فصل 52

فصل 52

هذا جَيِّد، سَأعْمَلُ بجدٍّ لأُغَادِرَ غَداً، لِذَا سَأكْتَفِي بِنَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ اليَوْم. صَدِّقْنِي، أَشْعُرُ أَنَّ رَأْسِي سَيَنْفَجِر!» مَا إنْ رَآهُ يَئِنُّ وَيَعْتَصِرُ رَأْسَهُ بِيَدَيْه، حَتَّى طَقْطَقَ قَيْصَر بِلِسَانِه خِفْيَةً وَقَال: “هَذَا لِأَنَّكَ تَشْرَبُ كُحُولاً رَخِيصَة. كَيْفَ لَعِبْتَ بِعَقْلِكَ وَشَرِبْتَهَا؟” أَجَابَهُ «وُون» بَأَنِينٍ مَكْتُوم: “سَوَاءٌ أَكَانَ غَالِياً أَمْ رَخِيصاً، الكُحُولُ هُوَ الكُحُول حِينَمَا أَرْفَعُ الكَأْسَ إِلَى فَمِي”. فَرَدَّ عَلَيْهِ قَائِلاً: “وَهَلْ تَسِيرُ الأُمُورُ بِنَفْسِ مَبْدَأِ الشَّطِيرَةِ عِنْدَك؟” ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ بِمَلامِحَ مُنْقَبِضَة، مُسْتَحْضِراً ذِكْرَيَاتٍ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا كَثِير. أَمَّا الشَّابُّ المُمَدَّدُ، فَقَدْ كَانَ مُسْتَمِرّاً فِي شَدِّ شَعْرِهِ دُونَ حَرَاك، وَأَطْلَقَ تَأَوُّهاً عَمِيقاً. بِسَبَبِ هَذَا المَنْظَرِ المُزْرِي، نَادَى قَيْصَر رَئِيسَ الخَدَم، وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، دَخَلَ الأخِيرُ حَامِلاً حَبَّةَ أَسْبِرِين وَكَأْسَ مَاء، فَقَالَ لَهُ: “خُذْ دَوَاءَك”. عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الكَلِمَات، تَرَنَّحَ «لِي وُون» وَسَكَبَ الدَّوَاءَ فِي فَمِه، وَفَجْأَةً، طَقْطَقَ الآخَرُ بِلِسَانِهِ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَرَاهُ يَمْضَغُ الحَبَّةَ مُعَلِّقاً: “كَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَشْرَبَ المَاءَ مَعَهَا”. حِينَئِذٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَوْعَبَ الأَمْرَ لِتَوِّه، جَرَعَ كَأْسَ المَاءِ كَامِلاً دَفْعَةً وَاحِدَة، ثُمَّ مَسَحَ شَفَتَيْهِ بِظَهْرِ يَدِهِ وَارْتَمَى مَرَّةً أُخْرَى عَلَى السَّرِير. فَتَحَ قَيْصَر فَمَهُ وَهُوَ يُرَاقِبُهُ يَنْكَمِشُ عَلَى نَفْسِهِ كَشَرْنَقَةٍ لِيَنَام، وَسَأَلَهُ: “هَلْ صِرْتَ بِخَيْرٍ الآن؟” فَأَجَابَهُ: “حَتَّى لَوْ قَتَلْتَنِي اليَوْم، لَنْ أَسْتَطِيعَ العَمَل”. بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ فِي اللَيْلَةِ المَاضِيَة، كَانَ حَتَّى صَوْتُهُ مُتَحَشْرِجاً وَمُجْهَداً، وَلَمْ يَكُنْ فِي وَضْعٍ يَسْمَحُ لَهُ بِالعَمَلِ أَبَداً. جَلَسَ قَيْصَر بِجَانِبِ السَّرِيرِ يَتَأَمَّلُه، حَيْثُ كَانَ شَعْرُهُ الدَّاكِنُ يَبْرُزُ مِنْ بَيْنِ الأَغْطِيَةِ المَلْفُوفَة، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فِي صَمْت، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ بِهُدُوء؛ فَتَشَابَكَتْ خُصَلَاتُهُ النَّاعِمَةُ بَيْنَ أَصَابِعِه، إِذْ كَانَتْ خَفِيفَةً لِلْغَايَةِ كَفَرْوِ جَرْوٍ صَغِير. أَخَذَ يُدَاعِبُ بِبُطْءٍ الشَّعْرَ الوَحِيدَ البَارِزَ مِنْ جَسَدِهِ المَدْفُونِ تَحْتَ الدِّثَار، وَفَجْأَةً، انْبَعَثَتْ تَنْهِيدَةُ ارْتِيَاحٍ مِنْ دَاخِلِ الغِطَاء، وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَة، تَعَالَى صَوْتُ أَنْفَاسٍ مُنْتَظِمَة. أَسْنَدَ رَأْسَهُ عَلَى تِلْكَ الشَّرْنَقَةِ البَشَرِيَّة، وَبَعْدَ أَنْ ظَلَّ سَاكِناً لِبُرْهَة، هَمَسَ قَائِلاً: “إِنْ لَمْ تَسْتَيْقِظ، سَأَهْجُمُ عَلَيْك”. رَدًّا عَلَى هَذَا الصَّوْتِ الخَفِيض، اكْتَفَى الآخَرُ بِتَنْهِيدَةٍ صَامِتَة. ابْتَسَمَ قَيْصَر بِمَرَارَةٍ وَهُوَ يَتَأَمَّلُه، ثُمَّ صَفَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ خَفِيفاً كَمُدَاعَبَة، وَفِي اللَحْظَةِ نَفْسِهَا، قَطَّبَ «وُون» جَبِينَهُ وَصَرَّ عَلَى أَسْنَانِه. عِنْد رُؤْيَةِ هَذَا، غَطَّى قَيْصَر فَمَهُ، وَأَحْنَى رَأْسَهُ وَهُوَ يَهْتَزُّ ضَحِكاً بِخِفَّة، وَدُونَ أَنْ يَدْرِيَ بِمَا يَحْدُثُ حَوْلَهُ مُطْلَقاً، تَنَهَّدَ الشَّابُّ المَخْمُورُ وَعَادَ إِلَى اسْتِغْرَاقِهِ فِي النَّوْم. وَلَكِنْ، أَلَا يُسَبِّبُ الكُحُولُ الغَالِي صُدَاعاً فِي الرَّأْس؟ حِينَمَا فَتَحَ «لِي وُون» عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ بِوَجْهٍ جَادٍّ وَتَعَابِيرَ مُتَأَلِّمَة، أَخَذَ يَتَمَاطَى وَهُوَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الغِطَاء، لِيُصَابَ بِالذُّهُول؛ فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ شَعْرٌ شَقْرَاوِيٌّ بَلَاتِينِيٌّ مُشِعٌّ أَمَامَ عَيْنَيْه مُبَاشَرَةً. كَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟ طَوَالَ هَذَا الوَقْت، كَانَ رَفِيقُهُ لَا يَزَالُ نَائِماً، مُسْتَلْقِياً بِجَانِبِه. وَبِتَأَخُّرٍ، تَذَكَّرَ مَا حَدَثَ لَحْظَةَ النَّوْم، فَهَلْ هَذَا هُوَ مَنْزِلُ قَيْصَر؟ نَظَرَ حَوْلَ المَكَانِ دُونَ قَصْد، وَكَانَ المَنْظَرُ دَاخِلَ الغُرْفَةِ مُخْتَلِفاً تَمَاماً عَنِ بَقِيَّةِ الأَرْجَاء. وَبِسَبَبِ وُجُودِ جَنَاحٍ حَدِيثٍ وَبَسِيطٍ كَهَذَا فِي مَنْزِلٍ مَلِيءٍ بِالأثَاثِ الأَنْتِيكِ العَتِيق، شَعَرَ بِغَرَابَةٍ وَرَاحَةٍ فِي آنٍ وَاحِد. الآنَ وَقَدْ فَكَّرَ فِي الأَمْر، لَقَدْ سَمِعَ سَابِقاً أَنَّهُ فِي المَنَازِلِ الضَّخْمَةِ كَهَذِه، يَكُونُ لِكُلِّ غُرْفَةٍ تَصْمِيمٌ دَاخِلِيٌّ مُخْتَلِف، بِحَيْثُ تَنَامُ فِي غُرْفَةٍ مُغَايِرَةٍ تَمَاماً وَفْقاً لِحَالَتِكَ المِزَاجِيَّة. لَقَدْ سَخِرَ عِنْدَمَا سَمِعَ هَذَا الكَلَامَ لأَوَّلِ مَرَّة، لَكِنَّهُ الآنَ بَاتَ يَفْهَمُ الأَمْرَ إِلَى حَدٍّ مَا، إِذْ بَدَا أَنَّ التَّصْمِيمَ البَسِيطَ وَالمُوحَدَ لِلْمَكَانِ يُهَدِّئُ نَبَضَاتِ الصُّدَاعِ فِي