بينما كان وون يقرأ، عقد حاجبيه وتمتم: «نعم… صحيح.» فضيّق قيصر عينيه وقال: «أجل، هذا غريب.»
غارقين في أفكارهم، لم يُدرك وون أن نبرته الهادئة غير المعتادة قد كشفت ما في داخله.
في صباح اليوم التالي، أشرقت الأجواء على فوضى خفيّة. نُقل وون إلى غرفة أخرى بدل تلك المبعثرة، وظلّ يتقلّب طوال الليل قبل أن يغفو أخيرًا. وحين استيقظ، خرج يفرك عينيه المتورّمتين، فرأى رجلًا ببدلة واقفًا في الممر.
كانت نظرات الرجال تتقاطع بحدّة، متفرّقة لكنها دامية في صمتها، بينما كان هو يسير بوجه يفيض بالاشمئزاز. وكعادته، ما إن غادر الغرفة حتى تبعه الخادم مباشرة وقاده إلى غرفة الطعام. وتحت وقع نظرات الروس الحادّة، سار مستقيم الظهر.
أوّل ما وقعت عليه عيناه كان ظهر قيصر الجالس مواجِهًا للجهة الأخرى. كان رجلٌ يقف إلى جانبه يهمس له بشيء، لكن ما إن لمح وون حتى اعتدل وأطبق فمه فورًا. لم يكن وون في مزاجٍ حسن، غير أنّه تظاهر بالجهل وجلس. عندها فتح قيصر فمه قائلًا:
«لقد عزّزنا الحراسة.»
وكان ذلك واضحًا بالفعل؛ ثلاثة أو أربعة رجال يتحرّكون في الممر ذهابًا وإيابًا، ورجال ببدلات في كل زاوية من غرفة الطعام. بدأ وون يأكل على مضض، شاعرًا بأن عسر الهضم سيصيبه. كان قلبه ينقبض كلما تخيّل هؤلاء الغرباء يتجوّلون في المنزل طوال اليوم.
قال قيصر وهو يراقبه:
«لا داعي للانزعاج. شدّدنا الحراسة فقط خارج القصر. أمّا الداخل فسيبقى كما هو.»
ثم أضاف حين التقت نظراتهما:
«لا بدّ أنّ الأمر من فعل غريب، لكن لا شيء يدعو للقلق طالما تأكّدنا أن الخارج والحديقة تحت الحماية.»
ابتسم قيصر كأن كل شيء عاد إلى نصابه. لم يبادله وون الابتسام، لكن وجود الرجال المنتشرين بلا عمل واضح، ونظراتهم المتربّصة، ظلّ يثير فيه قلقًا خفيًا. أشاح برأسه، شاعِرًا بغرابةٍ ما، بينما كان قيصر يبتسم غير آبهٍ بالصدمة التي تحيط به.
—
بعد ذلك، غادر قيصر إلى عمله، وكما قال، اختفى الرجال الذين كانوا يتجوّلون داخل القصر في لحظة. بالمقابل، بدا أنّ عدد الحراس خارج القصر والحديقة قد ازداد، لكن وون شعر ببعض الارتياح لأنهم لم يعودوا أمام ناظريه مباشرة.
كان من المفترض أن يبقى في غرفة الدراسة، لكنه لم يجد مهربًا من القلق. هزّ رأسه مسترجعًا ما حدث صباحًا، وتساءل إن كان من الأفضل أن يبقى داخلها حتى ينتهي كل شيء.
وبينما كان يحاول طرد أفكاره المزعجة، سمع طرقة على الباب. وبعد لحظة، انفتح الباب ببطء، وأطلّ الخادم برأسه. تردّد قليلًا حين التقت عيناه بعيني وون، ثم عاد إلى ملامحه الجامدة وقال:
«حان وقت الاستراحة.»
وقبل أن يردّ وون، دخل حاملًا صينية وانحنى بأدب. لكن خلافًا للعادة، لم يتركها بعيدًا، بل وضعها قربه مباشرة، ثم جلس أمامه. اتّسعت عينا وون من المفاجأة، خاصة حين قدّم له كوب الشاي بنفسه.
