فصل 19

فصل 19

وصل سوك قبل بزوغ الفجر بقليل. لم يحتج إلى الاختباء أو التسلل، إذ كان صاحب المنزل بانتظاره، و الباب مفتوحًا.

دخل النمر الشاب بلا تردد.

“تأخرت كثيرًا” قالها صوت المضيف، مما جعل سوك يتوقف فجأة.

وعندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى رجلًا طويل القامة يدخن سيجارة قرب نافذة كبيرة، و عيناه شاردتان في الخارج، كما لو أن شيئًا ما استرعى انتباهه.

“أين ابني؟” سأل سوك مباشرة، بلا مواربة، دون حتى أن ينظر إلى وجه الآخر.

“اجلس لنتحدث أولًا.”

“اللعنة عليك.”

“قلت اجلس”، قالها راما بصوت حازم، محاولًا إخضاعه.

لكن سوك لم يطع. كانت عيناه الحادتان كعيني صقر تمسحان أرجاء المكان، حتى استقرتا على باب كبير، خمّن أنه باب غرفة النوم. اندفع نحوه و فتحه بعنف بكلتا يديه. و ما إن وقعت عيناه على طفله نائمًا بسلام على السرير، محتضنًا دميته، حتى تنفّس الصعداء بارتياح بالغ. لكنه و قبل أن يقترب، جذبه أحدهم من الخلف بعنف.

ارتطم جسده بالحائط بقوة.

“آغ!” تأوه سوك، بينما كانت ذراع قوية تضغط على عنقه.

كان الاثنان متقاربين في الطول، و وجها بعضهما من مسافة قريبة للغاية.

“هل عليّ استخدام العنف معك في كل مرة؟ ألا يمكنك التصرف بعقلانية؟” قال راما بصوت و نظرة لا تقلان حدّة، لكنهما لم يفلحا في إخضاع النمر الشاب.

“لست ملزمًا بطاعتك”، ردّ سوك غاضبًا، و عيناه تتقدان كرهًا.

“مرت سنوات، و ما زلت عنيدًا كما كنت.”

“هذا لا شأن لك به. لم يكن من شأنك يومًا، و لن يكون.”

قالها سوك بكبرياء، و كأن القطيعة بينهما قد أزالت كل أقنعة المجاملة.

“تتظاهر بالقوة، لكنك لا تستطيع نسياني.”

“لا تظن أنك تعرفني أكثر من نفسي.”

“أتريد أن نختبر ذلك؟” قالها راما بنظرة ماكرة نحو شفتيه الممتلئتين، تلك التي تذوقها ذات زمن بعيد، و لم تطأها شفتاه منذ أمد.

“تختبر ماذا بحق الجحيم؟ دعني… ممف!”، احتج سوك و هو يقاوم، لكن راما لم يمنحه فرصة للهرب.

قبّله بشراسة، تتخللها العضّات حتى شعر سوك بطعم الدم. و لسان متغطرس انتزع طريقه داخل فمه، ينهب أنفاسه بوقاحة. مهارة راما أضعفته و أفقدته توازنه.

“آه…”

“ما رأيك؟ هل ما زال طعم زوجك السابق محفورًا في ذاكرتك؟” قال راما، مبتسمًا بسخرية امتدت إلى عينيه.

“و لِمَ أذكره؟ لا مكان له سوى في الزوايا المظلمة من رأسي.”

ردّ سوك يعض على أسنانه، و شفتيه ترتجفان من الغضب.

“تتحدث كثيرًا، لكن قبلة واحدة جعلتك ترتجف. أما زلت تشتاق لما كنت أفعله بك من الخلف؟”

“ما الذي تريده مني بحق الجحيم؟” قال سوك، يبحث عن وضوح قبل أن يخسر المزيد.

“قلت لك إنني لا أريد رؤيتك مجددًا في معسكر النمور، لكنك لا تكفّ عن التحدي.”

“إن كنت تنوي قتلي، فافعلها الآن. تفضل.” قالها و هو يرفع ذقنه متحديًا، كاشفًا عن عنقه.

“لا تختبرني. أعلم أنك لا تخاف الموت، و إلا لما عدت تتوارى بين المجرمين متجاهلًا أمري.” قال راما، بصوت جليدي زلزل قلب سوك، ثم مرّر أصابعه على الندبة في وجهه.

“فكرت في قتلك… لكنك لا تستحق. و ماذا عن ابنك؟ ألن يكون أسهل؟ أن أحطم عنقه الرقيق؟”

“لن تجرؤ، أيها الوغد…”

تلألأت عينا سوك برعب لا يوصف، و قلبه هوى في قاع الخوف. و رغم أنه لا يود الاعتراف، إلا أن روب يحمل دماء راما. فإن استطاع هذا الرجل القاسي قتل الطفل الذي ربّاه بكل حب، فهو ليس بشريًا، بل وحش متنكّر بوجه آدمي.

“تريد تحديي؟” قال راما، ثم أمسك سوك من رأسه، و ركل ركبتيه ليجبره على السقوط، ثم دفعه أرضًا حتى ارتطم وجهه بالأرض.

