كان الوقت قبيل تبديل نوبة الحراسة في جيش الإمبراطورية، و كان الجنود يرتجفون من البرد، منكمشين على أنفسهم حيث يقفون.
جيش الإمبراطورية في كودو كان في السابق يُعرف بحرس الإمبراطور في المدن الثماني، وكان يُعدّ الحصن المنيع لقصر الإمبراطور. مهام تافهة مثل حراسة أو مرافقة السجناء كانت دون مستواهم. لكن بعد صعود “الفيالق العظمى الثمانية” إلى السلطة، بدأت سلطتهم بالتآكل تدريجياً، حتى أصبحوا عبئاً على العاصمة كودو. تم إلغاء التدريبات العسكرية بالكامل، و تحولوا إلى مجرد خدم للعاصمة، فبات الجيش يضم أبناء أسر عسكرية عريقة، لم يخوضوا قتالاً قط، يضيعون الوقت و يتظاهرون بالانشغال.
جي تشينغتشينغ، بصفته قائدًا في الحرس الخاص ذي الزي المطرز، لم يكن من كبار الضباط في كودو، لكنه كان مثالياً لضباط جيش الإمبراطورية المكلفين بالحراسة في المعبد: مكانته عالية بما يكفي ليستحق الاحترام، لكنها منخفضة بما يكفي ليسهل التحدث معه.
و بما أنهم يطوفون الشوارع ذاتها يومياً، فهم يحرصون على حماية بعضهم. لو كان أعلى رتبة بقليل، لما تجرؤوا على التودد له بتلك البساطة. لكنه كان لطيفاً و كريماً معهم للغاية، لذا عندما جاء برفقة جي غانغ، تجاهل الجيش الأمر، وسمح له بأن يحل محل الخادم الأصلي في المعبد.
حيّا جي تشينغتشينغ الضباط المناوبين و وزّع عليهم قطع البخار الساخنة التي توقف ليشتريها في طريقه.
أما جي غانغ، فلم يكن قد خرج بعد. رأى قائد الفرقة نظرة التوتر على وجه جي تشينغتشينغ و سأله:
“أما تخشى أن تكون قد تجاوزت حدود الصلاحيات؟”
و مُتابعًا:
“إن كنتَ على عَجَلٍ يا تشينغ-جي، فما المانع أن تدخل وتُبصر الأمر بعينك؟”
و أشار إلى ضباط الجيش الذين يحرسون الباب الخلفي ليُفسحوا له المجال، و نبس بينما يلوك قطعة من الخبز:
“تشينغ-جي واحدٌ منّا. والمعبد مُطوّق من كل صوب، لا ماء ينفلت ولا ظلّ يفرّ. كيف له بالهرب.”
و لم يتردد جي، بل دخل إلى المعبد مباشرة.
كان جي غانغ جالساً تحت الإفريز في الخارج.
و عندما لمح جي تشينغتشينغ، نهض ناطقًا :
“هل حان الوقت؟”
فأجابه:
“الشمس لم تشرق بعد، جي-شو يستطيع الانتظار قليلا.”
ثم ألقى نظرة على ساحة المعبد قائلًا:
“المكان بالكاد يصلح للسكن، خصوصًا بالشتاء. سأرسل بعض الأغطية اليوم.”
لاحظ جي غانغ شروده فسأله “ما بك؟”
شين زيتشوان رفع رأسه وقال: “ذاك شياو…”
لكن تشينغتشينغ قاطعه
“لا شيء.”
ثم تردد قبل أن يقول
“صادفت السيد الصغير الثاني من آل شياو في طريقي إلى هنا.”
“شياو تشييه،” قالها جي تشينغتشينغ.
“ابن الأمير من ليبي، الأصغر. ذاته الذي رفسك. كان بالكاد قادرًا على الوقوف، وكانت رائحته تفوح بالخمر. على الأرجح كان مخمورا الليلة الماضية.”
رد جي غانغ وهو يلتفت إلى المعلم الأكبر تشي
“ما دام لم يكن شياو جيمينغ، فلا بأس. المعلم ما برح المعبد منذ عشرين سنة، فلعله لا يعرف من هم الجنرالات الأربعة الكبار حالياً. الأمير من ليبي أنجب وريثًا نادراً، ذاك شياو جيمينغ موهبة لا يستهان بها!”
ثم التفت شين زيتشوان نحو جي تشينغتشينغ متسائلًا
“تشينغ-جي، هل سألك عن شيء؟”
فكّر جي تشينغتشينغ قليلًا، ثم نبس
“سألني إلى أين أنا متوجه، فأجبته أنني أسلك طريقًا مختصرًا إلى مكتب القيادة. لكنه علّق بأن الطريق لا يؤدي إلى شارع شن وو، فاضطررت لاختلاق عذر. ظننت أن ابن أمير لن يكلف نفسه عناء تفقد أزقة العامة بنفسه.”
