حقوق الترجمة محفوظة للمترجمة:
♪يـــاكـــيـــرا♪
—
تبدد الصمتُ الموحشُ الذي كان يُطبِق على الرواق إثر وقع خطواتٍ صاخبة ومتسارعة كان رجلٌ يركض بجنون حتى انحبست أنفاسه في حنجرته، و ما إن بلغ الغرفة القابعة في أقصى الممر حتى اندفع داخلها دون طرقٍ أو استئذان و في الداخل، كان هناك صبيٌّ غارقٌ في نومٍ عميق، غافلاً عمّا يدور حوله في هذا العالم.
هُرع الرجل، الذي شحب وجهه حتى غدا كلوح ثلج، نحو السرير، وقبض على جسد الصبي وهزّه بعنفٍ وقسوة و بينما كان الصبي يفرك عينيه المثقلتين بالنوم، صرخ الرجل بيأسٍ لاهث: “يـ.. يوهان، اهرب! بسرعة! إنهم قادمون إلى هنا الآن!”
رمش الصبي بعينيه بذهول، وسأل بصوتٍ لا يزال يغالبه النعاس: “أشخاص؟ مَن…؟”
زفر الرجل زفرةً حارقة تفيض بالحنق، وأردف على عجل: “ومَن غيرهم؟! إنهم قادمون لاقتناصك! استفق يا فتى، انهض!”
“أنا؟ و لكن لماذا.. لماذا؟”
حدّق الرجل في يوهان المذعور بنظرةٍ تملؤها قلة الحيلة، وأجابه بنبرةٍ يكسوها الذهول: “لأنك أوميغا!”
اتسعت عينا يوهان، و خانته الكلمات أحكم الرجل قبضته على ذراعه و جرّه بقوة و هو يتابع: “سأقوم بصدّهم هنا قدر استطاعتي، لذا انطلق الآن! لقد أعددتُ لك خادماً في الخارج، سيأخذك إلى مكانٍ آمن. توارَ عن الأنظار هناك مؤقتاً.. فإذا أُلقي القبض عليك، فستكون تلك هي النهاية لكل شيء. أتفهم؟”
“و لكن…”
أراد يوهان أن يسترسل في أسئلته، بيد أن الوقت لم يكن في صالحه. سحبه الرجل خلفه وهو يقول بحدة: “لا وقت لهذا الجدال! أي ترددٍ الآن يعني ضياع فرصتك الوحيدة. عليك بالهرب.. الآن!”
دون برهةٍ واحدة للتفكير، سُحِل يوهان إلى الخارج. وبينما كانا يهمّان بالنزول من الدرج، كانت قطة المنزل المستيقظة تقتفي أثرهما.
«ريغال!»
التقط يوهان القطة بسرعة بين ذراعيه. نقر الرجل بلسانه ممتعضًا، لكنه عاد ليمسك بيد الفتى مجددًا ويندفع به للأمام.
في الخارج، كان الخادم الذي أعدّه الرجل بانتظارهما، وبصحبته عربة محملة بشتى البضائع. دفع الرجل يوهان نحوها قائلاً: «هيا، اصعد. ابقَ في سايد.»
كانت سايد واحةً نائية تبعد كثيرًا عن القصر؛ بقعة معزولة لا يعلم بوجودها إلا قلة قليلة، كونها جزءًا من أملاك العائلة الخاصة، ولم يكن لغريبٍ قط سببٌ لزيارتها. لذا كانت الملاذ الأكثر أمانًا للاختباء. لكن يوهان… … لم يطاوعه قلبه على الرحيل بهذه السهولة.
«أنت… أتريدني أن أبقى هناك وحيدًا؟»
حين رأى الرجل وجه يوهان الشاحب والذعر ينهش ملامحه، سارع بتهدئته: «بمجرد وصولك إلى الصحراء، لن يجرؤوا على مطاردتك. الأمر مؤقت فحسب، ريثما تهدأ العواصف. فكر في الأمر؛ لو بقيت هنا وأُلقي القبض عليك، ما الذي سيحدث برأيك؟ وماذا عن العائلة؟ إذا علم الناس أن الوريث قد تجلّى كـ (أوميغا)، وأننا تسترنا على الأمر…»
صمت فجأة، وكأن مجرد الفكرة تصيبه بالغثيان، ثم استطرد: «ستتحطم العائلة، ولن تسلم حتى قبور والديك. سيقومون بنبشها وانتهاك حرمتها دون تردد.»
بعد أن ألقى في قلبه كل هذا الرعب، لانت نبرة الرجل قليلًا وهو يرمق يوهان الذي انكمش على نفسه بعجز: «و ماذا عنك أنت؟ لو أُخذت و حدث لك مكروه، كيف سأواجه أخي وزوجته اللذين رحلا قبلي؟ أليس كذلك؟ اختبئ الآن فقط، و سأعيدك حين يحين الوقت. وحتى ذلك الحين، ابقَ بعيدًا عن الأنظار… اتفقنا؟»
وتحت وطأة إلحاحه المتكرر، أومأ يوهان أخيرًا برأسه. «أجل، يا عمي.»
