فصل 57

فصل 57

سَوَاءٌ كَانَ يَشْعُرُ بِالحَنِينِ أَوْ أَنَّهُ وَجَدَ حَدِيثاً مُشْتَرَكاً مَعَ «لِي وُون»، إِلَّا أَنَّ الأَخِيرَ ظَلَّ يُجِيبُ بِبُرُودٍ عَلَى كَلِمَاتِ «مِيخَائِيل». فَقَالَ بَاقْتِضَاب: “أَرَى ذَلِك”. وَمَعَ هَذَا الرَّدِّ المُوجَز، عَمَّ الصَّمْتُ مُجَدَّداً، لِيَنْظُرَ «مِيخَائِيل» إِلَى «لِي وُون» بِمَلَامِحَ يَحْكُمُهَا الِارْتِبَاك، فَلَمْ يَكُنْ لَدَى الشَّابِّ مَا يُضِيفُه؛ بَلْ لَمْ يَكُنْ يَرْغَبُ فِي قَوْلِ أَيِّ شَيْء. لَقَدْ فَضَّلَ لَوْ ظَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بِهِ كَمُجَرَّدِ رَجُلٍ مُسِنٍّ التَقَاهُ عَرَضاً، فَمَظْهَرُهُ الآنَ كَأَبٍ وَزَعِيمِ مَافْيَا فِي آنٍ وَاحِدٍ كَانَ أَمْراً مُذْهِلاً وَمُرْبِكاً لِلْغَايَة. وَبَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ «مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف» هُوَ وَالِدُه، تَبِعَهُ «لِي وُون» وَكَأَنَّهُ سُحِبَ مِنَ العَدَم، وَطِيلَةَ الطَّرِيقِ إِلَى المَنْزِلِ لَمْ يَنْطِقْ الرَّجُلُ بِأَيِّ كَلَامٍ خَاصّ. لَمْ يَكُنْ «لِي وُون» يَتَعَمَّدُ الصَّمْت، بَلْ لَمْ يَجِدْ مَا يَقُولُه فَقَط. وَفِي هَذِهِ المَرَّةِ أَيْضاً، فَتَحَ «مِيخَائِيل» فَمَهُ مُخَاطِبًا الشَّابَّ الَّذِي كَانَ يَكْتَفِي بِارْتِشَافِ الشَّايِ الأَسْوَدِ دُونَ نُطْق: “أَعْتَقِدُ أَنَّكَ خَابَ أَمَلُكَ كَثِيراً…” وَتَابَعَ بِتَرَدُّد: “لَقَدْ تَرَكْتُ الشَّايَ لَكَ وَلِأُمِّك”. ثُمَّ صَمَتَ مُجَدَّداً وَكَأَنَّ الكَلِمَاتِ تَعْجِزُ عَنْ الخُرُوجِ مِنْ فَمِه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ قَائِلاً: “لَا دَاعِيَ حَتَّى لِتُخْبِرَنِي بِذَلِك”. لَمْ تَكُنْ كَلِمَاتُ الشَّابِّ بَاعِثاً عَلَى المُرَاعَاة، بَلْ كَانَ فَقَطْ يَكْرَهُ رُؤْيَةَ الرَّجُلِ يَتَرَدَّدُ فِي طَرْحِ المَوْضُوعِ بِقُوَّة. وَأَمَامَ صَوْتِهِ البَارِد، خَفَضَ «مِيخَائِيل» نَظَرَهُ بِمَلَامِحَ قَاتِمَة، لِيَبْدُوَ كَأَسَدٍ عَجُوز. حِينَهَا تَذَكَّرَ «لِي وُون» مَا قَالَهُ لَهُ «قَيْصَر» ذَاتَ مَرَّة؛ إِنَّ مَلِكَ الحُشُودِ الَّذِي كَانَ يَزْأَرُ فِي شَبَابِهِ قَدْ كَبِرَ الآن، وَأَصَابَهُ المَرَضُ وَبَدَأَ يَفْقِدُ طَاقَتَه. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، شَعَرَ الشَّابُّ بِالأَسَى، لَكِنَّ شُعُوراً بِالبُرُودِ تَمَلَّكَهُ أَيْضاً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْفِرْ بَعْدُ لِهَذَا الرَّجُلِ مَا فَعَلَه، فَقَدْ خَدَعَ نَفْسَهُ وَخَدَعَ أُمَّهُ وَخَدَعَهُ هُوَ أَيْضاً. وَعَلَى أَيِّ حَال، لَمْ يَكُنْ «لِي وُون» يَتَذَكَّرُهُ عَلَى الإِطْلَاق، فَأَبُوهُ الَّذِي اخْتَفَى قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ هُوَ المَشْيَ كَانَ بِمَثَابَةِ نَكِرَةٍ فِي حَيَاتِه، لَكِنَّ الأَمْرَ كَانَ مُخْتَلِفاً بِالْنِّسْبَةِ لِأُمِّه، فَقَدْ افْتَقَدَتْ هَذَا الرَّجُلَ طِيلَةَ مَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِهَا، وَبَكَتْ لِأَجْلِهِ وَمَاتَتْ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ سَبَبَ رَحِيلِهِ عَنْ جَانِبِهَا، وَلِأَجْلِتَحْقِيقِ وَصِيَّتِهَا الأَخِيرَةِ قَطَعَ الشَّابُّ كُلَّ هَذِهِ المَسَافَة. وَمَعَ ذَلِك، بِمُجَرَّدِ أَنْ التَقَى بِأَبِيه، أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ مُمِلّاً بِالْنِّسْبَةِ لَه؛ فَمَا الفَائِدَةُ الآنَ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ المَاضِي؟ لَنْ يَتَغَيَّرَ أَيُّ شَيْء، فَأُمُّهُ قَدْ رَحَلَتْ بِالفِعْلِ وَكُلُّ مَا تَبَقَّى لَهُ هُوَ الوَاجِب؛ الكَلِمَاتُ الَّتِي طَلَبَتْ مِنْهُ أُمُّهُ أَنْ يَقُولَهَا لَه. فَتَحَ «لِي وُون» فَمَهُ لِيُؤَدِّيَ مَهَمَّتَهُ قَائِلاً: “لَقَدْ وَجَدْتُكَ”. وَتَعَمَّدَ الشَّابُّ اسْتِخْدَامَ صِيغَةِ الخِطَابِ المُجَرَّدَةِ بَدَلاً مِنْ كَلِمَةِ “أَبِي”، ثُمَّ تَابَعَ حَدِيثَهُ بَيْنَمَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ «مِيخَائِيل»: “لِأَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ أَنْقُلَهُ إِلَيْك”. وَفَكَّرَ أَنَّهُ بَعْدَ إِخْبَارِهِ سَيَنْهَضُ وَيَعُودُ أَدْرَاجَهُ فَوْراً، فَلَا يُوجَدُ أَيُّ سَبَبٍ يَدْعُوهُ لِلْبَقَاءِ فِي هَذَا المَنْزِل، وَلَا سَبَبٍ لِلْقَلَقِ أَمَامَ هَذَا الرَّجُلِ وَالِاسْتِمْرَارِ فِي هَذِهِ الأَجْوَاءِ المُزْعِجَة. وَاصَلَ الشَّابُّ حَدِيثَهُ بِصَوْتٍ خَافِت: “إِنَّهَا لَا تَحْمِلُ أَيَّ ضَغِينَةٍ اتِّجَاهَك”. ارْتَجَفَ جَسَدُ «مِيخَائِيل»، فِيمَا تَحَدَّثَ «لِي وُون» بِهُدُوء: “لَدَيَّ فُضُولٌ فَقَط، لِمَاذَا تَخَلَّيْتَ عَنَّا؟ رَغْمَ أَنَّكَ كُنْتَ تُحِبُّنَا رَغْمَ كُلِّ شَيْء”. ثُمَّ أَرْدَفَ الشَّابُّ: “هَذَا يَكْفِي”. لَمْ يَقُلْ «مِيخَائِيل» أَيَّ شَيْء، بَلْ حَبَسَ أَنْفَاسَهُ مُنْتَظِراً كَلِمَاتِ نَجْلِهِ التَّالِيَة، فَقَالَ الأَخِير: “إِنَّ زَوْجَتَكَ لَا تَزَالُ تُحِبُّك”. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، ارْتَجَفَتْ العَيْنَانِ الزَّرْقَاوَانِ لِـ «مِيخَائِيل» وَامْتَلَأَتَا بِالدُّمُوع، وَغَطَّى الرَّجُلُ فَمَهُ بِسُرْعَةٍ بِيَدِه، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَ دُمُوعِهِ مِنَ التَّدَفُّق. نَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِير، فِيمَا كَانَ العَجُوزُ يَبْكِي بِصَمْتٍ وَالدُّمُوعُ تَتَسَاقَطُ بِلَا صَوْت. فَكَّرَ الشَّابُّ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَيْهِ فِعْلُهُ الآنَ هُوَ الإِنْهَاء، فَالْسَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهُ يَصِلُ إِلَى هُنَا وَمَهَمَّتُهُ قَدْ انْتَهَيَا؛ لَقَدْ بَلَغَ حُدُودَ وَصِيَّةِ الأُمِّ الَّتِي ظَلَّتْ وَحِيدَةً حَتَّى النِّهَايَة. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَة، تَمْتَمَ «مِيخَائِيل» قَائِلاً: “أَنَا آسِف… أَنَا آسِفٌ لِأَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ حِمَايَتَكُمَا”. فَفَكَّرَ الشَّابُّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَذِرَ مِنَ الأُمّ، فَهِيَ مَنْ آمَنَتْ بِهِ حَتَّى النِّهَايَةِ وَمَنَحَتْهُ كُلَّ قَلْبِهَا، لَكِنَّ الأَمْرَ بَاتَ مُتَأَخِّراً جِدّاً الآن. ظَلَّ «لِي وُون» جَالِساً هُنَاكَ فِي صَمْت، يَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَحِبُ بَيْنَمَا تَهْتَزُّ كَتِفَاه. وَمَضَى وَقْتٌ طَوِيلٌ قَبْلَ أَنْ يَكُفَّ «مِيخَائِيل»، الَّذِي كَانَ يَنْتَحِبُ بِاسْتِمْرَار، عَنْ البُكَاء، وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ الحَمْرَاوَيْنِ بِلَأْيٍ لِيَنْظُرَ إِلَى نَجْلِه، ثُمَّ سَأَلَهُ بِصَوْتٍ مَبْحُوح: “هَلْ تَكْرَهُنِي؟” نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ وَفَتَحَ فَمَهُ قَائِلاً بِلَامُبَالَاة: “لَقَدْ كُنْتُ كَذَلِك فِي المَاضِي، لَكِنْ لَيْسَ الآن. لَمْ تَعُدْ هُنَاكَ أَيُّ مَشَاعِر”. ارْتَجَفَتْ شَفَتَا العَجُوزِ قَلِيلاً، فِيمَا نَهَضَ «لِي وُون» وَاقِفاً: “لِذَا، سَأُرَاحِل”. فَهَتَفَ الرَّجُلُ بِذُهُول: “هَلْ سَتَرْحَل؟!” فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَتَابَع: “لَقَدْ نَقَلْتُ مَا قَالَتْهُ أُمِّي، وَهَذَا كُلُّ مَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْه. وَالآن بَعْدَ أَنْ أَدَّيْتُ وَاجِبِي، سَأَذْهَب”. فَقَالَ الرَّجُلُ بِلَهْفَة: “مَهْلاً، انْتَظِرْ!” وَنَهَضَ بِسُرْعَةٍ لِيُمْسِكَ بِذِرَاعِ نَجْلِه. عَقَدَ الشَّابُّ حَاجِبَيْهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفُضْ يَدَه، فِيمَا تَمَلَّكَ الذُّعْرُ جَسَدَ «مِيخَائِيل» وَأَخَذَ يَتَلَعْثَم: “إِلَى أَيْنَ تَذْهَب؟ أَنْتَ ابْنِي الوَحِيد، مَنْ يَجْرِي دَمِي فِي عُرُوقِه. أَلَنْ تَبْقَى هُنَا مَعِي؟ إِلَى أَيْنَ سَتَمْضِي؟!” فَقَالَ «لِي وُون» بِوَجْهٍ جَامِدٍ لِلْعَجُوزِ الَّذِي كَانَ يُسَارِعُ لِلِإِمْسَاكِ بِه: “لَا يُوجَدُ أَيُّ سَبَبٍ يَدْعُونِي لِلْبَقَاءِ هُنَا. سَأَرْحَل”. فَهَتَفَ «مِيخَائِيل» بِإِلْحَاح: “أَنْتَ ابْنِي! لَقَدْ كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ جَعَلَنِي أَتْرُكُكَ عِنْدَمَا كُنْتَ طِفْلاً، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإِرَادَتِي. وَالآن، أَلَا أُحَاوِلُ التَّعْوِيضَ عَنْ ذَلِك؟” فَرَدَّ الشَّابُّ بِكَلِمَاتٍ بَارِدَة: “لَمْ أَطْلُبْ أَيَّ تَعْوِيضٍ أَبَداً”. وَأَمَامَ هَذَا الرَّدِّ القَاسِي، سَارَعَ العَجُوزُ لِلْبَحْثِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَقُولُه: “وَلَكِنْ رَغْمَ ذَلِك… أَلَا يُمْكِنُكَ قَبُولِي كَأَب؟ نَحْنُ نَنْسَجِمُ جَيِّداً، أَلَيْسَ كَذَلِك؟ أَجَل، سَنَتَحَدَّثُ لَاحِقاً عَنِ اللَّوْحَاتِ وَنَشْرَبُ الشَّاي”. كَانَ «مِيخَائِيل» يَائِساً، لَكِنَّ قَلْبَ نَجْلِهِ كَانَ قَدْ تَحَجَّر: “لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَبِي”، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ خَافِت: “وَخُصُوصاً حَقِيقَةَ أَنَّ أَبِي هُوَ رَجُلُ مَافْيَا”. شَحَبَ وَجْهُ العَجُوز، وَالرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ جَاهِداً التَّشَبُّثَ بِـ «لِي وُون» قَبْلَ قَلِيلٍ ظَلَّ وَاقِفاً هُنَاكَ كَمَنْ نَسِيَ مَا يَوَدُّ قَوْلَه. أَزَاحَ الشَّابُّ نَظَرَهُ بِلَامُبَالَاةٍ وَأَلْقَى التَّحِيَّةَ بَاخْتِصَار: “إِذَنْ، سَأَمْضِي. وَدَاعاً”. وَعِنْدَمَا اسْتَدَارَ بَعْدَ أَنْ وَدَّعَهُ بِبُرُودٍ كَمَا يَفْعَلُ مَعَ الغُرَبَاءِ، أَمْسَكَ بِهِ أَبُوهُ مُجَدَّداً قَائِلاً: “مَهْلاً، انْتَظِرْ لَحْظَة”. وَفِي هَذِهِ المَرَّة، نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ وَكَأَنَّ صَبْرَهُ قَدْ نَفِد، لِيَفْتَحَ العَجُوزُ فَمَهُ وَوَجْهُهُ مَلِيءٌ بِالرَّجَاء: “حَسَناً، إِذَا كُنْتَ تَكْرَهُنِي إِلَى هَذَا الحَدّ، فَلَنْ أُجْبِرَك، لَكِنْ هَلْ يُمْكِنُكَ سَمَاعُ طَلَبٍ وَاحِدٍ فَقَط؟” وَأَمَامَ نَبْرَتِهِ الجَادَّة، لَمْ يَسْتَطِعْ الشَّابُّ التَّخَلُّصَ مِنْ قَبْضَتِه، لِيَسْعُلَ العَجُوزُ وَيُصَفِّيَ صَوْتَهُ ثُمَّ يَقُول: “إِنَّ عِيدَ مِيلَادِي قَرِيب، وَسَنُقِيمُ حَفْلَةً فِي المَنْزِل، وَإِذَا حَضَرْتَهَا، يُمْكِنُكَ العَوْدَةُ بَعْدَهَا وَلَنْ أُزْعِجَكَ مُجَدَّداً”. ثُمَّ أَضَافَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ نَجْلُهُ حَاجِبَيْهِ: “أُرِيدُ فَقَطْ تَلَقِّي تَهْنِئَتِكَ وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَة”. نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ دُونَ نُطْق، وَرَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ضَرُورَةَ الرَّفْض، إِلَّا أَنَّ مَشَاعِرَهُ اهْتَزَّتْ؛ فَرَجُلُ المَافْيَا هَذَا الَّذِي يَحْتَقِرُهُ هُوَ أَبُوهُ فِي النِّهَايَة، وَرَابِطَةُ الدَّمِ أَمْرٌ غَرِيب، إِذْ إِنَّ شَخْصاً لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ بِوُجُودِهِ حَتَّى عَهْدٍ قَرِيبٍ يُصْبِحُ فَجْأَةً جُزْءاً مِنْ حَيَاتِك. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، رَأَى الشَّابُّ أَمَامَهُ أَبَاهُ العَجُوزَ المُنْهَكَ قَبْلَ أَنْ يَرَى فِيهِ زَعِيمَ المَافْيَا؛ الرَّجُلَ الَّذِي أَحَبَّ أُمَّه. كَانَتْ مَشَاعِرُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مُعَقَّدَة، وَرَغْمَ أَنَّهُ شَعَرَ بِضَرُورَةِ إِظْهَارِ المَوَدَّة، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيّاً، فَهَذَا الجُزْءُ مِنَ الحَيَاةِ الَّذِي ظَهَرَ أَمَامَهُ لَمْ يَكُنْ سَهْلاً عَلَى الإِطْلَاق. وَبَدَلاً مِنْ ذَلِك، أَوْمَأَ الشَّابُّ بِرَأْسِهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِعِبْءٍ ثَقِيلٍ يَسْحَقُ كَاهِلَه. وَفِي مَكَانٍ آخَر، كَانَ «قَيْصَر» يَتَجَوَّلُ بِعَصَبِيَّةٍ شَدِيدَةٍ فِي مَكْتَبِه؛ لَقَدْ مَضَى الوَقْتُ وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ سِوَى هَمٍّ وَاحِد؛ لَقَدْ اخْتَفَى «لِي وُون». تَعَمَّدَ الرَّجُلُ بَعْثَرَةَ شَعْرِهِ بِتَوَتُّر، وَشَعَرَ بِقَلَقٍ بَالِغٍ لَا يَكَادُ يَحْتَمِلُه، فَأَمَاكِنُ تَوَاجُدِ الشَّابِّ كَانَتْ مَجْهُولَةً مُنْذُ عِدَّةِ أَيَّام، وَكَانَتْ المَرَّةُ الأَخِيرَةُ الَّتِي رَآهُ فِيهَا أَمَامَ بِنَايَةِ الشُّقَقِ فِي ذَلِكَ اليَوْم. وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الأُمُورَ سَتَصِلُ إِلَى هَذَا الحَدّ، لَكَانَ قَدْ أَحْضَرَهُ مَعَهُ بِبَسَاطَة، لَكِنَّ الأَمْرَ بَاتَ مُتَأَخِّراً الآن. كَانَتِ الأَجْوَاءُ حَوْلَهُ مَلِيئَةً بِالضَّوْضَاءِ النَّاشِئَةِ عَنِ المَوْقِف، وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الظُّرُوفِ يَخْتَفِي «لِي وُون»، فَمَنْ عَسَاهُ يَكُونُ وَرَاءَ هَذَا؟ فَكَّرَ فِي القُوَى المُثِيرَةِ لِلِاضْطِرَابِ دَاخِلَ المُنَظَّمَةِ وَفِي الأَعْدَاءِ المُحِيطِينَ بِه، لَكِنَّ الخُصُومَ كَانُوا كَثِيرِينَ جِدّاً. لَا، فَقَضِيَّةُ الِاخْتِطَافِ كَانَتْ لَا تَزَالُ فِكْرَةً مُبَكِّرَة، وَقَبْلَ كُلِّ شَيْء، مَا هُوَ الهَدَفُ مِنْ جَذْبِ «لِي وُون»؟ لَكِنْ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ رُؤْيَةُ أَنَّهُ اخْتَفَى هَكَذَا فَقَط. لَقَدْ بَذَلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ لِلْبَحْثِ عَنْه، لَكِنَّهُ تَلَاشَى تَمَاماً، مِمَّا جَعَلَ مِنَ المُسْتَحِيلِ عَلَى «قَيْصَر» التَّفْكِيرُ بِعَقْلَانِيَّةٍ مِنْ شِدَّةِ القَلَق. اسْتَنْشَقَ بِرِفْقٍ دُخَانَ سِيجَارَتِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ أَمَامَ الصَّوْتِ المُفَاجِئِ لِخُطُوَاتٍ قَادِمَة. وَفَجْأَةً، انْفَتَحَ البَابُ لِيَدْخُلَ الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي رُؤْيَتِهِ عَلَى الإِطْلَاق، فَقَالَ القَادِم: “كَيْفَ حَالُكَ يَا «قَيْصَر»؟” أَدَارَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مُتَجَاهِلاً وَجْهَ «دِمِيتْرِي» الَّذِي دَخَلَ وَهُوَ يُحَيِّيهِ بِحَرَارَة، لَكِنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ يَهُمُّ الأَخِيرَ الَّذِي جَلَسَ عَلَى الأَرِيكَةِ وَكَأَنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِلْقِيَامِ بِخُطْوَتِهِ التَّالِيَة

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!