فتحدث جي غانغ و هو يفرك يديه بالثلج لينظفهما
“في أي أمر يخص عشيرة شياو، الحذر واجب. لا تنسَ أن تمر بالقصر لاحقًا و تضع علامة في سجل المهام.”
ثم التفت إلى تشوان إر و نطق
“حان وقت التدريب.”
لكن شين زيتشوان أوقفه بنظرة غامقة مليئة بالتوجس:
“قلت إنه زقاق عادي في حي سكني… فما الذي جاء بابن نبيل إلى هناك في ذلك الوقت؟”
تحدث جي تشينغتشينغ مع ذهول واضح
“حين تضع الأمر بهذه الطريقة… كل بيوت الترفيه في شارع دونغ لونغ، بعيد جدًا عن هذا الزقاق. والجو قارس، وكان يعاني من صداع سُكْر… فما الذي كان يفعله هناك؟”
فردّ المعلم الكبير تشي وهو يلف نفسه بستارة بالية ويستدير ليعطيهم ظهره
“على الأرجح كان يتربص. قضية شين وي تهم عشيرة شياو كثيرًا، وقد سمعنا أن شياو تشييه كان ينوي قتل هذا الصبي بركلته تلك. لكنه نجا، وبقي على قيد الحياة… كيف لا تساوره الشكوك؟”
أضاف شن زيتشوان وهو لا يزال يتذكر ألم الركلة التي تلقاها
“لو كان لا يعلم شيئًا، لما وجّه سؤالًا ثانيًا.”
“سحقًا،” شحب وجه جي تشينغتشينغ
“الخطأ ما هو الا خطئي، تساهلت في الأمر. ما العمل الآن؟ من المحتمل أنه في طريقه إلى هنا!”
لكن شن زيتشوان التفت نحو المعلم تشي متحدثًا بثقة
“لا بأس. بما أن شيان شنغ أدرك كل هذا، فلا شك أنه يملك خطة مضادة.”
في تلك الأثناء، وصل تشاو هوي إلى مكتب الحرس الخاص ذي الزي المطرز، بمفرده.
رغم أن الضابط المناوب كان في نفس رتبته، فإنه لم يجرؤ على التصرف بتعالٍ أمام الذراع اليمنى لوريث ليبي.
و إذ به قاد تشاو هوي إلى سجل المهام، قائلاً:
“ما الذي يود الجنرال رؤيته؟ هذه جداول المهام اليومية للمكاتب الاثني عشر.”
تشاو هوي لم يكن رجل مجاملات، بل تصفّح السجلات بصمت
“أقدّر جهود إخواننا من الحرس في حراسة القصر. قبل أيام، ساعدني أحد قادة الفرق، اسمه جي تشينغتشينغ. أتيت لأشكره. هل هو مناوب اليوم؟”
رد الضابط
“لدينا عدد من قادة الفرق في المكاتب الاثني عشر، أسماءهم كلها هنا.”
ثم انتقل إلى الحائط حيث تُعلَّق جداول مناوبات المكاتب، مصنّفة بوضوح.
ألقى تشاو هوي نظرة عليها.
كانت تلك السجلات محظورة على من يعمل خارج القصر، فلا يحق له لمسها.
فسأله الضابط
“ربما.. أتعرف ايها الجنرال لأي مكتب يتبع؟”
أجاب تشاو هوي
“سمعت أنه يعمل في النوبة الصباحية، لعلّه يتبع مكتب العربات، أو المظلات، أو تدريب الفيلة.”
تفحّص الضابط القوائم بعناية، وبعد لحظة التفت قائلاً
“جنرال، لا يوجد شخص بهذا الاسم مناوب اليوم. هل ترغب أن أبحث لك في مكان آخر؟”
أغلق تشاو هوي السجل برفق وقال:
“لا داعي. سأعثر عليه بنفسي.”
بدأ الفجر يشقّ طريقه إلى السماء حين غادر تشاو هوي سجل المهام. عاد أدراجه عبر الطريق، وغادر بوابة القصر. الشارع المؤدي إلى شن وو كان قد كُنس حديثًا من الثلوج، لكن الطريق ظلّ زلقًا. حاملو المحفات الذين ينقلون كبار الشخصيات كانوا يخطون بحذر بالغ، لا يجرؤون على الإسراع.
