فصل 31

فصل 31

سُمِعَ صوتُ خطواتٍ خافتة، واهتزّ الجسدُ مع الإيقاع. وفجأةً، تذكّر قاربًا كان يركبه في طفولته. ابتسم ابتسامةً باهتة، وفي تلك اللحظة شعر بيدٍ تطبع قبلةً خفيفة على شعره.

أمّي…؟

فتح وون عينيه ببطء. تسلّل ضوءٌ عبر نظره المشوّش، وارتسم أمامه وجهٌ مألوف… لكنّه احتاج لحظاتٍ أطول ليتعرّف إليه.

«أاستيقظت؟»
قالها بصوتٍ لطيف.

رمش وون بعينين مثقلتين، ونظر نحوه. كان كلّ شيء يهتزّ. ما هذا…؟

استغرقه بعض الوقت ليستوعب الوضع. حرّك بصره دون فهم، فلاحظ أولًا أنّ جسده ملفوفٌ ببطّانية. ثم شعر بدفءٍ ناعم على خدّه. وحين رفع عينيه النعستين، رأى أخيرًا وجه قيصر أمامه.

في لحظة، عاد إليه وعيه كوميضٍ خاطف. فتح عينيه على اتّساعهما وحاول النهوض، لكن جسده المقيّد بالبطانية لم يسمح له إلا بحركاتٍ ضعيفة متخبّطة. توقّف قيصر، الذي كان يراقبه، عند حركته المفاجئة.

«كيف…؟ إرادتك… أنا… أنت… لماذا…؟»

حاول وون أن يسأل بلهفة، لكن الكلمات لم تخرج كما ينبغي. صوته كان مثقلًا، وفمه ثقيلًا كأن الكلام نفسه عبء. لماذا أصبح الحديث صعبًا هكذا؟ لم يفهم. كان عقله لا يزال ضبابيًّا، وجسده يغرق في خدرٍ عميق.

تأوّه وون وهو يعقد جبينه، محاولًا استعادة ذكرياته. ركّز ذهنه قدر استطاعته، لكن الأمر لم يكن سهلًا. قال قيصر بهدوءٍ وهو يراه يغمض عينيه، متنهدًا بخفّة:

«لا بأس… يمكنك أن تنام أكثر.»

فتح وون عينيه قسرًا وقال بصوتٍ متقطّع:
«أنزلني… سأفعل…»

«نعم، نعم.»

أجابه قيصر بنبرةٍ هادئة، كما لو كان يساير طفلًا عنيدًا. لكن ما كان أكثر إزعاجًا من ذلك، هو جسده هو—ذلك الجسد الذي لم يعد يطيعه.

«أين… أنا…؟»

تمتم وون بصوتٍ واهن وهو ما يزال ملفوفًا في البطانية.

أجاب قيصر:
«في غرفة نومي.»

رمش وون بعينين نصف مفتوحتين وهمس:
«جسدي… غريب…»

قال قيصر بنبرةٍ خافتة:
«هذا طبيعي. استرح… بضعة أيام.»

راوده شعورٌ غريب إزاء تلك الإجابة الهادئة. وفجأة، تذكّر آخر كوب شاي شربه. كان هناك شيءٌ خاطئ فيه… طعمه كان مُرًّا على نحوٍ غير طبيعي.

قبض وون على كتف قيصر بكل ما تبقّى لديه من قوّة، رغم عجزه عن الحركة كما يريد.

«الخادم…»

تكلّم بصعوبة:
«هو… أعطاني…»

«نعم. أعرف.»

أبعد قيصر يد وون برفق وابتسم:
«لا تقلق. لقد تولّيت الأمر. الوثائق بخير.»

في تلك اللحظة، اجتاح وون شعورٌ غريب بالاغتراب. ما هذا الانقباض في صدره؟ كان قيصر يبتسم، لكن شيئًا ما بدا خطأً… خطأً بشدّة.

«أنت… كنت تعلم…؟»

لم يُجِب قيصر، بل اكتفى بابتسامةٍ خفيفة.

وفي لحظةٍ واحدة… أدرك وون الحقيقة.

كلّ هذا… كان من تدبير هذا الرجل.

