فصل 47

فصل 47

ما إن غادرتُ حتى عصفت ريحٌ باردة. عقدَ **قيصر** حاجبيه حين رأى البابَ الرئيسيَّ محطمًا؛ وبالطبع لم يكن بحاجةٍ للسؤالِ عن الجاني.
«**قيصر**، عليكَ تدفئةُ جسدك، لكن مع هذا البرد القارس.. أسرع واصعد إلى المروحية، أدعوكَ للدخول».
ما إن رأى الطبيبُ الجزءَ العلويَّ العاري من جسدِ **قيصر** حتى ارتبكَ وأحدثَ ضجة، وبينما كان **قيصر** يلتفُّ للمغادرة، قال **ديمتري** بلهجةٍ مطمئنة:
«تلقَّ العلاج، سأتولى أنا الأمر». وأضاف **ديمتري** بصوتٍ خفيض: «لقد انخفضَ ضغطُ دمي إلى 60.. الجميعُ هنا مستعدون لخوضِ حرب».
وكما قال، كانت وجوهُ الحراسِ متصلبة، وهي وجوهٌ نادرًا ما تظهرُ عليها المشاعر، لكنَّ اللحظةَ كانت غريبةً حقًا. سارعَ أحدُ رجاله وألقى بمعطفٍ فوقَ كتفِ **قيصر**، فمشى الأخيرُ نحو المروحيةِ دون نطقِ كلمة.
«أولئك الشياطين.. هل عبروا من هنا؟ أتعلمُ كم كان الأمرُ مفاجئًا؟».
قطبَ **ديمتري** جبينَه وهو يقودُ **قيصر** للمروحية، بينما واصلَ **قيصر** تقدمَه دون أن ينظرَ إلا أمامَه.
«كان هناك قناص، إنه مجردُ ألمٍ بسيط».
«قناص؟».
لمعت عينا **ديمتري** بحدة. وبعد أن تلاشت الكلماتُ بشكلٍ غامض، تحدثَ **قيصر** بوجهٍ متصلبٍ خالٍ من التعبير، تنبعثُ منه هيبةٌ غريبة. للحظة، ذُهلَ **ديمتري** بملامحِه، بينما قال **قيصر** بلهجةٍ قاتمةٍ يملؤها البرود:
«أجل، بما أنهم اختاروا الطريقةَ التي أعدموا بها **لومونوسوف**، فلا بديلَ لديَّ سوى الردِّ بالمثل».
ارتعدَ **ديمتري** لسماعِ كلماتِه التي بدت كأنها مناجاةٌ داخلية، ثم أغمضَ عينيه وأجابَ بابتسامة:
«بالتأكيد، يا **قيصر**».
بعد الانتهاءِ من الإجراءاتِ اللاحقةِ على مضض، غادرَ **لي وون** الغرفة، وفجأةً أصبحَ الرواقُ خاليًا وصامتًا. وبينما كان ينظرُ حوله بحيرة، اصطدمَ بذلك “الرجلِ الجليدي” الذي دخلَ المنزلَ للتو. توقفَ **لي وون** مكانَه، فحيّاهُ **ديمتري** بابتسامة:
«أيها المحامي، هذه أولُ مرةٍ نلتقي فيها وجهًا لوجه».
عقدَ **لي وون** حاجبيه لاإراديًا. أهذا الرجلُ يعرفني؟ نظرَ إليه بصمتٍ بسببِ نبرتِه الفظة، لكنَّ **ديمتري** لم يكترث ومدَّ يدَه:
«أنا **ديمتري**، ابنُ عمِّ **قيصر**».
نظرَ **لي وون** إلى الرجل الذي يشبهُ **قيصر** في ملامحِه ويختلفُ عنه تمامًا في طباعِه، وانتابه شعورٌ غريب. وبعد مصافحةٍ سريعة، سحبَ **ديمتري** يدَه وواصل:
«**قيصر** يتلقى العلاجَ الآن، سأرشدك».
