“هااام…”
تثاءب لي وون للمرة التي لم يعد يعرف عددها. مسح دموع عينيه المتعبتين، وقطع قطعةً صغيرة من الفطيرة ووضعها في فمه ببطء. كان المطعم قد امتلأ بالزبائن حين نزلا لتناول الإفطار، لكنهما وجدا مقعدًا شاغرًا لحسن الحظ.
رغم ذلك، لم يتوقف عن التثاؤب. رفع فنجان القهوة القوية إلى شفتيه، لكن ذهنه ظلّ ضبابيًا، وجفناه ثقيلين بالكاد يفتحان.
كان يريد شيئًا واحدًا فقط… النوم.
صدر صوت نقرٍ خفيف أمامه، ففتح عينيه سريعًا. كان قيصر ينظر إليه، وكأنه يستمتع بالمشهد.
“إمّا أن تنام… أو تأكل.”
تمتم لي وون بلا مبالاة:
“يمكنني فعل الاثنين.”
أمسك بزجاجة شراب السكّر، لكنه أفلتها دون قصد. سقطت على الطاولة، وانسكب الشراب، ثم تدفّق إلى الأرض.
“أوه.”
صدر صوت تعجّب من الرجل الجالس بجانبه. تناثرت قطرات الشراب، ملوّثةً طرف بنطاله.
“آسف… انزلقت يدي…”
رفع لي وون رأسه معتذرًا، لكنه توقّف حين رأى وجهًا مألوفًا.
“أنت… الرجل الذي سجلت معه أمس.”
ابتسم الرجل:
“ليونيد.”
“نعم، ليونيد. أعتذر… هل أنت بخير؟”
هزّ ليونيد يده بابتسامةٍ مطمئنة:
“لا بأس، لا تقلق.”
ثم سأل ببساطة:
“اسمك؟”
“لي وون جونغ. تشرفت.”
صافحه ليونيد بحرارةٍ خفيفة.
“الرياح الليلة الماضية كانت قوية جدًا. كدت أظنّ أنّ النافذة ستسقط. يبدو أنك لم تنم جيدًا أيضًا.”
“للأسف…”
تمتم لي وون، وهو يلعن قيصر في داخله. ثم أضاف بابتسامةٍ باهتة:
“تبدو أنت أفضل حالًا مني.”
ضحك ليونيد بخفة، وجلس بجانبه. تبادلا بعض المزاح، وضحكا معًا.
الشخص الوحيد الذي لم يضحك… كان قيصر.
كان يراقب ليونيد بوجهٍ خالٍ من التعبير، مختلف تمامًا عن ابتسامته في اليوم السابق. كانت نظرته فاحصة… حادّة.
رفع ليونيد زجاجة الشراب، ونظر إليهما، فمدّ لي وون يده ليعطيه الزجاجة—
لكن—
“آه!”
انسكب الشراب مجددًا، هذه المرة على يد لي وون. أمسك ليونيد بيده فجأة.
“لقد أخطأت.”
تغيّر وجه قيصر في لحظة.
قال لي وون، غير منتبه لنظرته:
“إذن… تعادل؟”
ضحك ليونيد:
“ربما أضيف نقطة أخرى لاحقًا.”
ظلّ ممسكًا بيده، وقال وهو يتفحّصها:
“هذه يد تصلح للعزف على البيانو.”
عبس قيصر.
لكن ما حدث بعد ذلك… كان غير متوقّع على الإطلاق.
قرّب ليونيد يد لي وون من شفتيه، ثم—بلعقةٍ خفيفة—أزال الشراب عنها بلسانه.
تجمّد لي وون.
تجمّد قيصر أيضًا… كالصخر.
ارتعش جسد لي وون، وكأن قشعريرةً اجتاحته بالكامل. نظر إليه بوجهٍ شاحب، بينما ابتسم ليونيد وقال:
“حلو.”
في تلك اللحظة، شعر لي وون بنظرةٍ قاتلة خلفه. سحب يده بسرعة، واستدار—
كان قيصر قد وقف، وعيناه مشتعلة.
شعر لي وون بسوءٍ يقترب، فنهض بسرعة ووقف بينهما.
“حسنًا، ليونيد… نحن بخير.”
ناداه ليونيد قبل أن يغادر، ثم تقدّم خطوةً نحوه.
“هناك شيء سقط منك.”
مدّ لي وون يده، فوضع ليونيد شيئًا في كفّه وأغلقها.
انحنى لي وون شكرًا، ثم نظر إلى ما في يده—
زرّ.
زرّ صغير… مهترئ الحواف.
رفع رأسه، لكن ليونيد كان قد اختفى.
نظر إلى الزرّ بشعورٍ غريب. كان مألوفًا… كأنه رآه من قبل.
وضعه في جيبه وغادر المطعم، وما زال ذلك الإحساس الغامض يلاحقه.
—
منذ خروجهما من النزل، كان مزاج قيصر سيئًا. تجاهله لي وون، رغم الهالة الثقيلة التي تحيط به، وتوجّه مباشرة نحو منزل شيسكين.
طرق الباب وانتظر—لكن لم يكن هناك أي صوت.
“السيد شيسكين؟ أنا المحامي الذي زارك أمس.”
لا رد.
ازداد شعوره بالسوء. طرق الباب بقوة، ثم جرّب المقبض—
فُتح الباب بسهولة.
“السيد شيسكين؟”
دخل بحذر. كان الصمت كثيفًا… خانقًا.
ثم—
ضربت رائحة كريهة أنفه.
تجمّد.
“توقّف.”
قالها قيصر فجأة. امتثل لي وون دون تفكير.
السبب… ظهر فورًا.
بقع دمٍ طويلة امتدّت على الأرض، تقودهما إلى الداخل.
تبعها بنظره—
وهناك…
جلس شيسكين على الكرسي.
لكن—
“السيد شيسكين!”
حاول الاندفاع نحوه، لكن قيصر أوقفه.
“فات الأوان.”
“كيف تعرف؟!”
قالها لي وون بغضب، فأجابه قيصر ببرود:
“نصف دماغه مفقود… إن كان حيًا، فلن يكون إنسانًا.”
كانت الحقيقة واضحة. تناثرت بقايا العظام واللحم في المكان. أُطلق عليه النار في رأسه… كما لو كان إعدامًا.
همس لي وون:
“من فعل هذا…؟”
لم يُجب قيصر. فقط حدّق في الجثة.
هذا المشهد… رآه من قبل.
إطلاق نار في الرأس… وجثة مربوطة.
أسلوب تنفيذٍ خاص بمنظمة لومونوسوف.
انعقد جبينه بعمق.
ربما… “الأسد العجوز”.
بينما كان غارقًا في أفكاره، تحرّك لي وون.
“انتظر لحظة.”
في الحال، أخرج قيصر مسدسه وأخفى لي وون خلفه. تحرّك بصمت، كأنه عاد إلى طبيعته الحقيقية.
تصلّب جسد لي وون. شعر وكأنه يرى شخصًا آخر تمامًا.
لم يكن هناك صوت… سوى أنفاسه.
اقترب بحذر من الجثة، وضع يده عند أنف شيسكين—لا تنفّس. ثم عند عنقه—لا نبض.
عضّ شفته، ونظر إلى الجثة… ثم توقّف فجأة.
الزرّ.
زرّ مفقود من سترة شيسكين.
أخرج الزرّ من جيبه بسرعة.
تطابق.
نظر إلى مكانه الفارغ—
وبردت أطرافه.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!