شعر كأن الدم في عروقه قد تجمّد. لقد استُخدم… كطُعم. أداةً لكشف الخونة وإجبارهم على الظهور. وعندما استوعب ذلك، صُدم، وعجز عن إيجاد الكلمات.

ومع ذلك… لم يكن الأمر مجرّد انكشاف الحقيقة، بل لأنّ الشخص الذي فعل هذا—كان قيصر.

ألم يكن يعرف؟ رجلٌ يمكنه أن يوجّه مسدسًا إلى رأس طفل بلا تردّد… رجلٌ يستخدم الجميع كأدوات.

ضحك… وسخر من الناس كأنهم حمقى.

اشتعل الغضب في صدر وون، فدفع صدر قيصر بكل ما أوتي من قوّة. تفاجأ قيصر، فانفلت توازنه للحظة، وسقط وون أرضًا.

«مهلًا!»

دوّى صوت قيصر، لكن وون بقي ممدّدًا، عيناه مفتوحتان على اتّساعهما.

يا إلهي…

لم يُبدِ حتى غضبًا. لم يشعر بالألم… فقط طنينٌ أصمّ يعبر أذنيه.

لم يحتمل الفكرة—أن يُخدَع ويُخدَّر بهذه الطريقة.

اقترب قيصر مسرعًا، وقال بقلق:
«ماذا تفعل فجأة؟»

حاول أن يحمله، لكن وون دفعه بعيدًا بكل ما لديه. ترنّحت رؤيته، وكاد يسقط، فأمسكه قيصر بسرعة. كانت أنفاسه متقطّعة، ويد قيصر تحتضن رأسه.

شعر بدفءٍ على خدّيه… كان قيصر يعانقه.
خفق قلبه بعنف، كأنه ركض مسافة طويلة.

«يا إلهي… ظننت أنّك ستُصاب بصدمة دماغية.»

لكن وون لم يكن يريد البقاء بين ذراعيه. عضّ شفتيه ودفعه للخلف:

«اتركني…»

«إلى أين ستذهب؟ استمع إلي.»

قال قيصر بنفاد صبر.

رغم الدوار الذي يهزّ عقله، شعر وون بسخريةٍ مريرة. كل شيء بالنسبة له منطقي… مبرَّر.

ألا يفهم حتى لماذا أنا غاضب؟

دفعه وون بقوّة وتمكّن بصعوبة من الابتعاد. نظر إليه قيصر بدهشةٍ وشيءٍ من الارتباك.

كان غاضبًا… غاضبًا حتى القمّة.

نهض وون بجسدٍ يكاد ينهار. كانت ساقاه ترتجفان، تحاولان الانكسار تحت ثقله. شدّ على أسنانه وتقدّم خطوة.

اقترب قيصر بسرعة ليسنده، لكن وون حدّق فيه بحدّة.

انعكس وجه وون في عيني قيصر—وجهٌ شاحب، وعينان ممتلئتان بالخوف.

«أنا… أستطيع… أن أذهب…»

قالها بصعوبة.

«لا تقل ما لا تستطيع فعله وأنت لا تقوى حتى على الوقوف.»

مدّ قيصر يده نحوه، لكن وون أبعدها. كانت عيناه حمراوين كأنهما تحترقان، وفتح فمه بصوتٍ بارد لم يُشبهه:

«بقدر ما تستطيع… استمر.»

وتابع بسخريةٍ لاذعة:
«ألم تكتب كل ما تحتاجه؟ أم بقي شيءٌ آخر لتستخدمه؟»

تجمّد وجه قيصر.

تابعه وون بنظرةٍ باردة، ثم أدار وجهه. قال بابتسامة احتقار:
«بالنسبة لك… وجود الآخرين… كقطع الشطرنج. مجرّد خيول.»

تصلّب وجه قيصر أكثر.

أدار وون نظره بعيدًا. لم يكن غضبه فقط لأنه استُخدم… بل لأنه رغم معرفته بذلك، ما زال يهتم.

يا له من أحمق…

لو لم تفعل ما تندم عليه… لما وصلت إلى هنا.

فجأة، خارت قوّته. تهاوت ساقاه، وانطفأ توازنه.

سمع صوت قيصر يناديه بقلق… لكن الظلام ابتلعه قبل أن يجيب.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!