تاركاً وراءه تلك المرأة التي استمرت في مراقبته خلسةً بعد أن ردت تحيته المرتبكة، واصل “لي وون” سيره بنشاط نحو العنوان المكتوب في الورقة. وبعد أن سار وحيداً لفترة في ذلك الطريق الريفي الهادئ، وصل أخيراً إلى وجهته.
طرق الباب بخفة، وبعد برهة، جاءه الرد: «مَن الطارق؟».
تَبِع صوتَ الخطواتِ صوتُ رجلٍ عجوزٍ يرتجفُ قليلاً. وبينما كان ينتظر خروجه إلى الباب الأمامي، بدأ قلب “لي وون” يخفق بحذر؛ فلطالما كان يُخفق في الوصول إلى غايته طوال الوقت، وهذه كانت أول بصيص أمل يعثر عليه بعد سبع سنوات عجاف. ربما يظفر بشيء هذه المرة.
فُتح الباب مع رنين جرسٍ صغير، ليظهر وجه عجوز غطت التجاعيد ملامحه، وهو يواجه “لي وون” من خلف عتبة الباب المتهالكة. ابتسم “لي وون” بإشراق، وألقى عبارته المعتادة التي لطالما رددها:
«مرحباً، اسمي “لي وون جونغ”، أنا محامٍ».
أخرج “لي وون” بطاقة تعريفه وقدمها للعجوز الذي نظر إليها بتوجس، ثم أردف قائلاً:
«هل أنت السيد “سيبرنيك”؟».
«نعم، أنا هو».
ولأنه كان لا يزال يرمقه بعين الشك، أجاب “لي وون” بنبرة هادئة ومشوبة بالتوتر:
«لقد جئت إلى هنا لأنني أردت الاستفسار عن أمر ما. هل صادف أن عرفت امرأة كورية أقامت في هذا المنزل منذ حوالي ثلاثين عاماً؟ اسمها “جونغ سو-يون”».
رمش العجوز بعينيه دون استيعاب في بادئ الأمر، وفجأة بدت عليه علامات المفاجأة بعد صمتٍ دام لثوانٍ؛ حينها بدأ قلب “لي وون” يخفق بعنف.
يا للأسف!
لم يعد “لي وون” إلا في ساعة متأخرة من الليل بخطوات واهنة ومرتجفة؛ فقد كان هذا الخيط الوحيد الذي عثر عليه بشق الأنفس.
تذكر العجوز والدته، لكن ذاكرته لم تسعفه بأكثر من ذلك؛ “سيدة كورية حقيقية ورائعة”، هذا كل ما قاله. كان من الصعب استخلاص المعلومات التي يبتغيها منه، فهو بالكاد تذكر أنها غادرت المكان فجأة ذات يوم.
أبدى العجوز أسفه لعدم قدرته على مساعدة “لي وون” الذي بدا عليه الإحباط بوضوح، وعرض عليه أن يبحث عن فتاة من القرية كانت مقربة من والدة “لي وون” في ذلك الوقت. وبالطبع، كان من الصعب تقفي أثرها لأنها غادرت القرية منذ زمن بعيد، لكنه وعده بالتحري عنها وأمسك يد “لي وون” بقوة مشجعاً إياه.
«إلى هنا إذن..»
تنهد “لي وون” من جديد؛ فحتى العثور على منزل هذا العجوز تطلب جهداً مضنياً. قلة من الناس يتذكرون ما حدث قبل ثلاثين عاماً، وغالباً ما تتلاشى آثارهم بعد العثور على طرف الخيط. على أية حال، لم يكن أمامه الآن سوى انتظار اتصال من العجوز. نقطة أخرى تُضاف لسلسلة انتظاره.
هز كتفيه عاجزاً عن مداراة شعوره بالفراغ. انطفأت أنوار المقهى، ويبدو أن الجدة صاحبة المكان قد آوت إلى فراشها مبكراً.
دخل “لي وون” من الباب الخلفي بحذرٍ شديدٍ كي لا يوقظَ الجدة، واستبدل حذاءه المغبر بخُفَّين منزليين. لم يعد يملك ذرة طاقة لفعل أي شيء اليوم.
«هيا، اغسل وجهك ونم فحسب».
حدث نفسه بذلك وهو يصعد الدرج الخشبي الذي يصرُّ تحت وطأة خطواته، مستجمعاً ما تبقى من أنفاسه. وبعد أن فتح الباب بصعوبة بسبب القفل الذي لا يزال يعانده، توقف “لي وون” فجأة بمجرد دخوله.
