فصل 54

فصل 54

لَا يُمْكِنُنَا التَّحَرُّكُ دُونَ أَدِلَّةٍ دَامِغَةٍ تُثْبِتُ أَنَّ «لُومُونُوسُوف» هِيَ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِك”. وَمَعَ الخُلَاصَةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا قَيْصَر، تَعَالَى النَّحِيبُ وَالِاحْتِجَاجُ مِنْ كُلِّ جَانِب، إِذْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَلْمَحَ المَسْؤُولِينَ وَهُمْ يَتَهَامَسُونَ بِرُدُودِ أَفْعَالٍ مُغَايِرَةٍ لِمَا كَانَ يَتَوَقَّعُه، لَكِنَّهُ وَاصَلَ الحَدِيثَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ رَزِينَة: “لَيْسَ مِنَ المَقْبُولِ أَنْ نَتَحَرَّكَ قَبْلَ الأَوَانِ فَنُثِيرَ الفَوْضَى. يَجِبُ عَلَى الجَمِيعِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَمْنَ المُنَظَّمَةِ أَبْجَلُ وَأَهَمُّ مِنْ كِبْرِيَاءِ أَيِّ فَرْد”. فَبَصَقَ «تُوتْشِيف» كَلِمَاتِهِ بِحَنَقٍ كَمَا كَانَ مُتَوَّقَعاً: “وَهَلْ هُنَاكَ مُنَظَّمَةٌ بِلَا كَرَامَةٍ أَوْ تَقْدِيرٍ لِلذَّات؟ كَمَا أَنَّ القَيْصَرَ بَاتَ غَرِيبَ الأَطْوَارِ هَذِهِ الأَيَّام. هَلْ نَسِيتَ الكِبْرِيَاءَ الرُّوسِيَّ؟ لَمْ يَقْتَصِرْ الأَمْرُ عَلَى عَدَمِ الرَّدِّ عَلَى الِاسْتِفْزَازَات، بَلْ قُمْتَ أَيْضاً بِإِحْضَارِ أَمْنَبِيٍّ غَرِيبٍ إِلَى مَنْزِلِكَ لِيَعْمَلَ لَدَيْك!” أَحْدَثَتْ كُشُوفُ «تُوتْشِيف» جَلَبَةً وَاضِحَةً بَيْنَ التَّنْفِيذِيِّيْن لِلَحْظَة، وَمَعَ ابْتِسَامَةِ النَّصْرِ الَّتِي اخْتَلَجَتْ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِه، وَاصَلَ هُجُومَهُ عَلَى قَيْصَر بِشِدَّةٍ أَكْبَر قَائِلاً: “لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ مُحَامٍ، لَكِنَّ المُنَظَّمَةَ تَمْلِكُ بِالفِعْلِ مُحَامِياً اسْتِشَارِيّاً! لِمَاذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجْنَبِيّاً إِذَنْ؟ لَقَدْ كُنْتُ صَابِراً حَتَّى الآن، لَكِنَّنِي مَجْبُورٌ عَلَى الِاسْتِمَاعِ لِلْإِجَابَةِ اليَوْم! يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ بِمَاذَا يُفَكِّرُ زَعِيمُنَا حَقّاً!” نَظَرَ المَسْؤُولُونَ إِلَى قَيْصَر بِأَفْوَاهٍ مُغْلَقَة، فِيمَا كَانَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرُّوسِ تَقِفُ مَعَ «تُوتْشِيف» وَتَرْمُقُهُ بِنَظَرَاتٍ غَاضِبَة، وَكَأَنَّهُمْ ضِبَاعٌ جَائِعَةٌ تُحِيطُ بِطَاوِلَةِ الِاجْتِمَاعِ بَحْثاً عَنْ فَرِيسَة. رَمَقَ قَيْصَر «تُوتْشِيف» بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ أَيِّ تَعْبِيرٍ وَقَال: “لَقَدْ فَهِمْتُ مَقْصَدَك، وَسَأَتَجَاوَزُ الأَمْرَ بِبَسَاطَة”. لَكِنَّ التَّنْفِيذِيِّيْن الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ هَذِهِ اللَحْظَةَ أَخَذُوا يَصْرُخُونَ وَيَصْفَقُونَ هَاتِفِين: “لَا يُمْكِنُكَ ذَلِكَ يَا قَيْصَر، نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى تَفْسِير! لَا، مَاذَا تَعْنِي بِهَذَا؟ الزَّعِيمُ يُحْضِرُ أَجْنَبِيّاً إِلَى بَيْتِه! لِيَشْرَحْ لَنَا أَحَدٌ هَذَا وَيُقْنِعْنِي! يَا قَيْصَر، هَلْ يُمْكِنُكَ فِعْلُ ذَلِك؟ هَذِهِ خِيَانَة! إِنْ كُنَّا لَا نَسْتَطِيعُ حَتَّى قَتْلَ رِجَالِ «لُومُونُوسُوف»، فَأَيُّ نَوْعٍ مِنَ المَسْخِ هُوَ هَذَا؟! مَا كَانَ لِـ «سَاشَا» أَنْ يَتَسَامَحَ مَعَ هَذَا أَبَداً”. عِنْدَ تِلْكَ الصَّرْخَةِ الأَخِيرَة، هَتَفَ قَيْصَر بِحَزْمٍ وَقَسْوَة: “أَنَا لَسْتُ وَالِدِي!” لِيَصْمُتَ المَسْؤُولُونَ وَيُغْلِقُوا أَفْوَاهَهُمْ فَوْراً، فِيمَا تَابَعَ هُوَ بِنَبْرَةٍ صَارِمَةٍ جَامِدَة: “إِنْ كَانَ لَدَى أَحَدِكُمْ شَكْوَى، فَسَأَسْتَمِعُ إِلَيْهَا. وَمَعَ ذَلِك، لَنْ أَسْمَحَ بِأَيِّ انْتِقَامٍ أَوْ رَدِّ فِعْلٍ عَنِيف. كَمَا قَالَ «مُولُوتُوف»، الأَزْمِنَةُ قَدْ تَغَيَّرَت، وَاسْتِخْدَامُ القُوَّةِ ضَدَّ الخَصْمِ لَمْ يَعُدْ أَمْراً مَقْبُولاً”. ثُمَّ أَضَافَ وَهُوَ يُصَوِّبُ نَظَرَاتِهِ الحَادَّةَ نَحْوَ «تُوتْشِيف»: “إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الطَّعْنَ فِي ظَهْرِي، فَعَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدّاً لِلْعَوَاقِب”. خَيَّمَ هُدُوءٌ مُطْبِقٌ عَلَى غُرْفَةِ الِاجْتِمَاعَاتِ فِي لَمْحَةِ بَصَر، وَحَتَّى أَكْثَرُ المَسْؤُولِينَ ضَجِيجاً لَمْ يَعُودُوا قَادِرِينَ عَلَى النُّطْق. وَحِينَمَا تَرَدَّدَ «تُوتْشِيف» وَجَلَسَ، أَخَذَ مَسْؤُولٌ آخَرُ كَانَ يُرَاقِبُ المَوْقِفَ الكَلِمَةَ، وَعِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِهِ عَنِ المَصَالِحِ المَحَلِّيَّة، نَظَرَ «تُوتْشِيف» إِلَى قَيْصَر دُونَ أَنْ يُخْفِيَ اسْتِيَاءَهُ العَمِيق. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الِاجْتِمَاع، انْقَسَمَ المَسْؤُولُونَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى الحَانَةِ الَّتِي يَعْتَادُونَ ارْتِيَادَهَا؛ حَيْثُ كَانُوا فِي هَذَا المَوْعِدِ الشَّهْرِيِّ يُفَرِّغُونَ شُحْنَاتِ غَضَبِهِمْ مِنَ الزَّعِيمِ أَوْ مِنَ المُنَظَّمَةِ نَفْسِهَا عَبْرَ الكُحُولِ وَالكَلِمَاتِ القَاسِيَة. لَكِنَّ الأَمْرَ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ مُخْتَلِفاً؛ فَفِي المُنَاسَبَاتِ الأُخْرَى كَانُوا يَسْتَدْعُونَ النِّسَاء، أَمَّا اليَوْم، فَقَدْ كَانَتِ الطَّاوِلَةُ مَلِيئَةً بِزُجَاجَاتِ النَّبِيذِ دُونَ وُجُودِ أَيِّ غَرِيبٍ عَنْهُم. وَتَسَاءَلَ أَحَدُهُمْ بِغَضَبٍ زَفَرَهُ فِيهَا، لِيَنْجَرِفَ مَعَهُ بَقِيَّةُ الضُّبَّاطِ مُتَضَامِنِين: “كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مُمْكِناً؟ الأَزْمِنَةُ تَغَيَّرَت! هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنْ نَتَحَمَّلَ الأَمْرَ هَكَذَا بِبَسَاطَة؟ لَقَدْ بَاتُوا يَقُولُونَ إِنَّ «سِيرْجِيف» لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَت، وَكُلُّ هَذَا بِسَبَبِ الزَّعِيم. هُوَ لَا يَتَحَرَّك، وَلِهَذَا لَا يُمْكِنُنَا فِعْلُ شَيْء. إِنَّهُ جَبَانٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الحَسْم. لَوْ أَنَّ «لُومُونُوسُوف» اسْتَهْدَفَتْ خَلِيفَةَ المُنَظَّمَةِ وَظَلَّ صَامِتاً، فَإِنَّ العَالَمَ بِأَسْرِهِ سَيَسْخَرُ مِنْ رِجَالِ «سِيرْجِيف». لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَمِرَّ المَوْقِفُ هَكَذَا، هَيَّا بِنَا لِنُوَجِّهَ الِاتِّهَامَ إِلَى الزَّعِيم”. تَعَلَّقَتْ أَنْظَارُ الجَمِيعِ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ وَتَبَادَلُوا النَّظَرَات، قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ المَسْؤُولُ الَّذِي يَقُودُ الحَدِيثَ فَمَهُ قَائِلاً: “انْتَظِرُوا، «سَاشَا» لَمْ يَتَقَاعَدْ بَعْد”. لَكِنَّهُ تَلَقَّى انْتِقَادَاتٍ لَاذِعَةً فَوْراً: “وَمَا الفَرْقُ بَيْنَ التَّقَاعُدِ وَالِابْتِعَاد؟ كُلُّ الِاجْتِمَاعَاتِ يُدِيرُهَا الزَّعِيمُ الحَالِيّ، وَكُلُّ الأَوَامِرِ تَصْدُرُ عَنْه. هَلْ رَأَى أَيٌّ مِنْكُمْ «سَاشَا» مُؤَخَّراً؟ لَقَدْ مَرَّتْ سَنَوَاتٌ مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا!” وَمَرَّةً أُخْرَى، انْدَلَعَتِ الهَمَسَاتُ بَيْنَ الحَاضِرِين، لِيَفْتَحَ «تُوتْشِيف»، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ المَشْهَدَ بِبُطْء، فَمَهُ بِجِدِّيَّة: “الآن، الجَمِيعُ يَعْرِفُ الحَقِيقَة، دَعُونَا نَفْعَلُهَا. يَبْدُو أَنَّنَا جَمِيعاً غَيْرُ رَاضِينَ عَنِ الزَّعِيم، وَمَا تَبَقَّى هُوَ كَيْفِيَّةُ التَّصَرُّف. قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ لِإِيصَالِ هَذَا إِلَى «سَاشَا»، لَكِنْ هَلْ نَثِقُ بِفِعْلِ ذَلِك؟” فَسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ بِاسْتِنْكَار: “هَلْ تَعْنِي أَنَّكَ لَا تَثِقُ فِي «سَاشَا»؟” وَأَمَامَ التَّعْلِيقَاتِ الغَاضِبَة، ضَحِكَ «تُوتْشِيف» بِصَوْتٍ خَفِيض: “بِالطَّبْع، كَانَ «سَاشَا» هُوَ القَائِدَ الَّذِي حَوَّلَ «سِيرْجِيف» إِلَى أَعْظَمِ مُنَظَّمَة. لَكِنَّهُ هُوَ أَيْضاً مَنْ صَنَعَ هَذَا القَيْصَر، فَهَلْ نُصَدِّقُ ذَلِك؟” تَرَدَّدَ الجَمِيعُ وَنَظَرُوا فِي عُيُونِ بَعْضِهِم، فَضَيَّقَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مُتَابِعاً: “لَقَدْ كَانَ قَائِداً بِلَا رَحْمَة، لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضاً وَالِداً لِطِفْل. كَمْ مِنْ الآبَاءِ فِي هَذَا العَالَمِ يُمْكِنُهُمْ بَتْرُ أَطْرَافِ أَبْنَائِهِمْ؟ رُؤْيَةُ المَوْقِفِ الآنَ تَجْعَلُ مِنْ السَّهْلِ مَعْرِفَةَ أَنَّ رَغْبَةَ «سَاشَا» بَعْدَ أَنْ وَثِقَ فِي المُنَظَّمَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ هِيَ أَنَّهُ غَادَرَهَا تَمَاماً”. كَانَتْ هُنَاكَ إِيمَاءَاتٌ بِالمُوَافَقَةِ وَالتَّأْيِيدِ مَعَ خُلَاصَةِ كَلَامِهِ الَّذِي أَنْهَاهُ وَهُوَ يَصُبُّ المَشْرُوبَ فِي كَأْسِه: “الآن، مَا عَلَيْنَا فِعْلُهُ هُوَ تَرْكُ زَعِيمِ المُنَظَّمَةِ شَأْنَهُ، وَالنَّظَرُ حَوْلَنَا لِنُقَرِّرَ مَا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الجَمَاعَةُ سَتَتَفَكَّكُ أَمْ أَنَّنَا سَنَسْتَخْدِمُهَا لِصَالِحِنَا مُبَاشَرَةً. هَلْ تَسْمَعُونَنِي؟” فَفَتَحَ أَحَدُ المَسْؤُولِينَ فَمَهُ بِنَبْرَةٍ قَلِقَة: “وَلَكِنْ، مَاذَا سَنَفْعَلُ بِالزَّعِيمِ حِينَهَا؟” فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ «تُوتْشِيف» وَاحِداً تِلْوَ الآخرِ عَبْرَ زُجَاجِ الكَأْسِ وَقَال: “نِهَايَةُ الإِمْبَرَاطُورِ الَّذِي يَنْزِلُ عَنِ العَرْشِ لَيْسَتْ وَاضِحَة”، ثُمَّ أَفْرَغَ كَأْسَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَرْدَفَ بِابْتِسَامَةٍ قَاتِمَة: “سَوْفَ يَمُوت”. حَبَسَ العُمَلَاءُ أَنْفَاسَهُمْ وَتَبَادَلُوا النَّظَرَات، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بِكَلِمَة. وَفِي مَكَانٍ آخَر، كَانَ مَتْحَفُ الفُنُونِ العَالَمِيُّ، حَيْثُ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أَشْهَرِ الرَّسَّامِين، مُكْتَظّاً بِالنَّاسِ دَائِماً، لَكِنَّ اليَوْمَ كَانَ مُخْتَلِفاً؛ فَرَغْمَ صَفَاءِ الطَّقْس، كَانَ عَدَدُ الزُّوَّارِ نِصْفَ المُعْتَادِ فَقَط، وَشَعَرَ «لِي وُون» بِأَنَّهُ مَحْظُوظ. وَبِفَضْلِ ذَلِك، تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاللَّوْحَاتِ بِإِيقَاعٍ هَادِئ، فَاسْتَعَارَ دَلِيلاً صَوْتِيّاً