«جيد، هذا هو الصواب.»
ربّت الرجل على رأس يوهان و رغم صعوده إلى العربة كما أُمر، ظل التخبط يسيطر على يوهان؛ فلم يمضِ سوى ستة أشهر على تجلّيه، فكيف اكتشفوا الأمر بهذه السرعة؟ وهو الذي لم يكد يخطو قدمًا خارج المنزل خوفًا من الانكشاف.
«لا تقلق، فبمجرد أن أتمّ الاستعدادات، سأعيدك سالمًا ألم تعدني بأنك ستصون وصية والدتك الأخيرة؟ أتذكر ذلك؟»
تردد يوهان للحظة، ثم أجاب بصوتٍ خافت: «أجل». و في تلك اللحظة اخترق سكون المكان هدير محرك يقترب؛ كانت هناك سيارة تطوي الدرب نحو القصر، لقد نفد الوقت تمامًا.
«شكراً لك يا عمي، رافقتك السلامة.»
«ليحفظك الرب.»
تبادلا الوداع الأخير، ثم تراجع كل منهما خطوة صعد يوهان إلى العربة محتضنًا قطته، وانطلق الخادم القابع خلف المقود في توه، مخلفًا وراءه غبار الطريق وقف العم شاخصًا بجمود يراقبهم وهم يتوارون خلف البوابة الخلفية.
لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى توقفت عدة سيارات عند مدخل القصر الرئيسي، فاستدار العم نحو الباب، وحين فتحه، ترجلت امرأة من السيارة الأقرب وسألته بنبرة يمتزج فيها الحماس بالقلق: «جاروال ، حبيبي، كيف سارت الأمور؟»
بسط جاروال ذراعيه بابتسامة عريضة ملأت وجهه، وحين رأته المرأة على تلك الحال ارتمت في أحضانه ضاحكة. ضمها إليه وهو يجيب بنبرة تقطر رضًا: «سارت على أكمل وجه بالطبع. يا عزيزتي، لقد بات كل شيء لنا الآن.. لقد رحل ابن أخي العزيز، ولم يخرج من هنا إلا بتلك القطة.»
«يا له من ابن أخٍ غالٍ وعزيز حقًا!» قالتها بنبرة معسولة وهي تطبع قبلة على وجنة زوجها، ثم أردفت: «تخيّل أن شقيقك ترك ثروته الطائلة لنا وحدنا.. يا له من فتى رائع!»
اتسعت عينا جاروال وأجاب بزهوٍ وفخر: «حسنًا، بوجود عمٍّ مخلصٍ ومحبٍّ مثلي، فمن الطبيعي أن يردّ الجميل. لولا أنني حذّرته في الوقت المناسب، لافتُضح أمره كـ (أوميغا) عاجلًا أم آجلًا، ولوقع في شرّ أعماله. بفضلي أنا، سيحتفظ بحياته وينجو من كل تلك الأهوال البشعة.»
هنا تلاشت ابتسامة الزوجة وحلت محلها علامات الحيرة، فسألت بتعجب: «ولكن، لِمَ دفعته للهرب؟ لو أنك تخلصت منه بهدوء فحسب، لكان كل هذا ملكنا بالفعل منذ هذه اللحظة.»
«يا عزيزتي، حين تصطادين أسدًا، عليكِ أن تأكلي حتى نخاع عظامه. الصبر.. ففي غضون سبع سنوات فقط، سنتمكن من وضع أيدينا على الصندوق الائتماني المسجل باسمه.»
«ألديه صندوق ائتماني؟»
«أجل، لقد تركه أخي ليتسلمه حين يبلغ العشرين و لو مات يوهان قبل ذلك، ستتبخر تلك الأموال في اللحظة ذاتها لهذا السبب يجب أن يظل حيًا مهما كلف الأمر.»
«وماذا لو أدرك حقيقة ما يجري وقرر العودة؟»
انفجر جاروال ضاحكًا وقال: «وكيف له ذلك؟ المكان الذي ذهب إليه ليس سوى واحة مهجورة؛ لا هاتف هناك ولا عابري سبيل. ما الذي يمكن لهذا الصعلوك الصغير أن يفهمه أو يكتشفه؟»
حينها فقط تهللت أسارير زوجته و أشرق وجهها تمامًا: «أوه، أيها الرجل الخبيث! لقد خططت لكل شيء حقًا. إذن كل هذا سيؤول إليك، وإليّ، وإلى سلمان.»
التفت جاروال يتأمل القصر المنيف بزهو، وابتسامة عريضة ترتسم على ثغره: «فلنحمد الرب الذي جعل يوهان يتجلى كـ (أوميغا).»
شاركت الزوجة زوجها الابتسامة، وبينما كانت تخطو داخل المنزل أضافت: «و لنشكر أيضًا تلك المرأة الحمقاء، التي أخبرتك بكل شيء لمجرد أنك شقيق زوجها الراحل.»
تعالت ضحكات جاروال المجلجلة، ودلف الزوجان إلى ردهات القصر في وئام.
ومرّت، بعد ذلك، ستُّ سنوات.
~~~~~~
يُـتبع ……
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!