الفصل الرابع: إرث الأم
بعد أن وضع لينغ تشانغ قطعة اليشم في يد الراقصة، كان ينوي العثور على مكان يختبئ فيه ويستمتع بمشاهدة ما سيحدث. لكنه ما إن استدار حتى اجتاح رأسه ألم حاد ومفاجئ. كان الألم شديدًا إلى درجة أنه غمر وعيه، وأصبحت رؤيته مشوشة، حتى إنه ترنح وكاد يسقط أرضًا.
«ما… ما الذي يحدث؟» تمتم لينغ تشانغ وهو يضغط بقوة على جبينه. «لماذا يؤلمني رأسي بهذا الشكل؟»
والأسوأ من ذلك أن بصره أخذ يزداد ضبابية شيئًا فشيئًا، حتى إنه لم يعد قادرًا على رؤية الطريق أمامه.
ارتعب لينغ تشانغ وأصابه الذعر.
«لقد أُتيحت لي فرصة نادرة لأُبعث من جديد وأنتقم من عائلة جيا. كيف يمكن أن أفقد وعيي هنا وأكرر مأساة حياتي السابقة؟»
لا… مستحيل!
شدّ على أسنانه بقوة وهو يلهث لالتقاط أنفاسه، وقاوم بكل ما لديه كي لا يسقط، ثم ترنح حتى وصل إلى زاوية نائية. وعندما تمكن أخيرًا من الاحتماء في مكان مخفي، كان جسده قد غرق بالعرق.
وما إن جلس متكورًا في مخبئه حتى لم يعد قادرًا على المقاومة، وفقد وعيه.
بعد إغمائه، لم يجد راحة، إذ اندفعت إلى ذهنه كميات هائلة من المعارف الغريبة: تشكيلات المتاهات الصغيرة، والفخاخ القاتلة، وفخاخ الإخفاء، والفخاخ الوهمية…
شعر لينغ تشانغ بغرابة تجاه تلك المعارف. فقد بدت مألوفة للغاية، لكن ذكرياته عنها كانت ضبابية في الوقت نفسه. وكأنها كانت مدفونة في أعماق عقله، ثم خرجت دفعة واحدة لتفرض عليه استيعابها من جديد.
بعض الفخاخ كانت مرسومة على الورق بخطوط طفولية بريئة، وبعضها رُسم بينما كانت يد شخص آخر تمسك بيده وتوجهها، وبعضها الآخر كان ذكريات عاشها بنفسه عندما تُرك داخل متاهة صغيرة، فظل يبكي لأنه لم يستطع العثور على طريق الخروج.
من الذي علّمه كل ذلك؟
كان صوت ذلك الشخص تارةً رقيقًا حنونًا، وتارةً صارمًا وحازمًا، لكنه كان مألوفًا إلى درجة جعلت الدموع تكاد تنهمر من عينيه. وبدأ دفء العائلة وحنانها يتسللان إلى قلبه ببطء.
ثم تذكر…
لقد كان صوت أمه.
«كم مضى من الزمن منذ آخر مرة سمعت فيها صوت أمي؟»
منذ أن توفيت والدته بسبب المرض، ثم اختفى والده، لم يذق بعدها دفء الأبوين أو رعايتهما مرة أخرى.
كان لا يزال يتذكر أنه بعد وفاة والدته، تركت وراءها كتبًا كثيرة في غرفة الدراسة، وكان معظمها يتحدث عن الفخاخ والتشكيلات. لكن والده أحرقها جميعًا لاحقًا، مدعيًا أن تلك الكتب هي التي أودت بحياتها، وأنها كانت نذير شؤم.
وبعد أن أحرق تلك الكتب، اختفى والده أيضًا.
وخوفًا من أن يغرق لينغ تشانغ في الحزن، أوصى جده وعمه جميع أفراد الأسرة بألا يذكروا والديه أمامه إلا نادرًا. ومع مرور الوقت، لم يعد أحد يتحدث عنهما، وشيئًا فشيئًا نسي لينغ تشانغ ما كانت والدته قد علمته إياه عن الفخاخ والتشكيلات، خاصة بعد أن بدأ يتلقى تعليمه الرسمي.
ماذا لو أصر على تعلم تلك المعارف وحفظها؟
هل كانت عائلة لينغ ستصبح أقل عجزًا في حياته السابقة؟
على الأقل، كان سيتمكن من فعل شيء ما. ولو حدث ذلك، أكان من الممكن أن يتغير كل شيء؟
فقد اختبر بنفسه قوة المتاهة الصغيرة التي أنشأتها والدته. ولو كان يعرف حينها كيفية استخدام تلك الفخاخ، فربما كان سيمنح عائلة لينغ فرصة للهرب.
لكن…
لا وجود لكلمة «لو».
فالمأساة التي وقعت في حياته السابقة قد حدثت بالفعل، ولن يسمح لها بالتكرر في هذه الحياة.
وبهذا العزم، بدأ لينغ تشانغ يسترجع في ذهنه كل ما يتعلق بالفخاخ والتشكيلات، جزءًا بعد جزء، حتى نقش تلك المعارف بعمق في ذاكرته بكل ما أوتي من قوة.
وبدا له وكأن زمنًا طويلًا قد مضى قبل أن يستوعب كل شيء ويحفظه تمامًا.
لكن في الحقيقة…
لم تمر سوى أقل من عشر دقائق.
كان الحديقة في الخارج لا تزال هادئة، لكن لم يمض وقت طويل قبل أن يأتي أحد.
فتح لينغ تشانغ عينيه وخرج من مخبئه، وقد أصبحت نظراته أكثر عمقًا وثباتًا.
«جئت في الوقت المناسب تمامًا… ربما عليّ أن أزيد النار اشتعالًا، ليصبح العرض أكثر إثارة.»
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!