كان هناك شيءٌ ملقىً على الأرض؛ لم يكن هناك ما يريب في ذلك المظروف الذي دسه أحدهم عبر شق الباب. التقطه ومزقه، ثم ترنح نحو السرير ليرتمي بجسده المنهك.
راودته فكرة التدخين بشدة، لكن لسوء الحظ لم تبقَ معه سيجارة واحدة؛ فقد استهلك علبة كاملة في طريق عودته. وبينما كان يتفحص ما بداخل المظروف الرفيع بتنهيدة مريرة، عقد حاجبيه فجأة بذهول.
«… ما هذا؟»
كل ما وجده بالداخل هو تذكرة واحدة. حدق “لي وون” في تذكرة عرض باليه بمسرح “البولشوي”، وعلى وجهه علامات الحيرة. كانت تذكرة واحدة فقط لعرض ليلة الغد. ما خطب هذا؟
وبعدها، عثر “لي وون” على بطاقة عمل رقيقة داخل المظروف، وسرعان ما استوعب الموقف.
ـ قيصر.
بينما كان يتفحص بطاقة العمل ذاتها التي استلمها سابقاً، تذكر أنَّ غداً هو الموعدُ النهائيُّ الذي حُدِّدَ له. هل سيُدلي بإجابتِهِ هناك؟
«ما الذي يخططُ له ليأتيَ إلى هنا ويتركَ تذكرةً فحسب؟»
أعادَ “لي وون” النظرَ إلى التذكرةِ بتعابيرَ مضطربةٍ، ثم أعادها إلى المظروفِ وتركها على الطاولةِ. لم تكن لديهِ أدنى رغبةٍ في مشاهدةِ العرضِ، لكن لم يكن هناكَ سببٌ يمنعُهُ من مواجهةِ الرجلِ؛ فسواءٌ وافقَ قيصرُ أم لا، فقد أعدَّ كلاهما خطتَهُ.
«فلنحرصْ على ألا نهدرَ وقتَ بعضنا البعضِ».
فكرَ “لي وون” في ذلكَ، ثم استحمَّ سريعاً واستلقى للنومِ، واضعاً عناءَ عملِهِ الشاقِ جانباً.
6
بعدَ انقضاءِ الليلِ، عادَ الطقسُ الباردُ لفرضِ سطوتِهِ مجدداً، وأخذتِ السماءُ تلبدُ بالغيومِ الداكنةِ. أحكمَ “لي وون” إغلاقَ ياقةِ معطفِهِ، وبالكادِ استطاعَ الوصولَ إلى وجهتِهِ وسطَ الرياحِ العاتيةِ. حتى القطارُ، الذي كانَ يتعطلُ مراراً، توقفَ في محطتينِ بعيدتينِ، وكانَ انتظارُ القطارِ التالي بمثابةِ تعذيبٍ حقيقيٍّ. كزَّ على أسنانِهِ وركضَ بجنونٍ في الشوارعِ التي بدا عبورُها كأنَّهُ يستغرقُ فصولاً كاملةً.
«أهلاً بكَ».
حينَ وصلَ “لي وون” أخيراً، كانَ يلهثُ بجهدٍ وأكتافُهُ ترتجفُ ووجهُهُ محتقنٌ من البردِ. ألقى تحيةً مقتضبةً بمجردِ دخولِهِ وتركَ معطفَهُ عندَ المدخلِ، وحينها فقط بدأَ يستعيدُ حواسهُ. أخذَ يتفحصُ أرجاءَ القاعةِ بينما شعرَ بدماغِهِ، الذي تجمدَ من الصقيعِ، يبدأُ بالتحررِ والحركةِ شيئاً فشيئاً.
كانَ المَسرحُ، بِعظمتِهِ الضاربةِ في جُذورِ التاريخِ، يَغصُّ بالزوارِ الذينَ تَوافدوا لِمُشاهدةِ العرضِ. هل يُمكِنُ العثورُ على الرجلِ وسطَ هذا الحشدِ المُتجمهرِ بِمَلابسِهِم الرسميةِ الفاخرةِ؟
كانَ القلقُ مُجردَ سحابةٍ عابرةٍ؛ فبِجولةٍ بصريةٍ سريعةٍ في الرواقِ، عَثرَ “لي وون” على الرجلِ على الفورِ. كانَ مظهرُهُ وهو يَجلسُ واضعاً قدماً فوقَ أخرى على أريكةٍ جانبيةٍ، مُستغرقاً في قراءةِ كُتيبِ العرضِ، بارزاً لِدرجةٍ تَلفتُ الأنظارَ. كانت حركاتُهُ، وهو يُقلبُ الصفحاتِ ببطءٍ، توحي بِبرودٍ شديدٍ يجعلُ المرءَ يتنهدُ ارتباكاً.
بَدلةٌ ذاتُ لونٍ بنيٍّ داكنٍ بِقصةٍ مثاليةٍ تُعانقُ جسدَهُ، كانت خياراً بسيطاً لكنَّهُ يفيضُ بالنبُلِ، بَينما كانَ مِشبكُ ربطةِ العنقِ الماسيُّ المتألقُ، ورَبطةُ العنقِ الأنيقةُ، يَحكيانِ القصةَ الكاملةَ لِمكانةِ هذا الرجلِ. استطاعَ “لي وون” رؤيةَ المارةِ وهم يَختلسونَ النظرَ إليهِ بِفضولٍ جامحٍ.
كيفَ ستتغيرُ ردةُ فعلِ هؤلاءِ لو علموا أنَّ هذا الرجلَ ليسَ إلا زعيمَ “مافيا”؟ تملَّكَ الفضولُ “لي وون”، لكنَّهُ لم يجدْ جواباً. ودونَ إضاعةٍ للوقتِ، اقتربَ منهُ مباشرةً. وحينَ توقفَ أمامَهُ تماماً، سكنتْ يدُ الرجلِ التي كانت تُقلبُ الصفحاتِ. فتحَ “لي وون” فاهُ ليتحدثَ وهو يَرمقُ شعرَهُ الذهبيَّ الذي يتلألأُ تحتَ أضواءِ القاعةِ الداخليةِ.
«السيدُ قيصرُ».
رفعَ الرجلُ نظرَهُ نحو الصوتِ الهادئِ. والتقتْ عينا “لي وون” بتلكَ العينينِ الرماديتينِ الداكنتينِ، اللتينِ تُذكرانِ المرءَ بِسمواتٍ مُثلجةٍ وعواصفَ قطبيةٍ لا تنتهي. لم يُبدِ الرجلُ أيَّ ردةِ فعلٍ.
أغلقَ الكُتيبَ وابتسمَ لوهلةٍ قصيرةٍ: «تعالَ».
تشتتَ ذهنُ “لي وون” لِلحظةٍ بسببِ تلكَ الابتسامةِ غيرِ المتوقعةِ؛ فقد كانت ابتسامتُهُ الرقيقةُ بريئةً على نحوٍ مُباغتٍ، مِمَّا أثارَ ريبتَهُ رُغمَ عِلمِهِ المُسبقِ بأنَّ هذا الرجلَ ليسَ إلا قيادياً في واحدةٍ من أكبرِ مُنظماتِ المافيا.
كيفَ لِرجُلٍ كَهذا أن يَمتلكَ ابتسامةً بِمثلِ هذهِ البراءةِ؟
فقدَ “لي وون” اتزانَهُ لِثانيةٍ وهو يَرمقُهُ، ولِحُسنِ الحظِّ، انكسرَ مفعولُ ذلكَ السحرِ سريعاً؛ ففي اللحظةِ التي نهضَ فيها قيصرُ، ألقى ظلُّ جسدِهِ الضخمِ بظلالِهِ على “لي وون”، مِمَّا جعلَهُ يَستفيقُ فجأةً ويُدركَ الواقعَ. استعادَ “لي وون” ثباتَهُ وفتحَ فاهُ بنبرةٍ لم تختلفْ عن عادتِهِ:
«أجبني الآنَ».
في تلكَ اللحظةِ، رنَّ الجرسُ مُعلناً بدءَ العرضِ. وحينَ التفتَ “لي وون” برأسِهِ لا إرادياً، نطقَ قيصرُ وهو يَنظرُ باتجاهِ قاعةِ العرضِ:
«سيبدأُ العرضُ قريباً، هيا بِينا».
«أرجو مَعذرتكَ؟»
تَوقفَ “لي وون” مَذهولاً أمامَ هذا التعليقِ غيرِ المتوقعِ، غيرَ أنَّ قيصرَ لم يَترددْ إطلاقاً؛ إذ أمسكَ بكتيبِ العرضِ المَطويِّ في يدٍ، وبِذراعِ “لي وون” باليدِ الأخرى. تَصلبَ “لي وون” حينَ قُبِضَ على ذراعِهِ فجأةً، لكنَّ قيصرَ لم يَمنحْهُ فُرصةً للترددِ واقتادَهُ بَعيداً بَينما كانَ “لي وون” يَنجرفُ مَعَهُ رغماً عنهُ.
«انتظرْ، لقد جئتُ لآخذَ جَواباً فقط، لا أنوي مُشاهدةَ العرضِ».
«سأعطيكَ الجوابَ حينَ تَرى العرضَ».
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!