وَوَضَعَهُ فِي أُذُنِهِ وَسَارَ بِسَكِينَةٍ فِي أَرْجَاءِ المَكَانِ الشَّاسِع. لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ كَمْ سَتَدُومُ هَذِهِ الحُرِّيَّة؛ فَبَعْدَ أَنْ انْتَهَتِ الحَادِثَةُ الأَخِيرَةُ أَخِيراً، كَادَتْ رَغْبَتُهُ البَسِيطَةُ فِي قَضَاءِ بَعْضِ الوَقْتِ بِمُفْرَدِهِ أَنْ تَتَحَطَّمَ بِسَبَبِ اخْتِطَافِ قَيْصَر لَهُ مِنْ عَدَم. لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَباً لِلِاسْتِسْلَام؛ إِذْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَشْقَرَ، حِينَمَا يَكْتَشِفُ اخْتِفَاءَهُ، سَيُهَاجِمُ المَنْزِلَ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ فَوْراً، وَسَيَكُونُ مُحْبَطاً وَمُرْتَبِكاً، بَلْ لَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَبَداً أَنَّهُ سَيَكُونُ هُنَا. وَفِي تِلْكَ اللَحْظَة، كَبَتَ شَكْوَى صَغِيرَةً فِي صَدْرِهِ مُفَكِّراً: ‘أَلَمْ تَكُنْ تَرْغَبُ فِي المَجِيءِ إِلَى هُنَا؟’ وَمَعَ هَذَا الخَاطِرِ المُفَاجِئ، ابْتَسَمَ وَهَزَّ رَأْسَهُ لِيَطْرُدَ خَيَالَهُ السَّخِيف، ثُمَّ تَحَرَّكَ بِبُطْءٍ ضَاغِطاً عَلَى رَقْمِ المَقْطَعِ الصَّوْتِيِّ المُطَابِقِ لِرَقْمِ اللَّوْحَة. جَذَبَتْ أَعْمَالُ الرَّسَّامِينِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ تَارِيخاً عَمِيقاً انْتِبَاهَهُ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَمِنْ بَيْنِهَا، تَوَقَّفَتْ خُطُوَاتُهُ لَا إِرَادِيّاً أَمَامَ رَسْمَةٍ اسْتَهْوَتْه. وَبَيْنَمَا كَانَ وَاقِفاً يَتَأَمَّلُ اللَّوْحَة، شَعَرَ بِأَحَدٍ يَقْتَرِبُ مِنْهُ خِفْيَةً وَيَتَوَقَّفُ بِجَانِبِه، وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ رَقِيق: “هَلْ تُحِبُّ «رُوبِنْز» أَنْتَ أَيْضاً؟” فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِيُدْرِكَ لَاحِقاً أَنَّ اللَّوْحَةَ الَّتِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا هِيَ لِلْفَنَّانِ الرُّوسِيِّ «رُوبِنْز»، فَقَالَ بِرَدٍّ كَسُولٍ وَهُوَ يُعِيدُ بَصَرَهُ إِلَيْهَا: “أَجَل، إِنَّهَا كَذَلِك”. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ طَوِيلُ القَامَةِ مُسِنٌّ يَقِفُ جِوَارَهُ، يَرْتَدِي قُبَّعَةً مِنْ اللِّبْدِ مَعَ بَدْلَةٍ كَامِلَةِ الأَنَاقَة، وَيَنْظُرُ إِلَى اللَّوْحَةِ مُسْتَنِداً عَلَى عَصَاه. كَانَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ الحَادَّةُ عَمِيقَةً لِلْغَايَة، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَخَيَّلُ مَظْهَرَ شَبَابِهِ الوَسِيم. التَفَتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، الَّذِي يَبْدُو جَنْتِلْمَاناً مِثَالِيّاً لأَيِّ شَخْص، وَابْتَسَمَ لِـ «لِي وُون» الَّذِي شَعَرَ بِالخَجَلِ لَحْظَةَ تَلَاقِي أَعْيُنِهِمَا. زَادَتْ عَيْنَاهُ اللَّطِيفَتَانِ المُنْحَنِيَتَانِ مِنْ رِقَّةِ انْطِبَاعِه، فَمَا كَانَ مِنَ الشَّابِّ إِلَّا أَنْ ابْتَسَمَ لَا إِرَادِيّاً، لِيَفْتَحَ العَجُوزُ فَمَهُ قَائِلاً: “أَنَا أَيْضاً أُحِبُّ «رُوبِنْز»”. فِي الوَاقِع، لَمْ يَكُنْ «وُون» يَعْرِفُ الكَثِيرَ عَنِ الرَّسْم، بَلْ كَانَ مُعْجَباً فَقَطْ بِاللَمْسَةِ القَوِيَّةِ وَالتَّكْوِينِ الجَرِيءِ لِلْفَنَّان. فَاسْتَرْسَلَ الرَّجُلُ مُخَاطِباً الشَّابَّ الَّذِي عَادَ لِيَتَأَمَّلَ الرَّسْمَة: “هَذِهِ اللَّوْحَةُ عَظِيمَةٌ بِشَكْلٍ خَاصٍّ بَيْنَ أَعْمَالِه، وَأَنَا آتِي كَثِيراً إِلَى هَذَا المَتْحَفِ فَقَطْ لأَجْلِ رُؤْيَتِهَا. أَلَا تَشْعُرُ بِتِلْكَ القُوَّةِ المَهِيبَةِ والدِّينَامِيكِيَّة؟ «رُوبِنْز» هُوَ عَرَّابُ الفَنِّ البَارُوكِيّ. انْظُرْ إِلَى هَذِهِ اللَّمْسَةِ الجَمِيلَة، انْزِعِ الحُزْنَ مِنْ فَنِّ «كَارَافَاجْيُو»، وَسَيَبْقَى «رُوبِنْز»”. نَظَرَ «لِي وُون» إِلَى العَجُوزِ بِشُعُورٍ غَرِيب؛ فَفِي جَانِبِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَمُدُّ يَدَيْهِ بِلُطْفٍ وَيَتَحَدَّثُ وَكَأَنَّهُ يُلْقِي قَصِيدَة، تَدَاخَلَتْ صُورَةُ قَيْصَر الَّذِي كَانَ يَمْدَحُ النَّبِيذَ دُونَ مُوَارَبَة، وَفِي تِلْكَ اللَحْظَة، انْفَجَرَ الشَّابُ ضَاحِكاً فَوْراً. وَعِنْدَمَا التَفَتَ الرَّجُلُ بِحَيْرَة، لَوَّحَ «وُون» بِيَدِهِ بَارْتِبَاك: “لَا، مَعْذِرَةً. لَقَدْ تَذَكَّرْتُ شَخْصاً مَا”. وَرَغْمَ اعْتِذَارِه، لَمْ تُفَارِقِ الِابْتِسَامَةُ وَجْهَهُ أَبَداً؛ فَلَوْ كَانَ قَيْصَر هُنَا لَقَالَ الكَلَامَ نَفْسَهُ تَمَاماً. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ هَذَا العَجُوزِ الَّذِي ذَكَّرَهُ بِهِ دُونَ قَصْد، ابْتَسَمَ بِوُدٍّ تِلْقَائِيّ، وَخَطَرَ بِبَالِهِ فَجْأَة: مَاذَا يَفْعَلُ الآن؟ فَتَحَ الرَّجُلُ المُسِنُّ، الَّذِي كَانَ يَتَأَمَّلُ وَجْهَ الشَّابِّ البَاسِم، فَمَهُ وَقَال: “إِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولاً، لِمَاذَا لَا نَشْرَبُ الشَّايَ مَعاً؟ أَوَدُّ التَّحَدُّثَ أَكْثَر”. وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ لِلرَّفْض، فَوَافَقَ «لِي وُون» عَلَى طَلَبِهِ بِتَرْحِابٍ شَدِيد

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!