وأثناء مرور تشاو هوي بجانب إحدى المحفات، لمح لمحة خاطفة من سلاح جانبي يحمله أحد الحاملين.
كانت نظرة عابرة، لكنها كافية لجعل حاجبيه ينعقدان.
“تمهّل.”
قال وهو يوقف المحفة
“هل هذه المحفة تقلّ القائد الأعلى؟”
وبالفعل، كان الحاملون من أفراد الحرس الخاص ذي الزي المطرز.
تقدم القائد منهم بخطوة وأومأ بحدة
“إن كنت تعرف من بداخلها، فلم تعترض الطريق؟ تنحَّ جانبًا!”
لكن تشاو هوي أخرج شارة سلطته الخاصة بوريث ليبي، فخفض الحارس رأسه فورًا
“المعذرة يا جنرال!”
رفعت يدٌ رقيقة ستارة النافذة، كاشفة عن وجه فاتن.
نظرت المرأة بكسل إلى تشاو هوي، ثم أرسلت غمزة دلال إلى من في داخل المحفة قائلة:
“رجل يسأل عنك يا سيدي!”
كان جي لي قد قضى الليل بأكمله في الشرب، مستلقياً داخل المحفة بكل استرخاء، ساقاه متباعدتان في راحة تامة.
ناداه قائلاً:
“الجنرال تشاو! هل من أمر؟”
ثبت تشاو هوي نظره على الحارس الذي كان يتقدم المحفة، ثم أجاب
“لا شيء. سمعت أن سيدنا الصغير خرج للشرب معك الليلة الماضية. هل عدت للتو؟”
ضحك جي لي بصوت مرتفع:
“أه، قلقك على السيد الصغير الثاني واضح! لكنه كان قد انسحب عائدًا إلى المنزل قبل حتى أن أفتح عيني هذا الصباح. هل وريث ليبي يبحث عنه؟”
فأجاب تشاو هوي وهو ينحني:
“القلق وحده يأكلني، لا أحد غيري. أعتذر على الإزعاج، يا سموّك.”
“لا بأس!”
قال جي لي وهو يشير بيده باستخفاف
“أنا نفسي عدت تواً.”
ثم نظر إلى حرسه وقال بنبرة آمرة:
“من الذي تجرأ وردّ على الجنرال؟ ليعتذر فورًا.”
ركع الحارس القائد على ركبة واحدة و بدأ يعتذر
“هذا الخادم الحقير، جي تشينغتشينغ، لم يعرف الجنرال، و أعترف بخطئي. أنا مستعد لتلقّي العقوبة!”
كان تشاو هوي على حق. الاسم المحفور على شارة السلطة المعلقة إلى جانب غمد سيف الحارس كان بالفعل ‘جي تشينغتشينغ’.
“لا تستطيع الفهم؟” قال شياو تشييه وهو يقلب صفحة من النص الورقي بين يديه.
“لا.”
كان تشاو هوي يرفع تقريره بينما شياو تشييه متمدّد أمامه، إحدى ساقيه مرفوعة، يقرأ بلا اهتمام ظاهر.
“يبدو أنه لم يكذب،” قال تشاو هوي.
“فقد كُلّف فقط باصطحاب جي لي قبل دخول القصر هذا الصباح.”
“نعم،” أجابه شياو تشييه ببرود،
“جناح تشينغجون قريب بما فيه الكفاية، كان من الممكن الوصول في الوقت المحدد.”
لكن تشاو هوي ظل متوتّرًا بينما يفرك مقبض سيفه بإبهامه.
“رغم ذلك… هناك أمر لا يريحني.”
اعتدل شياو تشييه فجأة، جلس متربعًا واضعًا يده على ركبته
“دعني أقول لك لماذا. أنت دخلت العاصمة برفقة أخي، و كان في استقبالكما جلالة الإمبراطور شخصيًا. كل المكاتب الاثني عشر للحرس الخاص ساروا خلفكما في موكب احتفالي. كيف يعقل ألا يتعرف عليك؟”
رد تشاو هوي “ربما لم يتذكّرني.”
شياو تشييه نطق
“أنت ترتدي نفس الزي و تحمل سيفك ذاته. حتى لو لم يتعرف عليك، لو فكّر قليلًا، لكان أدرك أنك شخص مهم، و لما تجرأ أن يُخاطبك بتعالٍ وسط الشارع. ثم… لا أظنه ضعيف الذاكرة إطلاقًا، فقد تعرّف إليّ بسهولة.”
هزّ تشاو هوي رأسه مفكرًا و نبس “بصراحة، بدا لي لقاؤنا به صدفة مريبة.”