رَأْسِه. اسْتَلْقَى وَأَخَذَ أَنْفَاساً عَمِيقَةً لِتَهْدِئَةِ مَا تَبَقَّى مِنَ الثُّمَالَة، فَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّعَ هَذَا الخُمَارَ مُسَبَّقاً. لَا، بَلْ كَانَ يَعْلَم، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَطِيعَ رَفْضَ الأَمْر؛ فَلَقَدْ كَانَ الأَمْسُ يَوْماً مَشْهُوداً عِنْدَ رُؤْيَةِ «نِيكُولَاي» وَزَوْجَتِهِ يَبْكِيَانِ دُمُوعَ الفَرَحِ دُونَ انْقِطَاع، حَيْثُ رَفَعَ الجَمِيعُ فِي البِنَايَةِ الكُؤُوسَ نَخْباً تِلْوَ الآخر. لَقَدْ شَرِبَ كَمِيَّاتٍ مِنَ النَّبِيذِ تُعَادِلُ تِلْكَ الدُّمُوع، وَالنَّتِيجَةُ هِيَ مَا هُوَ عَلَيْهِ الآن. آه، لِمَاذَا لَا تَنْتَهِي الحَيَاةُ دَائِماً بِنِهَايَةٍ سَعِيدَة؟ كَانَ الأَمْرُ رَائِعاً جِدّاً أَثْنَاءَ الشُّرْب، هَكَذَا فَكَّرَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَضْغَطُ عَلَى رَأْسِهِ النَّابِض. فِي هَذِهِ الأَثْنَاء، كَانَ قَيْصَر لَا يَزَالُ غَارِقاً فِي نَوْمِه، فَاسْتَلْقَى «لِي وُون» وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ مَلَامِحَهُ الوَسِيمَةَ فِي صَمْت، وَفَجْأَةً، عَادَتِ الأَحْدَاثُ الَّتِي جَرَتْ فِي الجَزِيرَةِ تَدُبُّ فِيهَا الحَيَاةُ دَاخِلَ عَقْلِه: ‘هَلْ سَيَسْتَيْقِظُ كَمَا فَعَلْتُ أَنَا؟ هَلْ يَجِبُ أَنْ أَقْطِيبَ حَاجِبَيَّ قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ؟ وَمَاذَا لَوْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَجْأَةً وَاقْتَرَبَ لِيُقَبِّلَنِي؟’ كَانَ الجَوَابُ هُوَ الِاحْتِمَالُ الثَّالِث؛ فَبِسَبَبِ الوَمِيضِ المُفَاجِئِ لِلْعَيْنَيْنِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ الفِضِّيَّتَيْن، تَجَمَّدَ لِلَحْظَة. ظَلَّ الاِثْنَانِ سَاكِناً يَنْظُرَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا البَعْض، وَسَادَ صَمْتٌ مُحْرِج، وَأَخَذَ عَقْلُهُ يَعْمَلُ كَالمَجْنُونِ لِيَجِدَ شَيْئاً يَقُولُه، لَكِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ لَمْ يَسْتَطِعْ نُطْقَ كَلِمَة، وَكَانَ الحَالُ نَفْسُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ المَاثِلِ أَمَامَه. تَدْرِيجِيّاً، اشْتَعَلَ وَجْهُهُ دِفْئاً، وَلِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحَمُّلِ تِلْكَ النَّظَرَاتِ الَّتِي تَتَفَحَّصُه، أَدَارَ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ مُتَمْتِماً: “أَمم، مَعْذِرَةً عَلَى الغِيَابِ المُفَاجِئِ عَنِ العَمَل. لَقَدْ أَفْرَطْتُ فِي الشُّرْب”. فَعَلَّقَ قَيْصَر: “تَبْدُو بِهَذَا المَظْهَرِ إِذَنْ”. وَمُقَلِّداً إِيَّاه، نَهَضَ الآخَرُ أَيْضاً عَلَى قَدَمَيْه، بَيْنَمَا جَلَسَ الشَّابُّ نَاظِراً إِلَى الِاتِّجَاهِ الآخر