لحقَ به **لي وون** بعد أن بحثَ عن معطفِه الملقى على الأرض وغادرا المنزل. كان الثلجُ قد توقفَ نسبيًا، لكنَّ الرقاقاتِ كانت لا تزالُ تتطاير. تراكمَ الجليدُ حتى وصلَ لركبتيه، متبعًا خطواتِ مَن سبقوه، سألَ **لي وون**:
«ولكن كيف عرفتم؟ يقولون إنَّ الطائراتِ والقواربَ كلها توقفت بسببِ العاصفة».
صمتَ **ديمتري** بجديةٍ ثم قال:
«الإحداثياتُ في جسدِ **قيصر**».
ومع ملامحِ الذهولِ التي اعتلت وجهَ **لي وون**، أكملَ **ديمتري**:
«**قيصر** لديه شريحةٌ إلكترونيةٌ في جسدِه تفعّلُ إنذارًا حين يُصابُ أو يتعرضُ للخطر. لذا، عندما تضطربُ المؤشراتُ الحيويةُ كالنبضِ أو درجةِ حرارةِ الجسد، تتحولُ الحالةُ إلى طوارئ. ويحددُ القمرُ الصناعيُّ موقعَه، حتى لو كان في عرضِ البحر».
ظلَّ **لي وون** عاجزًا عن الكلام. لقد سمعَ عن زرعِ أشياءٍ كهذه في جسدِ الإنسان، لكنها المرةُ الأولى التي يرى فيها الأمرَ أمام عينيه. ظنَّ أنَّ الأجهزةَ الإلكترونيةَ أقلُّ واقعيةً من ذلك. قال له **ديمتري** وهو يراهُ صامتًا وغارقًا في شعورٍ غريب:
«هيا، تفضل بالدخول».
عندما فتحَ عينيه، رأى مروحيةً ضخمةً أمامَه. شعرَ **لي وون** بالارتباكِ مجددًا لأنَّ ما كان يعرفُه كمروحيةٍ عسكريةٍ يُستخدمُ الآن لأغراضٍ شخصية. وبينما كان يصعدُ صامتًا، قال **ديمتري** الذي كان يراقبُه:
«لديَّ سؤال، ماذا كنتما تفعلان؟».
توقفَ **لي وون** ونظرَ إليه، فقال **ديمتري** بوجهٍ جامد: «المنزلُ كله كان يتجمد، باستثناءِ تلك الغرفةِ التي كانت دافئة. ماذا كنتم تفعلون؟ ثمَّ إنَّ هناك كدمةً في ظهرِ **قيصر**.. يقولون إنَّ ما أصابه من القناصِ كان مجردَ رصاصات…».
عقدَ **لي وون** حاجبيه وهو يرى ابتسامةَ الآخرِ حين استدار.
«لستُ ملزمًا بالرد».
بعد أن قال ذلك بصوتٍ خفيضٍ والتفتَ للمغادرة، قال **ديمتري**: «لن تكونَ سمًا أو نفعًا لـ **قيصر**».
اقتربَ **ديمتري** من **لي وون** الذي توقفَ عن المشي لاإراديًا، وهمسَ في أذنِه:
«إذا اعترضتَ طريقَه، يمكنني دائمًا قتلكَ بابتسامة».
وعندما التفتَ **لي وون** بجبينٍ مقطب، ابتسمَ **ديمتري**: «هذا هو».
ثم مرَّ بخطواتٍ سريعةٍ كأنَّ شيئًا لم يكن.
التفتَ **لي وون** ليرى مجموعةً من الناسِ يتحدثون بصوتٍ خافت، ووقفَ في المروحيةِ وسطَ جلبةِ الخطواتِ وضجيجِ الطاقمِ المحيطِ بـ **قيصر**. الطبيبُ ورجلٌ آخر مجهولٌ يحملان أجهزةً يراها للمرةِ الأولى، بينما كان **ديمتري** يتبعهما ويتحدثُ مع **قيصر** الذي كان ينصتُ باهتمامٍ وهو يعقدُ حاجبيه.
