فصل 59

فصل 59

«جَالَ «لِي وُون» بِنَظَرَاتِهِ المُنَافِقَةِ طَاوُوسِيَّةِ المَظْهَرِ هُنَا وَهُنَاكَ بِمَلَامِحَ بَارِدَةٍ وَلَامُبَالِيَة. كَانَتْ هَذِهِ هِيَ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي يَحْضُرُ فِيهَا حَفْلاً كَهَذَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْدُ مُفَاجَأً أَوْ مَذْهُولاً؛ فَالجَمِيعُ كَانُوا يَبْتَسِمُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ بَيْنَمَا تَنْشَغِلُ أَعْيُنُهُمْ بِتَفَحُّصِ خُصُومِهِمْ وَاحْتِقَارِهِمْ كَمَا لَوْ كَانُوا أُضْحُوكَة، مُسْتَعْرِضِينَ كِبْرِيَاءَهُمْ بِصَلَف. لَمْ يَرُقْ لِـ «لِي وُون» مَوْقِفُ هَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ الأَفَّاكِين، وَتَمَنَّى فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَحَلِّ إِقَامَتِهِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِن، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ أُلْفَةً مَعَ النَّبِيذِ المُرِّ الَّذِي تَصْنَعُهُ جَدَّتُهُ مِنْهُ مَعَ هَذَا الشَّمْبَانْيَا المَوْسُومِ بِعَلَامَةٍ عَتِيقَةٍ فَاخِرَة. وَبَيْنَمَا كَانَ غَارِقاً فِي خَوَاطِرِه، اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ يُدْعَى «لِيف»، وَهُوَ الذِّرَاعُ اليُمْنَى لِـ «مِيخَائِيل». كَانَ الرَّجُلُ يَبْدُو أَكْثَرَ سَعَادَةً بِوُجُودِهِ فِي هَذَا المَنْصِب، مُظْهِراً احْتِرَاماً شَدِيداً يُمْكِنُ لِأَيِّ نَاظِرٍ أَنْ يَرَاهُ كَوَلَاءٍ مُفْرِطٍ وَمُبَالِغٍ فِيه. انْحَنَى «لِيف» بِرَأْسِهِ قَلِيلاً وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنَ الحَشْدِ قَائِلاً: “سَيِّدِي الشَّاب، سَتَبْدَأُ خُطْبَةُ السَّيِّدِ «لُومُونُوسُوف» قَرِيباً، لِذَا أَرْجُو أَلَّا تُغَادِرَ مَقْعَدَك، فَقَدْ يَكُونُ يَبْحَثُ عَنْك”. أَوْمَأَ «لِي وُون» بِرَأْسِهِ دُونَ تَفْكِير، وَبَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ «لِيف» مِنْ إِجَابَتِه، عَادَ أَدْرَاجَهُ مِنْ حَيْثُ أَتَى. كَانَ «لِي وُون» يَشْعُرُ بِنَظَرَاتِ النَّاسِ تُحَاصِرُهُ مِنْ كُلِّ جَانِب؛ إِذْ لَا بُدَّ أَنَّ أَمْرَهُ بَدَا غَرِيباً لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو فَرْداً يَنْتَمِي إِلَى هَذَا المَحْفِل، وَقَدْ تَفَهَّمَ الشَّابُّ ذَلِكَ بِطَرِيقَتِه. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ يَرْفَعُ فِيهَا كَأْسَ الشَّمْبَانْيَا إِلَى فَمِهِ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِير، أُمْسِكَ بِكَتِفَيْهِ فَبَغْتَةً وَبِعُنْف. تَمَلَّكَ الرُّعْبُ «لِي وُون» فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَسْقُطَ الكَأْسُ مِنْ يَدِه، حَيْثُ هَوَى الزُّجَاجُ الطَّوِيلُ فِي خَطٍّ مُنْحَنٍ، وَتَنَاثَرَ السَّائِلُ الذَّهَبِيُّ الشَّفَّافُ كَمَوْجَةٍ سَبَحَتْ فِي الهَوَاء. حِينَهَا