فصل 18

فصل 18

في تلك الأثناء، في معسكر النمر بروينغ، كان سوك يستعدّ لقيادة عملية سرقة ضخمة. بعد تفجيرٍ وقع في وسط بانكوك، انقطعت الكهرباء و المياه الجارية، و تعطّل النقل، و حدثت أزمة في الغذاء و الدواء و السلع الأساسية. فرّ الأغنياء و أصحاب النفوذ هلعين إلى مقاطعات مثل سوفان بوري، و أنغ ثونغ، و ناخون ساوان، و تشاي نات.

و عندما علموا أنّ فاسدين أثروا من أموال الشعب لجأوا إلى تلك المناطق، وُضع مخطّط السرقة على الفور. خرج العشرات من الرجال المسلحين من القرية لتنفيذ المهمة.

و أثناء عبورهم سهلًا شاسعًا تغطيه الأعشاب، أوقف سوك حصانه فجأة عندما سمع صفيرًا مألوفًا. رفع رأسه فإذا بصقر ضخم يحوم في السماء، كأنه يحذّره من أمرٍ ما. لم يظهر الصقر قط بهذه الطريقة إلا إذا دعاه.

همس سوك:
“روب…”

و سرعان ما غمره شعور غريب. طيف وجه ابنه ارتسم في ذهنه، ملأ قلبه بقلق عارم. عاجزًا عن البقاء هادئًا، ضغط على عنق الحصان لينطلق عائدًا نحو معسكر كلاوُ.

سأله الزعيم، الذي كان دائم اليقظة:
“ما الأمر؟”

فأجابه سوك:
“هل يمكنني العودة إلى القرية؟”

قال النمر بروينغ:
“إلى القرية؟ لماذا؟”

هزّ سوك رأسه وقال بقلق واضح:
“لا أعلم، لكن لدي شعور سيّئ… أعتقد أنه بشأن ابني.”

فردّ النمر بروينغ:
“هل تأخذ معك بعض الرجال؟ أربعة أو خمسة سيكونون كافيين.”

هز سوك رأسه بحزم:
“لا. إذا ذهبت وحدي سأصل أسرع.”

“كما تريد.”
قال النمر بروينغ، ثم أضاف “إن لم يكن هناك شيء، فارجع بسرعة.”

“أعدك.”
قالها سوك، ثم استدار بحصانه و انطلق مسرعًا، يتبعه صقره الوفي من السماء.

لحسن الحظ، لم تكن القرية بعيدة. بعد ثلاث ساعات تقريبًا وصل سوك. كل شيء بدا طبيعيًّا من الخارج. نظر إليه القرويون المتبقون في القرية بفضول، لكنه لم يفسر لهم سبب عودته.

و لكي يطمئن قلبه، صعد إلى البيت ليرى حال ابنه. و ما إن صعد، حتى وجد فينيانغ، الشاب الذي كان يعتني بـروب، ممددًا فاقد الوعي على الشرفة. هرع إلى غرفة النوم، فوجدها خالية. كل شيء في مكانه، لا أثر لسرقة، لكن هناك أثرًا خافتًا جعل الشك يتسلّل إلى قلبه.

عاد إلى فينيانغ بسرعة.

صرخ سوك و هو يهزّ كتفيه:
“فينيانغ! فينيانغ، استيقظ!”

تمتم الشاب و هو يفتح عينيه بصعوبة:
“أخي سوك؟”

سأله سوك و هو يتلفّت بقلق:
“قل لي، ماذا حدث؟ أين ابني؟”

قال فينيانغ بذهول:
“روب اختفى؟”
ردّ سوك بنبرة متوترة:
“أخبرني، أين روب؟”

أجاب فينيانغ و هو يحاول تذكّر ما حدث:
“لا… لا أتذكر… ذاكرتي فارغة تمامًا.”
قال له سوك بسرعة:
“فكر، أرجوك!”

“بعد أن حمّمت روب، خرجت لأُعدّ الطعام هنا. تركته يلعب في الغرفة. لا أعلم ماذا حصل بعدها، حقًّا، أخي سوك.”

جلس سوك بصمتٍ متأملًا. كان يخشى منذ أن عاد ذلك الرجل، أن يحدث شيء كهذا… لكنه لم يتوقع أن يتصرّف بهذه السرعة.

