من زوجك” قال خام ممازحًا.
“اللوم عليك كل مرة نلتقي لا تفكر بشيء سوى ذلك، جسمي يؤلمني كله” قال سوك و هو يضحك رغم احتجاجه.
ففي كل لقاء لم يكن يحصل على أقل من جولتين من خام.
“أنا أحبك. و من قال إنك دائمًا في وضعية واحدة؟ أنت من يطلب وضعية الكلب و حين أغيرها تغضب و تحدّق بي” قال خام ضاحكًا و هو يواصل مداعبة صدره المتورم متخيلًا كيف سيكون لو امتلأ بالحليب.
“لم أقصد ذلك و لم أنظر إليك بغضب” قال سوك محمرّ الوجه رغم كل ما عاشه معه إلا أنه لم يعتد على هذه الجرأة.
“هل هذا لك يا سوك؟” سأل خام و هو يخرج خنجرًا صغيرًا كان سوك يخفيه دون أن يعلم كيف أخذه منه.
لم يسبق لأحد أن فاجأه بهذه الطريقة.
“…”
“إنه جميل” قال خام و هو يسحب النصل من غمده ليظهر عليه نقوش دقيقة. كان خنجرًا من فولاذ أوثاي تاني مشبعًا بالسحر.
“أعطاني إياه الراهب الذي رسم لي الوشم ليحميني. هذه منطقة غرب متوحشة لا يوجد من يحكمها. الكل هنا يتوشم و يحمل السلاح. أما أنت القادم من المدينة فلا تعرف أن الناس هنا يثقون باللصوص أكثر من الشرطة” قال سوك.
ارتفعت حاجبا خام بدهشة من عبارته الأخيرة.
“ربما لكن يومًا ما سيتغيّر كل هذا” قال و هو يعيد له الخنجر.
“أنت تسألني لكن ماذا عنك؟ ألا تخاف أن تموت كلص؟” سأله سوك.
“لا لا أخاف. نولد مرة و نموت مرة هذا كل شيء. على الأقل قبل أن أموت عرفتك و احتضنتك” رد خام.
ابتسم سوك لكنه شعر بالارتياح لأن خام لم يسأله عن ماضيه.
ففي هذا العالم لا يوجد سر لا يُكتشف.
و رغم أن القليلين فقط يعرفون هوية النمر سوك الحقيقي في عالم قطاع الطرق إلا أن هذا لا يعني أن لا أحد يعلم.
—————
“خام أحتاج أن أتحدث معك”
ما إن عاد خام إلى المخيم حتى اقتاده كلاوُ إلى مكان بعيد.
“ما الأمر و لماذا كل هذا الغموض؟” قال خام بضيق.
“لأنك أنت المشكلة. أنا أعرف ما كنت تفعله” قال كلاوُ مشيرًا إليه.
“هل تبعتني؟” قال خام و هو يُشعل سيجارة بهدوء.
“طبعًا لأني لا أثق بك” قال كلاوُ بوجه جاد.
“و ما الذي اكتشفته؟” سأله خام بلا اهتمام.
“ما اكتشفته؟ أنك كنت تمارس علاقة في الغابة. بهذا المعدل ستنهار من الإعياء أيها المجنون” قال كلاوُ.
فقد لمّح فقط للحظة لكنه لم ينسَ منظر خام و هو يندفع بجنون كما لو أنه لم يستعمل جسده من قبل. و لو كانت شريكته امرأة لما بقي لها شيء!
“قلت لك إن لا شيء يدعو للقلق. يجب أن تثق بي” قال خام.
“هل تريده زوجًا؟” سأله كلاوُ فجأة.
“نعم” أجاب خام مدركًا أنه لم يعد هناك مجال للكذب.
“من أين أتيت به؟” سأله كلاوُ.
“التقيته في الحانة خلف السوق حيث كنا المرة الماضية” أجاب خام.
“متى؟ لم ألاحظ شيئًا” قال كلاوُ.
“بينما كنت منشغلًا بفتاة الليل في بيت دعارة” رد خام.
“و هل تعرف من هو ذلك الزوج الذي تنام معه؟” سأله كلاوُ بحدة.
“لماذا تسأل؟” قطب خام حاجبيه.
“أكيد لا تعرف أيها الأحمق” ضحك كلاوُ بسخرية.
“تحدث حالًا يا كلاوُ لا تختلب صبري” قال خام و قد تغيّر صوته.
“اسمه سوك صحيح؟” سأله كلاوُ.
“أتعرفه؟”
أسقط خام سيجارته و سحقها تحت قدمه و أصبح كل تركيزه عليه.
“كيف لا أعرفه! إنه النمر سوك اليد اليمنى للنمر بروانغ من سوبان بوري! لقد تم خداعك يا خام!”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!