وعندما نظرَ **لي وون** إليهم، أشارَ الطبيبُ الذي أنهى العلاجَ بسرعةٍ بإمكانيةِ المغادرة. وبعد فترةٍ وجيزة، دخلَ أفرادُ العصابةِ الذين كانوا يحرسون المروحية؛ كانت وحدةً صغيرةً مكرسةً لخدمةِ **قيصر**؛ طاقمٌ طبي ومعداتٌ متطورة وأفرادٌ مستعدون للمخاطرةِ بحياتِهم من أجلِه.
مرةً أخرى، شعرَ **لي وون** بفجوةٍ غريبة.. الرجلُ الذي كان يقبلُه للتو أصبحَ الآن بعيدًا جدًا. وبمشاعرَ معقدة، وجدَ مقعدًا خاليًا وجلس. انطلقَ ضجيجُ المحركات، وبعد برهة، أقلعت المروحيةُ الثقيلةُ متجهةً نحو القارة، بينما شعرَ **لي وون** بتعبٍ شديدٍ وهو يفكرُ في المستقبل.
ما إن نزلَ من المروحيةِ وسطَ الثلوجِ الكثيفة، حتى دخلَ **قيصر** المنزلَ محاطًا بالطاقمِ الطبي، ولم يتمكن **لي وون** من التحدثِ معه بكلمة. نظرَ عبرَ النافذةِ الشفافةِ لغرفةِ **قيصر** ورأى الناسَ يدخلون ويخرجون بانشغال، فوقفَ هناك لفترةٍ ثم استدارَ ومضى بعيدًا.
وأخيرًا، عادَ إلى منزلِه بعد وقتٍ طويل.
**الفصل السادس عشر**
«يا للهول، مَن هذا؟».
صاحتِ العجوزُ بتفاجؤٍ حين التفتت عند سماعِ صوتِ بابِ المقهى يُفتح. عانقَها **لي وون** الذي غمرتْه السعادةُ برقة: «كيف حالكِ؟».
«بخيرٍ طبعًا. لا بدَّ أنك واجهتَ الكثيرَ من المتاعب، لقد نَحُلَ وجهُك». واصلَ **لي وون** الاستماعَ لجدتِه وهي تتذمرُ وتلعنُ صاحبَ عملِه.
«لقد مررتُ من هنا بعد فترة. هل العمُّ **نيكولاي** في الأعلى؟». أومأتِ الجدةُ بسرعة.
«إنه بخير، اصعد إليه. لقد اشتاقَ إليك، وهو بانتظارِك».
بعد إلقاءِ التحيةِ السريعةِ على الجدة، صعدَ **لي وون** السلالم. طرقَ البابَ برفق، وبعد برهةٍ ظهرَ وجهٌ مألوف.
«أنت!»
جذبَه **نيكولاي** بسرعةٍ إلى الداخل وهو يئنُّ من شدةِ الفرح. كانت علاماتُ وجودِ طفلٍ في المنزلِ واضحة؛ فرائحةُ الملابسِ المتسخةِ وفضلاتِ الأطفالِ تملأُ المكان، مما أثارَ شعورًا طفيفًا بالضيقِ في أنفه. توجهَ **لي وون** إلى السريرِ الصغيرِ وسطَ غرفةِ المعيشةِ وابتسمَ بسعادة.
«أهلًا، كيف حالُك؟».
وعندما مدَّ إصبعَه للتحية، رفعَ الطفلُ يدَه وأمسكَ بإصبعِ **لي وون**. ومن خلفِه، تحدثت زوجةُ **نيكولاي**:
«أهلًا بك يا سيد **لي وون**. قالوا إنك لن تستطيعَ المجيءَ لفترةٍ بسببِ العمل، هل انتهى ذلك العملُ على خير؟».

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!