ابتسم شياو تشييه بسخرية ورمى النص من يده
“صدفة مدروسة بإتقان. هذا شين…”
“شين زيتشوان،” أكمل تشاو هوي نيابة عنه.
نظر شياو تشييه إلى الفراغ بنظرة حذرة قائلًا “تركه يدخل معبد الاعتراف بات يبدو خطوة خاسرة.”
في مكان آخر، خلع جي تشينغتشينغ ياقة الفرو عن رقبته، ومسح العرق المتصبب من عنقه.
دخل شين زيتشوان مسرعًا و على وجهه تعابير الامتنان:
“شكراً، شكراً لك! تشينغ-جي، لولاك لما نجوت!”
ردّ جي ببساطة
“لا داعي، كلنا إخوة هنا.”
___
ابتسم وو بينما هو يصرخ باتجاه موظف السجل
“لاو-شو! دوّن اسم تشينغ-جي في السجل. هو من قام بحمل المحفة بدلاً مني هذا الصباح. أصبت بنزلة برد الليلة الماضية، و حين استيقظت كنت أشعر بدوار برأسي. الحمد لله أن تشينغ-جي كان موجود!”
قال جي و هو يمسح جبينه:
“طالما أنك مريض، فلنذهب لاحقًا إلى كشك عائلة شو و نتناول شوربة لحم الضأن.”
هتف وو بحماس:
“بطبع! على حساب تشينغ-جي! سمعت يا لاو-شو؟ نذهب جميعا معًا!”
ضحك جي تشينغتشينغ وربت على ظهره
“لا تتعجل. ارتح قليلاً أولًا. و إذا بك تتعب مرة أخرى، لا تتظاهر بالقوة. أخبرني فورًا.”
هزّ وو رأسه كجرو صغير، و كان جوعه لشوربة الضأن عظيمًا لدرجة أنه كان ليوافق على أي شيء.
في تلك الليلة، حصل المعلم الكبير تشي أخيرًا على لحاف سميك يدفي عظامه القديمة.
كان جالسًا دافئًا قبالة شين زيتشوان.
“خلال نصف شهر، سيحلّ مهرجان الربيع. كودو ستستضيف مأدبة مسؤولي البلاط، و سيأتي مسؤولو المقاطعات لتقديم تهاني العام الجديد. و أنا لا أعرف شيئًا عن أوضاع البلاد الحالية، فعليك أن تُطلعني.”
كان شين زيتشوان واقفًا في الثلج، لا يرتدي سوى طبقات رقيقة، ممسكًا بوضعية البداية في أسلوب جي للملاكمة.
رغم البرد، كان جبينه يتصبب عرقًا.
قال
“أمير ليبي يعاني من ضعف في صحته منذ سنوات، لذا ورث وريثه شياو جيمينغ مسؤولية القيادة العسكرية. الأمير نفسه غالبًا لن يحضر هذا العام. أما المقاطعات الخمس في تشيدونغ، فقد أبلت بلاءً حسنًا في إنقاذ كودو. و كان أول من وصل منهم وتسلّم لقبه الجديد هو أحد الجنرالات الأربعة، لو غوانغباي. ومن المفترض أن يصل القائد تشي خلال أيام. أي أن اثنين من أقوى القيادات العسكرية في تشو العظمى سيقيمان مؤقتًا…”
“تمهّل.”
قال المعلم تشي وهو يخرج عصاه التأديبية من تحت اللحاف “من هم هؤلاء الجنرالات الأربعة؟”
ردد شين زيتشوان بصوت هادئ
“حصان حديدي فوق جليد النهر، شياو جيمينغ؛ دخان منارات ورمال مرتفعة، لو غوانغباي؛ عاصفة في السهول المحترقة، تشي تشو يين؛ رعد على شرفات اليشم، زو تشيان تشيو.”
تأمّل المعلم تشي للحظة، ثم نطق
“لم أسمع سوى بزُو تشيان تشيو. أما لو غوانغباي، فلا بد أنه ابن الكونت لو بينغيان من بيانشا. لو بينغيان ذهب لحماية صحارى مقاطعة بيانجون لاحقًا، لكنه نشأ في ليبي، فقد كان الأخ المُقرّب لأميرها شياو فانغشو. لو كان للو غوانغباي أخت، فلا شك أنها تزوجت في عائلة شياو، أليس كذلك؟”
“نعم،” قال شين زيتشوان وهو يتصبب عرقًا،
“أخت لو غوانغباي الصغرى هي زوجة شياو جيمينغ.”
رفع المعلم الكبير تشي حاجبه قائلًا
“إن كان الأمر كذلك، فلم تصفهما بأنهما قوتان عسكريتان منفصلتان؟ عشيرة لو قد لا تكون سوى بذرة زرعتها ليبي في تربة تشيدونغ. الفروع هذه أكثر تشابكًا مما تبدو عليه.”