تساءل في داخله: ما الذي يفعله هذا الرجل؟
لم يكن من السهل عليه التأقلم مع هذا التغيّر المفاجئ في سلوك الخادم، الذي اعتاد أن ينظر إليه ببرود قاسٍ. قال الخادم بلا تعبير:
«هل فاجأك الشاي أمس؟»
فهم وون شيئًا من الأمر. هل يخشى توبيخ قيصر فجاء يتقرّب؟
سكب الشاي بعناية ووضعه أمامه:
«خطئي إن كان الشاي قد آذاك. أعتذر.»
هزّ وون رأسه نافيًا:
«لا، شكرًا. لم يكن خطأك.»
ابتسم الخادم لأول مرة، فقال وون وهو يرفع الكوب:
«سأشرب.»
هزّ الخادم رأسه بخفّة، ثم قال وهو يراقبه:
«لم أكن أعلم أن محاميًا يمكنه القتال بهذه المهارة.»
ابتسم وون بتواضع:
«مجرد دفاع عن النفس… كنت محظوظًا.»
ثم سأله الخادم:
«هل فُقد شيء؟»
أومأ وون:
«نعم، كانت الوثائق المهمة موجودة. هذا ما يطمئنني.»
نظر إليه الخادم بعينين ضيّقتين:
«…حقًا؟»
رفع وون الكوب، لكنه فجأة شعر بطعمٍ مرّ.
هل أكثر من الشاي؟ تذكّر قيصر، الذي لم يكن يفضّل شاي هذا الخادم…
غامت رؤيته فجأة. عقد حاجبيه، وساد صمت ثقيل. كان الخادم يبتسم… لكن عينيه لم تبتسما.
دوار مفاجئ ضربه. رأى صورتين للخادم أمامه. نظر إلى الكوب؛ كان الشاي البني يرتجف بخفوت.
ما هذا…؟
حاول النهوض، لكنه سقط مجددًا. انزلقت الكأس من يده، وانسكب الشاي فوق الأوراق.
لم أرد أن آكل أثناء العمل…
كانت هذه آخر فكرة عبرت وعيه قبل أن تنطفئ عيناه ويسقط فوق أوراقه.
—
كانت سيارة سوداء تقف بصمت قرب الحديقة، ومحركها مطفأ. داخلها، خيّم صمت خانق. تصاعد دخان السيجار خلف رجلٍ جالس في توتر.
السائق، الذي كان يستمع عبر سماعاته، اتسعت عيناه فجأة، ونظر في المرآة الخلفية:
«قيصر… الفأر عضّ الجبن.»
ارتفع زفير طويل من الدخان. في المرآة، بدا الرجل ذو الشعر الفضي بابتسامة ساخرة خفيفة. فتح قيصر فمه:
«إذًا… لنذهب ونصطاد الفأر.»
—
كان إيغور، الخادم، يبحث بجنون في المكان. فتح الأدراج وقلّب الوثائق. لا بد أنها مخبأة في مكان ما.
توقّف فجأة متألّمًا، ممسكًا بساقه، ثم نظر إلى وون بغيظ. كان وون لا يزال فاقد الوعي؛ لن يستفيق بسهولة بعد تلك الجرعة القوية.
كل هذا بسببه… منذ البداية، كل شيء كان من أجله.
يجب أن أخرج من هذا القصر.
واصل البحث بجنون. لا يمكنه العودة خالي اليدين… وإلا فإن توتشيف لن يرحمه.
وفجأة، لمح ظرفًا مخبأً تحت الأريكة.
في لحظة، أضاءت عيناه. انحنى بسرعة والتقطه. شعر بثقل الورق بين أصابعه. فتحه على عجل، واتّسعت عيناه—
هذا هو.
لكن قبل أن يهنأ، دوّى صوت معدني ثقيل فوق رأسه. تجمّد في مكانه.
حين رفع رأسه ببطء، رأى عشرات البنادق موجّهة نحوه.
ثم سمع وقع خطوات هادئة.
«مرحبًا… إيغور.»
دخل قيصر بين الرجال الذين تنحّوا فورًا. ابتسم ابتسامة باردة:
«أخيرًا… وقع الفأر في الفخ.»
ابتلع إيغور ريقه، شاحب الوجه… ولم ينطق بكلمة.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!