دَوَى صَوْتُ تَحَطُّمِ الزُّجَاج، لِيَلْتَفِتَ الحُضُورُ بِدَهْشَة، لَكِنَّ «لِي وُون» لَمْ يَهْتَمَّ بِهِم؛ إِذْ كَانَ يُقَابِلُهُ رَجُلٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَعْيُنٍ صَاعِقَةٍ وَمَذْهُولَة. هَتَفَ الشَّابُّ بِاسْمِهِ دُونَ إِرَادَة: “قَيْصَر؟” وَفِي لَمْحِ البَصْر، تَقَلَّبَتْ مَلَامِحُ وَجْهِ الآخَرِ وَتَشَوَّهَتْ غَضَباً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» بِارْتِبَاكٍ دُونَ أَنْ يَفْهَمَ لُغَتَهُ الإِنْجِلِيزِيَّة، مُتَسَائِلاً فِي نَفْسِهِ عَنْ سَبَبِ وُجُودِ هَذَا الرَّجُلِ هُنَا، وَمَا إِذَا كَانَتْ عَائِلَاتُ المَافْيَا وَتِلْكَ المَجْمُوعَاتُ تَحْضُرُ الحَفْلَ كَضُيُوفٍ تَنْفِيذِيِّينَ أَيْضاً. وَبَيْنَمَا كَانَ يُقَلِّبُ هَذِهِ الأَفْكَارَ فِي عَقْلِه، بَصَقَ «قَيْصَر» الكَلِمَاتِ مِنْ فَمِهِ بِحِدَّة: “إِلَى أَيْنِ تَذْهَب؟” رَمَشَ «لِي وُون» بِذُهُولٍ أَمَامَ هَذَا الصَّوْتِ المُرْتَفِع، لَكِنَّ «قَيْصَر» وَاصَلَ الضَّغْطَ عَلَيْهِ بِنَبْرَةٍ مُتَسَارِعَة: “مَا الَّذِي حَدَث؟! لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟! هَلْ تَعْلَمُ كَمْ بَحَثْتُ عَنْك؟! ظَنَنْتُ أَنَّكَ اخْتَفَيْت، لَكِنْ مَا الَّذِي تَفْعَلُهُ بِحَقِّ الجَحِيمِ فِي مَكَانٍ كَهَذَا؟!” عَقَدَ اللِّسَانُ عَنِ الكَلَامِ لِلَحْظَةٍ أَمَامَ هَذَا الِاسْتِجْوَابِ القَاسِي، وَتَذَكَّرَ «لِي وُون» مُتَأَخِّراً أَنَّهُ كَانَ مُخْتَبِئاً لِأَيَّامٍ دُونَ أَنْ يُجْرِيَ اتِّصَالاً وَاحِداً بِه، وَهَكَذَا فَقَطْ أَدْرَكَ الشَّابُّ سَبَبَ ثَوَرَانِ الرَّجُلِ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُ غَاضِباً وَمُضْطَرِباً. فَقَالَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَة: “مَعْذِرَةً. لَقَدْ كَانَ هُنَاكَ مَوْقِفٌ…” لَقَدْ كَانَ وَضْعاً طَارِئاً لَمْ يَمْنَحْهُ رَفَاهِيَةَ النَّظَرِ حَوْلَه، لَكِنْ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ أَنْ يَفْهَمَ «قَيْصَر» ذَلِك، كَمَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ الآخَرَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ بِهَذِهِ اللَّهْفَة. وَمَعَ الشُّعُورِ بِالذَّنْب، تَدَفَّقَتِ المَشَاكِلُ الَّتِي لَمْ يَحْسِبْ لَهَا حِسَاباً إِلَى ذِهْنِهِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى؛ فَـ «لِي وُون» هُوَ ابْنُ «مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف»، وَسَوَاءَ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمْ لَا، فَهَذِهِ الحَقِيقَةُ لَنْ تَتَغَيَّر. وَيُقَالُ إِنَّ «قَيْصَر» كَانَ مُهَدَّداً بِالمَوْتِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِه، وَأَنَّ «لُومُونُوسُوف» هُوَ مَنْ كَانَ يَتَمَنَّى خَلَاصَه. لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ الشَّابِّ حَتَّى تَخَيُّلُ مَا قَدْ يَحْدُثُ إِذَا كَشَفَ وَالِدُهُ نَفْسَهُ بَيْنَ مُنَظَّمَتَيْنِ خَصْمَتَيْن، فَأَسْرَعَ «لِي وُون» بِجَمْعِ شَتَاتِ أَفْكَارِهِ وَأَمْسَكَ بِذِرَاعِ «قَيْصَر» قَائِلاً بِعَجَلَة، إِذْ كَانَ الأَهَمُّ هُوَ الخُرُوجُ مِنْ هُنَا أَوَّلاً: “لِنَخْرُجْ مِنْ هُنَا وَنَتَحَدَّث”. فَصَاحَ «قَيْصَر» بِغَضَبٍ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَ «لِي وُون»: “أَنَا أَسْأَلُكَ لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟! وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِك، مَا هَذَا الَّذِي تَرْتَدِيه؟ لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا بِهَذَا المَظْهَر؟ هَلْ تَعْلَمُ مَا هَذَا المَكَان؟ كَيْفَ دَخَلْتَ بِحَقِّ الجَحِيم؟!” أَمَامَ هَذَا الإِلْحَاحِ الصَّارِم، شَعَرَ «لِي وُون» بِالإِهَانَة، لَكِنَّ الوَقْتَ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِباً لِلْجِدَال، فَكَتَمَ غَيْظَهُ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ مُجَدَّداً: “سَأَفْعَلُ ذَلِكَ لَاحِقاً. بَلْ الأَفْضَلُ مِنْ ذَلِك، لِمَاذَا جِئْتَ أَنْتَ إِلَى هُنَا؟ أَتَرْتَدِي مَلَابِسَكَ الحُكُومِيَّة؟ هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْر؟ لِنَخْرُجْ حَالاً”. أَمْسَكَ «لِي وُون» الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ بِأَسْرَعَ مِنْ نَبْرَةِ «قَيْصَر» بِذِرَاعِ الآخَر، وَظَنَّ أَنَّهُ سَيَخْتَرِقُ الحُشُودَ كَمَا هِي، لَكِنَّ التَّوْقِيتَ لَمْ يَكُنْ فِي صَالِحِه؛ إِذْ انْطَفَأَتْ أَنْوَارُ الرَّوَاقِ فَجْأَةً وَبَدَأَ النَّاسُ يَتَهَامَسُون. وَبَعْدَ لَحَظَات، أَضَاءَ مِصْبَاحٌ وَاحِدٌ مُسَلَّطاً نُورَهُ عَلَى مِنْصَّةٍ مُنْخَفِضَةٍ دَاخِلَ القَاعَة، لِيَظْهَرَ «مِيخَائِيل» بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَة. هَتَفَ الحُضُورُ وَصَفَّقُوا، وَلَمْ يَكُنْ أَمَامَ «لِي وُون» خِيَارٌ سِوَى التَّصْفِيقِ هُوَ الآخَر، فِيمَا كَانَ «قَيْصَر» يُرَاقِبُ المَشْهَدَ بِوَجْهٍ يَمْلَؤُهُ النُّفُور. أَمْسَكَ «مِيخَائِيل» بِالمِيكْرُوفُونِ وَبَدَأَ بِالتَّحِيَّة: “شُكْراً لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ إِلَى هَذَا المَكَانِ رَغْمَ انْشِغَالِهِم. أَعْتَقِدُ أَنَّ اليَوْمَ سَيَكُونُ عِيدَ مِيلَادٍ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّة”. قَرَّرَ «لِي وُون» الخُرُوجَ مِنَ الرَّوَاقِ عَبْرَ الفَجْوَةِ المُظْلِمَة، وَعِنْدَمَا عَادَ لِيُمْسِكَ بِذِرَاعِ «قَيْصَر»، وَصَلَ صَوْتُ «مِيخَائِيل» بَغْتَةً إِلَى مَسَامِعِهِمَا: “…وإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ قَلِقاً عَلَى صِحَّتِي، أَعْتَذِرُ عَنْ إِثَارَةِ مَخَاوِفِكُم. وَلَكِنْ هُنَاكَ شَخْصٌ أَوَدُّ انْتِهَازَ الفُرْصَةِ اليَوْمَ لِأُقَدِّمَهُ لَكُم”. وَسَطَ الحَشْد، نَزَلَ «مِيخَائِيل» مِنَ المِنْصَّة، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا، كَانَ هَمْسُ الحُضُورِ يَتَضَاءَلُ تَدْرِيجِيّاً بِنَحْوٍ عَكْسِيّ. كَتَمَ «لِي وُون» أَنْفَاسَهُ بِذُهُولٍ وَهُوَ يَرَى «مِيخَائِيل» يَسِيرُ نَحْوَهُ مُبَاشَرَةً، مُتَمَنِّياً فِي نَفْسِهِ أَلَّا يَكُونَ الأَمْرُ كَمَا يَظُنّ. كَانَ الضَّوْءُ الَّذِي يُنِيرُ المَكَانَ يَتَحَرَّكُ مُتَتَبِّعاً خُطُوَاتِ العَجُوز، وَعِنْدَمَا شَعَرَ الشَّابُّ بِالحَاجَةِ إِلَى الهَرَبِ لِلَحْظَة، تَوَقَّفَ «مِيخَائِيل» أَمَامَهُ تَمَاماً، لِيَنْسَكِبَ النُّورُ فَوْقَ «لِي وُون» وَ«مِيخَائِيل» مَعاً. ابْتَسَمَ المَافْيَا العَجُوزُ بِسَعَادَةٍ لِـ «لِي وُون» الَّذِي كَانَ يَبْدُو مُحْرَجاً، ثُمَّ بَسَطَ ذِرَاعَيْهِ فَجْأَةً وَاحْتَضَنَه. ضَجَّتْ القَاعَةُ بِالهَمَسَاتِ ذُهُولاً، فِيمَا تَصَلَّبَ جَسَدُ الشَّابِّ كَالصَّخْر. نَظَرَ «مِيخَائِيل» إِلَى الحُضُورِ مُحِيطاً ابْنَهُ بِذِرَاعِهِ وَقَال: “لَقَدْ أَخْفَيْتُ هَذَا الأَمْرَ لِوَقْتٍ طَوِيل، لَكِنْ فِي الحَقِيقَة، لَدَيَّ ابْنٌ نَشَأَ فِي بَلَدٍ آخَرَ بِسَبَبِ العَدِيدِ مِنَ المَخَاطِر، لَكِنَّنِي أُخَطِّطُ لِأَنْ يَبْقَى هُنَا مَعِي فِي المُسْتَقْبَل”. صُدِمَ «لِي وُون» بِهَذَا الإِعْلَانِ الغَيْرِ مُتَوَقَّعٍ حَتَّى نَسِيَ مَا كَانَ يَنْوِي قَوْلَه، وَحَدَثَ الشَّءُ نَفْسُهُ مَعَ «قَيْصَر» الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى تِمْثَالٍ حَجَرِيٍّ جَامِد. وَفِي وَسَطِ الضَّجِيجِ وَالِاضْطِرَابِ الَّذِي سَادَ بَيْنَ المَدْعُوِّينَ، لَمَحَ «مِيخَائِيل» رَسُولَ عَائِلَةِ «سِيرْغِيف» وَهُوَ جَامِدٌ كَالمُحَارِب. نَقَلَ النَّاسُ أَعْيُنَهُمْ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ «لِي وُون» الَّذِي نَظَرَ إِلَى وَجْهِ «قَيْصَر» البَاهِتِ الَّذِي بَدَا وَكَأَنَّهُ فَقَدَ عَقْلَه، فِيمَا تَابَعَ «مِيخَائِيل» حَدِيثَهُ نَحْوَ قَيْصَر: “سَيَكُونُ مُنَافِساً جَيِّداً لِابْنِي مِنْ الآن فَمَا بَعْد، يَا قَيْصَر”. شَكَّ «لِي وُون» فِي مَسَامِعِهِ لِلَحْظَة، فَقَدْ كَانَ هَذَا أَكْثَرَ صَدْمَةً مِمَّا حَدَثَ عِنْدَمَا قَدَّمَهُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ السَّخِيفَة. وَأَمَامَ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ يَرْمِشُ بِوَجْهٍ حَائِر، لَمْ يَقُلْ «قَيْصَر» شَيْئاً بَلْ اكْتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ بِصَمْت، وَبَادَلَهُ «لِي وُون» النَّظَرَاتِ ذَاتَهَا. وَبَيْنَمَا كَانَ «مِيخَائِيل» يَبْتَسِمُ بِاتِّسَاعٍ وَيُرَبِّتُ بِفَخْرٍ عَلَى كَتِفِ ابْنِه، ظَلَّ الِاثْنَانِ يَتَطَلَّعَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا دُونَ أَنْ يَنْطِقَا بِحَرْفٍ وَاحِد. تَبّاً لِهَذَا الإِلْهَامِ اللَّعِين! كَانَ «لِي