وَهُوَ يَحُكُّ شَعْرَهُ المُبَعْثَرَ فِي كُلِّ صَوْب مُضِيفاً: “سَأَذْهَبُ إِلَى العَمَلِ غَداً فَوْراً…”. فَسَأَلَهُ: “هَلْ هُنَاكَ آلَامٌ فِي الرَّأْسِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِك؟” رَدًّا عَلَى سُؤَالِه، أَوْمَأَ بِرَأْسِه، ثُمَّ الْتَفَتَ وَرَآهُ وَاقِفاً يَنْظُرُ إِلَيْه فِيهَا، فَابْتَسَمَ قَيْصَر خَفِيفاً لِلشَّابِّ المُرْتَبِك. آه! فَجْأَةً خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ قَدْ يُقَبِّلُه، وَفِي اللَحْظَةِ المُنَاسِبَة، هَمَسَ الرَّجُلُ الشَّقْرَاوِيُّ: “إِذَا قَبَّلْتُكَ الآن، هَلْ سَتَضْرِبُنِي؟” نَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» بِعَيْنَيْنِ نِصْفِ مُغْمَضَتَيْن، وَكَانَتِ العَيْنَانِ الفِضِّيَّتَانِ الرَّمَادِيَّتَانِ تَتَأَمَّلَانِهِ فِي صَمْت، فَقَالَ: “وَلَنْ تَفْعَلَهَا إِذَا قُلْتُ إِنَّنِي سَأَضْرِبُك؟” ضَحِكَ الآخَرُ بِلَا صَوْتٍ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الصَّوْتِ الخَفِيض، وَبَدَلاً مِنَ الإِجَابَة، لَعِقَ شَفَتَيْه. أَغْلَقَ «وُون» عَيْنَيْهِ بِكُلِّ تِلْقَائِيَّة، وَفِي وَقْتٍ لَاحِقٍ أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ لِضَرْبِهِ فِي المَقَامِ الأَوَّل. وَبِكُلِّ تِلْقَائِيَّة، أَلْقَى قَيْصَر بِثِقْلِ جَسَدِهِ فَوْقَه، وَدُونَ إِرَادَةٍ مِنْه، تَرَاجَعَ «لِي وُون» خُطْوَةً إِلَى الوَرَاء حَتَّى لَامَسَتِ المِلَاءَةُ جَسَدَه، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى المَرْتَبَةِ النَّاعِمَة. الشَّقْرَاوِيُّ الَّذِي كَانَ يَمْتاصُّ شَفَتَيْهِ بِإِصْرَارٍ وَيَلْعَقُ لِسَانَهُ بِنَهَم، اسْتَغَلَّ الفَجْوَةَ بَيْنَ شَفَتَيْهِ لِيَهْمِس: “أَنَا خَائِبُ الأَمَلِ لِأَنَّكَ اخْتَرْتَ الكُحُولَ بَدَلاً مِنِّي”. بَدَا كَلَامُهُ أَكْثَرَ صِدْقاً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، فَشَعَرَ الشَّابُّ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِاعْتِذَارُ بِشَكْلٍ مَّا، وَأَنَّهُ مُخْطِئٌ تَمَاماً. تَأَخَّرَ فِي اسْتِيعَابِ الأَمْرِ وَظَلَّ مَبْهُوتاً، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِراً عَلَى التَّفْكِيرِ بِشَكْلٍ أَعْمَق؛ لأَنَّ قَيْصَر رَفَعَ قَمِيصَهُ وَعَضَّ حَلَمَتَهُ بِأَسْنَانِه. “… … ؟!” لِلَحْظَة، أُصِيبَ بِصَدْمَةٍ جَعَلَتْ جَسَدَهُ يَنْتَفِضُ مَكَانَه، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعَضُّ تِلْكَ الحَلَمَةَ الصَّغِيرَة، ضَحِكَ قَيْصَر صَامِتاً. كَانَ صَوْتُ المَصِّ وَاللَّعْقِ عارِياً وَمَكْشُوفاً لِلْغَايَة حَتَّى أَنَّ جِلْدَ «وُون» قَشْعَرَّ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ جَسَدِه. بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيل، أَنْزَلَ الآخَرُ بَنْطَالَهُ مَعَ سِرْوَالِهِ الدَّاخِلِيِّ دَفْعَةً وَاحِدَة، وَفَجْأَةً، لَفَحَ البَرْدُ أَسْفَلَ ظَهْرِه، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقْتِ لِلْفَزَع؛ لأَنَّ الرَّجُلَ ارْتَمَى فَوْقَ جَسَدِهِ مُبَاشَرَةً. … … ! اسْتَيْقَظَ مَعَ شُعُورٍ حَاسِمٍ صَدَمَ كِيَانَه؛ كَانَ الأَمْرُ وَاضِحاً لَا يَقْبَلُ الشَّكّ، لَقَدْ كَانَ قَضِيبُ قَيْصَر المُنْتَصِبُ يَضْغَطُ عَلَيْه. لَمْ يَجْرُؤْ «لِي وُون» عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْه، كَانَ الثِّقْلُ وَالشَّكْلُ اللَّذَانِ شَعَرَ بِهِمَا كَافِيَيْنِ لِجَعْلِ عَمُودِهِ الفِقْرِيِّ يَرْتَعِدُ بِسَبَبِ حَجْمِه. فِي لَمْحَةِ بَصَر، مَرَّتْ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ فِي عَقْلِهِ حَتَّى صَارَ ذِهْنُهُ أَبْيَضَ تَمَاماً مَشْلُولاً. فَسَأَلَهُ قَيْصَر حِينَ شَعَرَ فَجْأَةً بِشَيْءٍ غَرِيب: “مَاذَا حَدَث؟” فَرَمَشَ الآخَرُ بِعَيْنَيْهِ خَجَلاً وَقَال: “آه… هُنَاكَ… إِذَنْ، هَلْ سَتُدْخِلُهُ فِيه؟” فَجَاءَتِ الإِجَابَةُ صَادِمَةً: “أَجَل. لِمَاذَا تَسْأَل؟” بَقِيَ الشَّابُّ عَاجِزاً عَنِ الكَلَامِ أَمَامَ هَذِهِ الإِجَابَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِطَرِيقَةٍ جَرِيئَةٍ وَمُنْعِشَة، فَمَا كَانَ مِنَ الرَّجُلِ إِلَّا أَنِ ابْتَسَمَ وَقَبَّلَ شَفَتَيْهِ مُمَازِحاً: “هَلْ أَنْتَ خَائِف؟” بَدَا صَوْتُهُ المَهْمُوسُ كَدُعَابَة، وَكَانَ «وُون» يَنْوِي أَنْ يَسْأَلَهُ لِمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِدْخَالُه، لَكِنَّهُ فِي نَفْسِ الوَقْتِ كَانَ يَرْغَبُ فِي ذَلِكَ أَيْضاً. خَطَرَتْ بِبَالِهِ كَلِمَاتٌ كَثِيرَة، مِثْلَ كَيْفِيَّةِ الإِدْخَالِ، أَوْ الِاكْتِفَاءِ بِالمُدَاعَبَةِ فَقَط، وَمَا إِلَى ذَلِك، لَكِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ فَمِه؛ فَكُلُّ مَا سَيَقُولُهُ هُنَا كَانَ سَيَبْدُو كَمُجَرَّدِ عُذْرٍ وَاهٍ. ‘مِنْ مَاذَا أَنَا خَائِفٌ بِحَقِّ الجَحِيم؟’ هَكَذَا فَكَّرَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعِنْدَ تِلْكَ النَّظْرَة، ضَيَّقَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ وَأَطْلَقَ تَنْهِيدَةً قَائِلاً: “أَنْتَ لَا تَعْرِفُ المَنْطِقَ الوَسَطَ أَبَداً”. وَعِنْدَمَا قَبَّلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لَمْ تَكُنِ القُبْلَةُ حُلْوَةً هَذِهِ المَرَّة؛ إِذْ لَعِقَ شَفَتَيْهِ وَعَضَّ لِسَانَهُ مُجَدَّداً، وَاصْطَدَمَتْ أَسْنَانُهُمَا. انْدَفَعَ قَيْصَر نَحْوَهُ وَكَأَنَّهُ سَيَفْتَرِسُهُ حَقّاً. وَعَلَى غَيْرِ المُتَوَقَّع، أُصِيبَ «لِي وُون» بِالِانْتِصَابِ هُوَ الآخر، فَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الأُولَى الَّتِي يَعْرِفُ فِيهَا أَنَّهُ يَثَارُ بِشِدَّةٍ مِنَ المُمَارَسَةِ العَنِيفَة. وَدُونَ وَعْيٍ مِنْه، مَدَّ يَدَهُ إِلَى الأَسْفَلِ وَأَمْسَكَ بِأَعْضَائِهِ التَّنَاسُلِيَّة، فَامْتَدَّتْ يَدُ الآخَرِ لِتُزِيحَ يَدَه. “… … !” بَعْدَ ذَلِكَ، جَرَى تَوْجِيهُهُ لِتُصْبِحَ الأَعْضَاءُ الَّتِي يَحْمِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِلْكاً لِقَيْصَر نَفْسِه. كَانَ القَضِيبُ السَّمِيكُ قَدْ نَمَا وَتَضَخَّمَ بِحَيْثُ لَا تَكَادُ تَحْتَوِيهِ قَبْضَةُ يَدِه، وَكَانَ صَلْباً رَاسِخاً. بِالنِّسْبَةِ لِلشَّابِّ الَّذِي صَارَ ذِهْنُهُ أَبْيَضَ فَجْأَةً، مَصَّ قَيْصَر شَحْمَةَ أُذُنِهِ وَتَحَدَّثَ بِصَوْتٍ خَشِنٍ وَمُتَهَدِّج: “أَمْسِكْنِي. دَاعِبْنِي”. وَفَجْأَةً، تَرَدَّدَ صَوْتُ أَنْفَاسٍ سَرِيعَةٍ فِي أُذُنَيْه، فَبَلَعَ رِيقَهُ الجَافَّ لَا إِرَادِيّاً، وَبَيْنَمَا كَانَ يُحَرِّكُ يَدَهُ المِتَرَدِّدَةَ بِعِنَايَة، قَطَّبَ قَيْصَر جَبِينَهُ وَأَطْلَقَ أَنِيناً مُثَاراً. مَعَ هَذَا الصَّوْت، اكْتَسَبَ الشَّابُّ بَعْضاً مِنَ الثِّقَة؛ فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ حَرَكَةً بَسِيطَةً بِالِانْزِلَاقِ صُعُوداً وَهُبُوطاً، إِلَّا أَنَّ الشَّقْرَاوِيَّ أَظْهَرَ رَدَّةَ فِعْلٍ وَاضِحَةً وَمُشْتَعِلَة. “آه!” فَجْأَةً، وَبِسَبَبِ احْتِجَازِهِ فِي الأَسْفَل، أَصْدَرَ صَوْتاً قَصِيراً دُونَ قَصْد، وَعِنْدَمَا رَفَعَ نَظَرَهُ بِلَا وَعْي، الْتَقَتْ عَيْنَاهُ بِعَيْنَيْ قَيْصَر. نَظَرَ الاِثْنَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا بِعِنَادٍ وَإِصْرَار، وَهُمَا يُحَرِّكَانِ أَيْدِيَهُمَا الَّتِي كَانَتْ تَنْزَلِقُ إِلَى الأَسْفَلِ وَتَحْتَكُّ وَتَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا بَعْضاً. كَانَ هَذَا اسْتِمْنَاءً وَاضِحاً، لَكِنَّهُ كَانَ جِنْساً حَقِيقِيّاً أَيْضاً، فَمُجَرَّدُ حَقِيقَةِ أَنَّ الأَيْدِي الَّتِي تَلْمَسُهُ لَمْ تَكُنْ يَدَيْهِ هُوَ، جَعَلَتْ جَسَدَهُ يَسْخُنُ وَيَغْلِي كَالمَجْنُونِ لِيَهْتِفَ الآخَرُ: “قُلْ آه… !” لَا إِرَادِيّاً، سَرَتِ القُوَّةُ فِي يَدِ «وُون» وَتَصَفَّحَتْ أَعْضَاءَ قَيْصَر التَّنَاسُلِيَّة بِقُوَّة، عِنْدَئِذٍ أَطْلَقَ الرَّجُلُ أَنِيناً عَمِيقاً خَرَجَ مِنْ أَعْمَاقِ حَنْجَرَتِه. وَفَجْأَةً، تَسَارَعَتْ حَرَكَةُ أَيْدِيهِمَا؛ فَقَدَ الشَّابُّ عَقْلَهُ تَمَاماً أَمَامَ الأَيْدِي المُرْتَعِشَة، وَكَمَا هُوَ الحَالُ فِي الِاسْتِمْنَاءِ، تَحَرَّكَتِ اليَدُ وَفَرَكَتْ مُؤَخَّرَتَه، لَكِنَّ يَدَ قَيْصَر هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَلْمَسُهُ وَتَعْبَثُ بِهِ حَقّاً

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!