“كيف عثر على مكان القرية بهذه السرعة؟ هل أرسل أحدًا للتسلل إليها، كما فعل في السابق؟”

قال له سوك بلهجة حازمة:
“عُد إلى البيت و لا تخبر أحدًا بما جرى. سأتولى الأمر بنفسي.”

“هل أنت متأكد؟ أعتقد أن…”
بدأ فينيانغ يقول، لكن سوك قاطعه: “افعل ما أقوله.”

“حسنًا، آسف.”

قال فينيانغ و عاد مرتبكًا إلى منزله.

بعد أن ودّعه، عاد سوك إلى غرفة النوم. أغلق الباب و جلس وسط فوضى أفكاره و غضبه الشديد. بقي ينتظر حتى منتصف الليل، ثم غيّر ملابسه و تسلل من المعسكر وحده، متجهًا نحو المكان الذي كان على يقين أنّ ابنه محتجز فيه.

—————

في حياته كشرطي، واجه راما العديد من المجرمين، لكن لم يشعر بالتوتر كما يشعر به الآن. رائحة بودرة الأطفال تملأ الغرفة، كان جالسًا متربعًا و ذراعاه متشابكتان، عاجزًا عن تحويل نظره عن الكتلة الصغيرة النائمة على السرير.

كان روب يعانق دمية خيطتها له والدته سوك، و يحدّق بفضول طفولي في الرجل الجالس أمامه.

قال روب بنفاد صبر:
“من أنت؟ هل أنت شرير؟ هل أنت مجرم؟ أم طيّب؟ أنت طيّب؟”

تمتم راما بتجهّم:
“هل ربّتك أمك على الثقة بالغرباء بهذه السهولة؟”

منذ أن استيقظ، لم يذرف روب دمعة واحدة، رغم أنّه في مكانٍ مجهول مع غريب تمامًا.

قال روب ببراءة:
“أمي سوك طيّب جدًا!”

“و ما اسمك؟” سأله راما.

“أمي تناديني ‘حبيبي’!”
ردّ الصغير بابتسامة.

أعاد راما صياغة سؤاله:
“ما اسمك الحقيقي، صغيري؟”

“روب. أنا ابن سوك!”
قالها بفخرٍ و ابتسامة واسعة أظهرت أسنانه الصغيرة و عينيه المنغضتين.

أدار راما وجهه، و كأنّ قلبه تأثر رغمًا عنه. كما قال كلاوُ… روب يشبهه تمامًا، كأنه نسخة طبق الأصل. دم والده قوي.

بعد ساعات من السفر في الغابة، اضطر راما إلى تحميم الطفل، ثم رشّه بالبودرة حتى بدا كأنه غارق في الطحين. سرّح شعره إلى الجانب، كاشفًا عن وجنتيه المحمرّتين، و ألبسه قميصًا أزرق بلا أكمام و سروالًا أصفر قصيرًا—ثيابٌ التقطها عشوائيًّا، ظنًا أنّه قد يحتاجها.

قال راما و هو ينظر إليه:
“الاسم يليق بك… روب، ابن سوك.”

فسأله روب بإصرار:
“و أنت؟ ما اسمك؟”

لكن راما ظلّ صامتًا.

ثم قال روب و هو يمسك بطنه:
“أنا جائع. بطني تصدر صوتًا…”

لأنّه لم يأكل شيئًا منذ اختطافه، بدأ وجهه يتقلّب بالحزن، و عيناه تمتلئان بالدموع.

قال بأنين:
“أريد أمي سوك. أين أمي؟ أريد أمي… أريد أمي…”
قال له راما ببرود:
“لا تبكِ.”

لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع الأطفال. فطبيعته الخشنة حالت دون أن يكون رقيقًا.

تابع روب بكاءه:
“أريد أمي، هك… هك… مامي… أمي… أريد أمي سوك. أنا جائع…”
فقال له راما:
“انتظر هنا. سأذهب لأحضِر شيئًا تأكله.”

نهض شامخ القامة، متجهًا نحو الباب. نزل روب عن السرير بخطوات صغيرة و لحق به.

قال راما بصرامة:
“قلت انتظر.”

“لا…”

قال راما و هو ينحني لينظر في عينيه:
“ألا تفهم؟”

أمسك روب بقوة قميص راما الصغيرة، يظهر عناده الواضح.

تنهد راما قائلًا:
“لا تريد أن تُترك… عنيد مثل والدتك، أليس كذلك؟”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!