فصل 46

فصل 46

تأمَّل “لي وون” ذلك الرجل القابع هناك، ثم ألقى بقطعة القطن المُستعملة في سلة المهملات دون أن ينبس ببنت شفة. وعندما مدَّ يده ليتناول الشاش، باغته “قيصر” بإمساك يده. توقف “لي وون” عن الحركة، فما كان من “قيصر” إلا أن طبع شفتيه على ذراع “لي وون”. حين شعر بضغط شفتيه الرقيق عبر كنزته الصوفية السميكة، قطب “لي وون” جبينه قليلًا، وإذ خشي أن يفتضح أمر اضطرابه، آثر الصمت وترك “قيصر” وشأنه.
نهض “قيصر” وهو يرفع كمَّي كنزته بإهمال، ثم ضغط بشفتيه فوق معصم “لي وون”، حيث كان النبض يتسارع كطرقاتٍ مسموعة. حبس “لي وون” أنفاسه قسرًا، لكن “قيصر” همس وهو يضع شفتيه على معصمه:
— “لقد وضعتَ نفسك في خطر”.
فتح “لي وون” فمه وهو يتأمل عيني “قيصر” اللتين بدا فيهما البريق خافتًا كعشبٍ ذابل، وقال: “أنتَ مَن كنتَ مصابًا”.
لم يُجب “قيصر” على صوت “لي وون” الفاتر. صمت “لي وون” لبرهة، ثم استأنف حديثه بنبرةٍ خالية من أي انفعال كعادته:
— “ثمة سببٌ لذلك”.
شعر بـ “قيصر” وهو يتوقف عن الحركة أمام صوته الهادئ، فاستطرد “لي وون”:
— “الكل يحصل على ما يريد، وهذا كل ما في الأمر. لا يوجد شرٌّ في هذا، لأنني أنا أيضًا أردتُ شيئًا منك”. قال “لي وون” ذلك وهو يسحب ذراعه التي كان “قيصر” يقبض عليها، وأضاف: “على أي حال، لن نعود لرؤية بعضنا أبدًا”.
اقترب “لي وون” — الذي حدد معالم العلاقة ببرود تام — من حقيبة الإسعافات الأولية. وفجأة، أمسك “قيصر” باليد التي امتدت نحو الشاش المعقم لتغطية الجرح. وعندما نظر “لي وون” مستغربًا من هذا التصرف غير المتوقع، وجد “قيصر” يحدق فيه.
— “ماذا الآن؟”
عقد “لي وون” حاجبيه: “ألم تسمع…”
وقبل أن يتم حديثه، جذب “قيصر” “لي وون” بعنف؛ فسقط “لي وون” — الذي جُرَّ بلا حول ولا قوة — على السرير كما هو.
— “ماذا تفعل…”
— “أنتَ”.
نظر “قيصر” إلى “لي وون” وقال: “إياك أن تعود لقول ذلك مجددًا، فلن أسامحك”.
نفث “لي وون” زفيرًا قصيرًا وقال باستخفاف: “يا للعجب.. أي نوع من السخافة هذه التي تستغل بها الناس؟”
حاول “لي وون” بانزعاج أن يدفع “قيصر” لأسفل، لكن “قيصر” أحكم قبضته على يده، وترك ذراع “لي وون” تسقط على السرير، ثم ثبّتها واعتلاه.
— “أنتَ فخورٌ بنفسك”.
— “فخر؟”
كرر “لي وون” كلمات “قيصر” بصوتٍ بدا غريبًا. كاد “قيصر” أن يضحك بصمت، لكن تعبيره سرعان ما صار جديًا. ارتخت اليد التي كانت تمسك معصمه، وبدلًا من ذلك، لامست جبهة “لي وون” برقة. أزاح “قيصر” خصلات شعر “لي وون” السوداء بطرف إصبعه بخفة كأنه يداعبها، ثم همس بصوتٍ منخفض: “لقد كنتُ منجذبًا إلى ذلك”.
وفي اللحظة التالية، التقت شفتا “قيصر” بشفتي “لي وون”. الشفاه التي لامست بعضها برقة تشابكت فجأة بعنف. “لي وون”، الذي استنشق الهواء برد فعل غريزي، لم يدفع “قيصر”؛ بل استسلمت أهدابه المرتعشة وأغلق عينيه.
