فصل 2

فصل 2

تجاهل غرايسون تعبير العرافة المرتبك، و مد يده بهدوء إلى الجيب الداخلي لسترته. أخرج محفظته، و سحب منها عدة أوراق نقدية من فئة المئة دولار، ثم وضعها على الطاولة أمامها.

و للمرة الأخيرة، سأل بصوت خافت لكنه حاسم:

“ألا يوجد شيء آخر يمكنك إخباري به؟”

منحته العرافة ابتسامة مصطنعة، مصقولة كما لو أنها تدربت عليها طويلا.

“هذا كل شيء لهذا اليوم.”

كما توقع تماما. لا جدوى ترجى من هذا.. مجرد إضاعة أخرى للوقت. و دون أن ينبس بكلمة، استدار غرايسون على عقبيه، و غادر المتجر بخطوات ثابتة.

في اللحظة التي اختفى فيها جسده الطويل — الذي يتجاوز المترين — تنفست العرافة ببطء، و كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت. بقيت وحدها في ذلك المكان الضيق، يحيط بها صمت ثقيل.
عبست، و سحبت بطاقة أخرى من الرزمة.

ضربت صاعقة.

كانت البطاقة التي سحبتها تجسد “البرج”؛ بناء متداعيا تحت سماء مشقوقة بالعواصف. ما إن وقعت عيناها عليها، حتى زفرت برعشة، و هزت رأسها ببطء.

“شيء فظيع قادم…”

همست لنفسها، و راحت عيناها تجولان في المكان بقلق. فجأة، بدا الهواء ثقيلا.. ساكنا على نحو يثير الريبة. فركت ذراعيها محاولة طرد القشعريرة التي تسللت إلى جسدها، ثم نهضت على عجل.

في تلك اللحظة، انفتح الباب، و دخل زبون جديد، لكن قبل أن ينطق بكلمة، رفعت يدها مقاطعة إياه:

“يكفي لهذا اليوم. المكان مغلق. ارحل.”

“أوه.. إذن، سأعود غدا—”

تلعثم الرجل مرتبكا، لكن العرافة قاطعته فورا:

“لا. ليس غدا. لن أكون هنا.”

“ماذا؟ ماذا تعنين بأنك لن تكوني— انتظري—”

تجاهلت تساؤلاته المذهولة، و كادت تدفعه خارج الباب بيدها، ثم شرعت تجمع أغراضها بعجلة. كان عليها أن تغادر.. الآن.. إلى مكان بعيد.

بأيد مرتجفة، حشرت متعلقاتها داخل حقيبتها، لكن.. انزلقت بطاقة واحدة من الرزمة، و سقطت على الأرض. انحنت لالتقاطها، و صرخت.

كانت البطاقة مقلوبة إلى الأعلى: “الشيطان”.

تجمدت في مكانها، تحدق في الرسم و جسدها يرتجف. خرج صوتها همسا متقطعا، كأن الكلمات تخنقها:

“نذير شؤم.. نذير شؤم عظيم..”

و كأن السماء استجابت لقولها، شقت صاعقة الفراغ الجاف، تبعها دوي رعد بعيد، يحمل في طياته وعيدا خفيا.

══════ ✧ ══════

كالعادة، و مع تعمق الليل، امتلأ المكان بصخب الحياة؛ ارتطام الكؤوس، همهمات الموسيقى، و أنفاس تتصاعد بحرارة خفية. و شيئا فشيئا، بدأ الحضور يختفون.. واحدا تلو الآخر. أزواج تتشكل في الظلال، و لم يكن ذلك مصادفة، بل كان هذا الحفل قائما لهذا الغرض تحديدا.

الألفا المهيمنون، أمثال من اجتمعوا هنا، كانوا بحاجة إلى تفريغ فيروموناتهم بانتظام، و إلا عانوا اضطرابات خطيرة؛ تبدأ بفقدان ذاكرة طفيف، و قد تنتهي بتلف دماغي أو حتى الجنون. و لذلك، كانوا يبحثون عن شريك لليلة واحدة.. و كانت هذه الحفلات وسيلتهم المثالية.

في زاوية البار، جلس غرايسون يحتسي الويسكي ببطء. ذابت مكعبات الثلج في كأسه، و تركت قطرات متجمعة على الحافة، بينما كانت أصابعه تدور حول الزجاج في حركة هادئة، شبه تأملية. على جانبيه، جلس توأمان من الأوميغا — متطابقان حد التطابق — و اهتمامهما به لم يكن خافيا.

تنهد غرايسون، و تمتم:

“العمل كل يوم.. ممتع و مرهق في آن واحد.”

رمش الرجل على يمينه بحيرة، بينما بادر الآخر على يساره بنبرة مرحة:

“ما هذا يا غرايسون؟ أتقول إنك تريد العمل فعلا؟”

شدد على كلمة “العمل” بحركة خفيفة من أصابعه، و تبادل نظرة مع رفيقه.

“ألم تقل إنك سئمت من التسكع و الأكل طوال اليوم؟”

“غرايسون ميلر؟ الذي لا يفعل شيئا؟”

تبادل الاثنان الحديث، يحاولان استشفاف مزاجه. ضحك غرايسون بخفة، و أجاب بنبرة مسترخية:

“ليس وكأنني لا أفعل شيئا. أعمل.. أحيانا.”

و بطريقة ما، كان ذلك صحيحا.

فلم يكن هناك ألفا مهيمن يملك عددا من “المهن” مثل غرايسون؛ كلما أعجب بشخص، قلد عمله. و أحيانا، كان يكتشف في نفسه مواهب مذهلة، لكنها لم تكن يوما حقيقية.. مجرد انعكاس للآخرين. و لذلك، لم يكن له عمل حقيقي قط.

المشكلة؟ أن “تفانيه” كان يتبخر فور أن تتلاشى مشاعره. كان يختفي ببساطة، يترك خلفه أشخاصا محطمين، يتحملون كل شيء وحدهم. و رغم سمعته السيئة، كان يقع المزيد من الضحايا.

لماذا؟ لأنه كان بارعا في التظاهر بالحب. ينطق بالكلمات التي يريدون سماعها، يحقق رغباتهم بدقة مخيفة، و يجعلهم يصدقون أنه قد يضحي بكل شيء من أجلهم. و في كل مرة، كانوا يظنون: “هذه المرة مختلفة”.

لكن الحقيقة لم تتغير أبدا.

“لم تكن قدري. وداعا.”

جملة يقولها بسهولة.. كأنها مزحة.

و هكذا، همس الناس: غرايسون ميلر لا يحب، بل يستمتع فقط بلعبة الحب.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!