ثم أضاف
“ولا تنسَ أن كودو لا تزال تملك الفيالق العظمى الثمانية، وتحتها جيش الإمبراطورية. صحيح أن تلك الفيالق لا تضاهي أعداد جيوش ليبي و تشيدونغ، و لا سُمعتها القتالية، لكن تذكّر… كودو هي قلب تشو النابض. وهذه القوات تمسك بروح الإمبراطورية بين قبضتيها.”
أدار المعلم عصا التأديب بين يديه، ثم التقط قرعة النبيذ وارتشف منها ليُدفّئ نفسه، و تابع.
“تذكّر هذا أيضًا: رغم أن الحرس الخاص ذي الزي المطرز ليسوا جنودًا فعليين، إلا أنهم أكثر كفاءة من أي جيش اعتيادي. حين يصدر الإمبراطور أوامره، يحتاج إلى قادة أكفاء. و القائد في ساحة المعركة لا بد أن يتحلى بالحنكة، و أحيانًا قد يضطر لمخالفة أوامر سيده. إن شددت الخناق عليه، عرقلت حركته. و إن أرخيت الحبل، خلقت وحشًا جامحًا. تحقيق التوازن بين الاثنين يحتاج إلى حاكم يعرف متى يلين و متى يشتد.”
ثم مالت نبرته بعض الشيء
“لكن الحرس الخاص مختلفون. إنهم كلاب مفترسة تقف عند قدم العرش، و سلسلتهم في يد الإمبراطور وحده. هو من يقرر إن كان يشدّها أو يرخّيها، يدلّلهم أو يرميهم… كل ذلك تبعًا لمزاجه. مثل هذا السيف، مثل هذه الكلاب*… لو كنت مكانه، أما كنت ستفضّل امتلاكهم؟”
(*تعبير مجازي؛ يقصد به تمامًا كما يمسك الإمبراطور بسيف حاد لا يُناقش، و يمتلك كلابا مفترسة يُطلقها أو يقمعها متى شاء، كذلك هم الحرس الخاص… أدوات مطيعة، خطيرة و مخلصة في آن واحد، لكنه وحده من يتحكم بها.)
ظلّ شين زيتشوان متصلبًا في وضعه القتالي للحظة، ثم أجاب بصوت متعب
“بلى، كنت سأُدلّلهم… لكن هذا الإفراط في الثقة و العناية لا بد أن يجرّ المتاعب.”
ابتسم المعلم الكبير
“لقد ربّاك أخوك جيدًا. هذا صحيح تمامًا. احفظ هذه الجملة: ‘الإفراط في الحظوة يولّد البلاء.’.”
ثم تابع
“أن تُقرّب الصالحين وتُبعد المتملقين هو مبدأ جميل على الورق. لكن حين تدخل لُبّ المعمعة، حين يختلط النور بالظلام، هل تستطيع أن تميّز الصالح من الماكر؟ هناك أمور لا يقدر عليها الرجل الصالح، لكنها في متناول يد الوضيع الداهية.”
ثم تنهد مستكملًا
“الإمبراطور يسكن أعماق القصر الإمبراطوري، و يجب أن يفهم لعبة التوازن، و يصغي لأصوات الوزراء المختلفة. لا شيء ينقسم بوضوح. فكما أن ليبي تقترن بتشيدونغ، كذلك الحرس الخاص يُقابلهم مستودع الشرق.”
توقف للحظة
“كل ماء إذا فاض، لا بد أن ينسكب، وكل بدر إذا اكتمل، لا بد أن يبدأ في الأفول. أخبرني، لماذا تكنّ عشيرة شياو كل هذا الحقد لشين وي؟ هل ترى؟ لم يعد هناك شرف أعظم يمكن منحه لهم بعد ما حدث في تشونغبو. حتى لو خاضت عشيرة شياو حربًا أخرى، فكل هزيمة ستكون خسارة، و كل نصر أيضًا سيكون خسارة. لقد وصلوا إلى طريق مسدود.”
رفع شين زيتشوان حاجبه بتعجّب
“كيف عساه النصر ان يغدو أيضًا خسارة؟”
أجابه المعلم
“نعم! ألم يفقد شياو جيمينغ أخاه الأصغر لصالح كودو فور انتصاره في المعركة؟ و كل معركة يكسبها في المستقبل، ستزيد من خطر خسارته. هذه المرة قدّم أخاه، المرة القادمة قد تكون زوجته… أو والده… أو ربما نفسه.”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!