“قيصر”، الذي توقف للحظة أمام رد الفعل غير المتوقع، سرعان ما فتح شفتيه بعنف واستولى على فمه. تراجع اللسان المبلل فامتصه “قيصر” مجددًا، ثم عضَّ شفتيه عضةً خالية من الألم. عاد اللسان الناعم ليتسلل عبر الشفاه المفتوحة ويلامس لسان “لي وون”، يداعبه ويثير دغدغةً في داخله. تكرر عض الشفاه والانفصال عنها مرارًا، حتى اختلط اللعاب والأنفاس وترك عقله في حالة من الذهول. وتجاوبًا مع الشفاه التي تبتعد، أخرج “لي وون” لسانه أولًا ليمتصه “قيصر”. انطبق جسد “قيصر” فوقه تمامًا، وتلاحقت أنفاسهما اللاهثة، وكان جليًا أن الرغبة قد بلغت ذروتها في جسديهما.
بعد فترة، فصل “قيصر” شفتيه، ورغم أنه نظر إليه بتنهيدة طويلة وعميقة، إلا أن “لي وون” تركه وشأنه. وفجأة، أطلق “قيصر” تنهيدة مأساوية، فقطب “لي وون” جبينه، لكن “قيصر” بدا كأنه واقع تحت تأثير تنويم مغناطيسي.
كانت عيناه السوداوات كالأخدود تنظران إليه، تعكسان صورته دون ارتجاف. أمال “قيصر” رأسه والتقت أنفاسهما المبللة مجددًا. وفي اللحظة التي لامس فيها لسانه الناعم شفتيه المفتوحتين، فكر “قيصر” مع تنهيدة خافتة: “حتى الإله سيغار مني”.
التقت أنفاسهما وأطلق أحدهما تنهيدة مرتجفة؛ لم يعرف “لي وون” إن كانت منه أم من “قيصر”، لكن الحقيقة المؤكدة هي إدراكه لقيمة تلك اللحظة التي التقت فيها شفاههما. كم من الوقت مضى وهما في تلك القبلة؟
لم يجرؤ “لي وون” على كبح أنفاسه المتلاحقة، بل تركها وراح يتلمس جسد “قيصر” العاري. تلاشت أصوات الأنفاس المختنقة في فم الآخر. شعر “لي وون” بثقل جسد “قيصر” بكامل بدنه واحتضنه من الخلف، فتموجت العضلات المتوترة كالأمواج تحت كفه، وخرجت تنهيدة من أعماق حلقه.
وما إن أحنى “لي وون” رأسه، حتى عضَّ “قيصر” عنقه. كان الهياج المفرط كفيلًا بإحداث ألمٍ في الرأس. التقم “لي وون” شفتي “قيصر” وامتصهما، ثم انقلب ليعلوه. في الوقت نفسه، أمسك “قيصر” بكنزة “لي وون” ورفعها، لتتحك حلمات صدرهما المكشوفة ببعضها بعد أن انفصلت شفاههما للحظة.
— “آه…”
خرجت أنة عميقة من أعماق حنجرة “لي وون”. انحنى “لي وون” للخلف وتلامس جلدهما العاري، وعندما انزلقت الحلمات واحتكت ببعضها، أطلق “قيصر” أنة محمومة. الرجل الذي لم يرمش له جفن حين سكب المطهر على جرح الرصاص، كان يئن بقسوة تحت “لي وون”. انحنى “لي وون” ودفن شفتيه فوق صدره، وبينما كان “قيصر” يرتجف، كزَّ على أسنانه وانقلب على السرير ليحتضنه مجددًا.
للحظة، اختل توازنهما وسقطا معًا إلى الأرض بضجيج قوي، لكن الأذرع التي تعانقت لم تفلت، وظلت الشفاه تتوق لبعضها بضراوة. عاد “لي وون” ليتخذ الوضعية العلوية، واحتك جسده بجسد “قيصر”، حيث تلامست أعضاؤهما عبر ثياب الجينز القديمة. انطلقت أنة هادرة من فم “قيصر”، الذي وضع يده فورًا على خصر “لي وون”، وأسرعت يداه تفكان الحزام. كما قام “لي وون” بفتح سروال “قيصر” وإنزاله. وفي اللحظة التي لامست فيها يد “لي وون” عضوه المكشوف، ابتلع “قيصر” أنفاسه بعنف كأنها صرخة مكبوتة. توقف “لي وون” ورفع رأسه، فاختلطت أنفاسهما الدافئة بالهواء البارد، وتلاقت وجوههما المشتعلة بالرغبة.