بعدها، توجّه نحو الطفل، الذي لا يزال نائمًا تحت تأثير تعويذة سحرية.

“لا… لا تفعل! لا تلمسه!” صرخ سوك محاولًا النهوض، “لا تلمس ابني! إن تجرأت… إن تجرأت، فسأ…”

“لست ملزمًا بطاعتك.” قال راما بابتسامة قاتلة.

تجمّد سوك ثم بلع غضبه. لم يكن أمامه سوى الرضوخ.

“كفى… فهمت. قل لي ما الذي تريده.”

“اسمع جيدًا: سأدعك و ابنك تذهبان بسلام… إن قبلت أن تصبح جاسوسي، و تساعدني على الإطاحة بـ تايغر بروينغ.”

“مستحيل!” رد سوك فورًا، لكن الخوف كان يلوح في عينيه.

“هل أنت متأكد؟”

“…”

“سأسأل مرة أخيرة… هل أنت متأكد؟” قالها راما بنبرة خافتة خشنة، و كانت عيناه كأنهما تبتلعان سوك، تهيمنان عليه بهالة لا يمكن ردعها.
(لوكا:شذا ياخي الايام ذي صرت اسقط في الأعمال لي توباتها مقرفة⁦ ಠ⁠ω⁠ಠ راح تحصلي عقدة⁩)

“لا… لا تؤذِ طفلي. أوافق، سأفعل.”

استسلم سوك كمن لا يملك خيارًا آخر. ابتلع غصّة الخيانة و هو يعلم أن راما لا يملك قلبًا. كان كإله موت، قادر على سحق كل شيء لأجل رغباته. أن يخون رفاقه لم يكن واردًا يومًا في ذهنه، لكن تحت تهديد حياة ابنه… ما عساك تفعل إن كنت أبًا مكلومًا سوى أن تبتلع كرامتك بمرارة.

“اطلب ما شئت، فقط دع روب و شأنه.”

“هكذا أحبك… مطيعًا.” قال راما و هو يبتعد بابتسامة راضية.

ما إن أصبح حرًا، اندفع سوك إلى ابنه، و احتضنه بقوة إلى صدره. لكن روب ظلّ نائمًا، ما أثار شكوكه.

“ماذا فعلت بابني؟” سأل سوك مذعورًا.

“مجرد تعويذة نوم…” ردّ راما بهدوء، بينما مرر يده على رأس الطفل. و في الحال بدأ روب يستيقظ.

“روب! عزيزي، هل يؤلمك شيء؟ هل أنت بخير؟” سأل سوك و هو يتفحص ابنه بقلقٍ بالغ.

“لا… ماما سوك، لا أشعر بألم”، تمتم روب و هو يهزّ رأسه، لا يزال في غفوة، ثم قال بسعادة: “السيد! ماما عادت!”

“… سأرحل مع طفلي”، قال سوك، و هو يرمق صاحب المنزل، الذي كان يراقبهما بذراعين متقاطعتين.

“ارحل، لن أوقفك.” ردّ راما بلا أدنى رحمة.

تلك الكلمات الباردة هزّت قلب سوك. لماذا توجعه، رغم أنه كرر لنفسه آلاف المرات أنه يبغضه؟ خفَض رأسه ليخفي ألمه، حمل روب بين ذراعيه، و غادر دون أن يودّع.

لكن الصغير، ببراءته، لم يفعل المثل. لفّ ذراعيه حول عنق سوك، و لوّح بيده نحو راما و هو يبتسم ابتسامة مشرقة.

“باي! تصبح على خير!”

ظل راما واقفًا في مكانه، مذهولًا و قلبه يهتز من حركة الطفل اللطيفة.

“ماما سوك…” قال الطفل بصوت ناعم بينما كان يُحمل نزولًا عبر الدرج.

“نعم، حبيبي؟” أجاب سوك.

“أنا لم أرى السيد من قبل.”

“هو صديق طفولة لماما.” أجاب سوك بتردد، ثم أردف: “لابد أنك خفت كثيرًا، صغيري. عد إليّ، روحي. أنا هنا و لن أتركك بعد الآن.” قالها و هو يطبع قبلة على خده الصغير ليهدئه.

“لكنني… أريد أن أرى السيد مرة أخرى.” قال روب.

“هاه؟!” تفاجأ سوك.

“السيد كان لطيفًا. حممني، و ألبسني، و سرح شعري، و أعطاني أكل. عمل بيض مخفوق لذيذ!”

في الحقيقة راما تعامل مع روب بخشونة ظاهرة. لم يكن يعرف شيئًا عن الأطفال. حياته كانت كلها سيوفًا و مسدسات و دمًا. لكن براءة روب لم ترَ إلا الجانب الحاني من العناية.

سوك كبح دموعه، و ارتجفت شفتاه. كان الألم في صدره ككتلة خانقة، لكنه لم يُظهرها حتى لا يُقلق طفله. يا لسخرية القدر… أي مصير هذا الذي جعله في قبضة رجل كهذا؟ طفله… لا يعرف شيئًا.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!