تردد “لي وون” للحظة، وبدا هذا التردد جليًا في عينيه، فما كان من “قيصر” إلا أن جذب شعر “لي وون” نحوه. “لي وون” الذي كان مترددًا وهو يداعب شفتيه كأنه مجبر، استجمع أنفاسه وأدخل لسانه في فم “قيصر”. كانت عينا “قيصر” أكثر هياجًا مما توقع؛ وشعر “لي وون” بوخزٍ في لسانه، فراح يلعق أسنانه ويداعب لسانه بلسانه. توقفت أنفاس “قيصر” المضطربة للحظة، وفي تلك الثانية، سحب “لي وون” لسانه قبل أن يُعض.
“قيصر”، الذي كزَّ على أسنانه وبالكاد خلع سروال “لي وون”، قبض على مؤخرته بيده الكبيرة الصلبة، وفي الوقت نفسه تلامست رغبتهما المنتصبة ببعضها. اتسعت عينا “لي وون” كأنه شعر بالحرج، وتقلص وجه “قيصر” للحظة. كانت لحظة عابرة من التردد، لكن ذلك التردد تحول إلى سمّ.
“طااااخ!”
توقف صوت الأنفاس المتلاحقة في لحظة أمام ذلك الضجيج المفاجئ الذي انبعث من مكانٍ ما. نظر كلاهما إلى الآخر بذهول، وهما يلهثان بوجوه محمرة. لكن تلك كانت مجرد البداية؛ فسرعان ما دوت أصوات خطوات عنيفة وسُمع صياح رجل غريب:
— “قيصر! أين أنت؟! قيصر!”
تقلص وجه “قيصر” على الفور، وسمع “لي وون” لأول مرة كلمات بذيئة تخرج من فمه. وعندما استعاد “لي وون” وعيه متأخرًا ونهض مسرعًا، قام “قيصر” أيضًا. وفي اللحظة التي كان فيها “لي وون” يغلق أزرار سرواله بسرعة، و”قيصر” يجلس على السرير ليرفع سرواله، انفتح باب الغرفة بعنف.
— “قيصر!”
نظر “لي وون” بعينين متفاجئتين إلى الرجل الذي اقتحم المكان بصياح حاد. كان يرتدي معطفًا سميكًا وبدا كأنه “رجل ثلج” بشري، فقد تراكم الجليد فوق رأسه وكتفيه وحذائه، ومن خلفه كانت رياح الشمال العاتية تعصف بالثلج. عندما رأى “لي وون” هذا الرجل الضخم كـ “قيصر”، تجمّد مكانه. لكن الرجل ما إن نزع قبعته حتى ركض مباشرة نحو “قيصر”.
— “يا إلهي، أنت بخير! هل تعلم كم كنتُ قلقًا يا قيصر؟ هل تعرف كم مرة انخفض نبضك؟ إذا حدث مكروه، فأنا هنا لأقتلهم جميعًا!”
جلس “قيصر” على السرير ومنع الرجل الذي كان يحاول معانقته وهو ينفث دخان سيجارته. تلقى الرجل ضربة في معدته جعلته يتدحرج على الأرض، فقال “قيصر” بوجهٍ ينم عن الانزعاج:
— “أنت صاخب جدًا، لذا اصمت”.
تمتم “قيصر” بشيء غير مفهوم مجددًا؛ لم يبدُ كلامًا طيبًا، بل خمن “لي وون” أنها شتيمة. ومع ذلك، نهض الرجل الذي تلقى اللكمة في معدته بسرعة وبدأ يتحدث دون كلل:
— “هيا بنا، لقد أحضرتُ الطبيب أيضًا. ماذا حدث بحق الجحيم؟ الجميع قالوا إن هناك جلبة، ويبدو أنك نزفتَ كثيرًا، فهل تعرضتَ لأي صدمة؟”
كان يتحدث بسرعة وكأنه يعرف كل شيء عن “قيصر”. خرج “قيصر” من الغرفة أولًا وقال لـ “لي وون”:
— “اخرج ببطء”.
ونظرًا لمراعاة “قيصر” الذي كان يعرف حالة “لي وون” المرتبكة أكثر من أي شخص، نظر إليه “ديميتري”. وعلى الفور، غطى “قيصر” عيني “ديميتري” بيده الكبيرة وجره بعيدًا. أُغلق الباب، وبقي “لي وون” وحيدًا بالكاد يلتقط أنفاسه.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!