وُون» يَسِيرُ فِي الشَّارِعِ المُظْلِمِ وَهُوَ يَصُرُّ عَلَى أَسْنَانِه. وَكُلَّمَا فَكَّرَ فِي الأَمْر، ازْدَادَ غَضَبُهُ مِنْ كَوْنِهِ اسْتُخْدِمَ كَالأَحْمَق، وَشَعَرَ بِالأَسَى عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ قَلْبَهُ ضَعُفَ أَمَامَ دُمُوعِ ذَلِكَ العَجُوز؛ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ المُغَادَرَةُ فَوْراً عِنْدَمَا اتَّخَذَ القَرَار. بَصَقَ لَفْظاً نَابِياً وَتَحَرَّكَ بِعُنْف. لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حَتَّى كَيْفَ انْتَهَى الحَفْل؛ فَقَدْ أُخِذَ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ بِفِعْلِ ذَلِكَ الِانْفِجَارِ المُفَاجِئِ مِنَ الِاهْتِمَامِ وَالنَّظَرَات، وَبِالكادِ نَجَحَ فِي الخُرُوجِ مِنَ المَكَان. لَقَدْ كَانَ مِنَ الحُسْنِ الحَظِّ أَنْ يُفْلِتَ مِنْ هُنَاك، لَكِنَّ النَّدَمَ ظَلَّ يُرَاوِدُه، مُفَكِّراً أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْدِيدُ لَكْمَةٍ إِلَى وَجْهِ ذَلِكَ الرَّجُل. وَالشَّحْذُ عَلَى أَسْنَانِهِ كَانَ بِسَبَبِ تَجَمُّعِ الكَثِيرِ مِنَ البَشَرِ حَوْلَهُ فَجْأَةً كَالصَّرَاصِيرِ بِالقُرْبِ مِنْ «مِيخَائِيل». وَفِي النِّهَايَة، خَرَجَتْ قَبْضَتُهُ المَضْمُومَةُ دُونَ جَدْوَى. بَدَا وَكَأَنَّهُ سَمِعَ نِدَاءً مِنْ خَلْفِهِ لَكِنَّهُ تَجَاهَلَه، أَمَّا الآنَ فَقَدْ كَانَتْ مَعِدَتُهُ تَعْتَصِرُ غَضَباً. تَبَاطَأَتْ خُطُوَاتُهُ القَلِيلَةُ بَعْضَ الشَّيْء، وَسَارَ بِمَهَلٍ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي أَفْكَارِه. هَلْ كَانَ لَا يَزَالُ يَعْتَقِدُ ضِمْنِيّاً أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ هُوَ وَالِدُه؟ أَعَادَ الشَّابُّ النَّظَرَ فِي أَفْكَارِه، فَلَمْ يَكُنْ الأَمْرُ مُتَعَلِّقاً فَقَطْ بِتَصَرُّفِ «مِيخَائِيل» القَاسِي الَّذِي شَعَرَ بِه، بَلْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّكْنَ الفَارِغَ فِي قَلْبِهِ يَعُودُ لِسَبَبٍ آخَر، شَاعِراً أَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى مَغْفَلٍ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ تَهْنِئَتُهُ بِصِدْق. أَطْلَقَ تَنَهُّدَةً صَغِيرَةً خَرَجَتْ رَغْماً عَنْه، فَرُبَّمَا كَانَ يَتَوَقَّعُ شَيْئاً مَا. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، لَمَحَ شَخْصاً وَاقِفاً تَحْتَ ضَوْءِ مِصْبَاحِ الشَّارِعِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْه. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى مَمَرٍّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي إِلَى المَجْمَعِ السَّكَنِيّ، وَسَوَاءَ شَاءَ أَمْ أَبَى، كَانَ عَلَيْهِ عُبُورُ هَذَا الطَّرِيق، وَإِذَا قَرَّرَ أَحَدٌ انْتِظَارَهُ فَهَذَا هُوَ المَكَانُ المُنَاسِب، تَمَاماً كَمَا فَعَلَ «قَيْصَر» الآن. تَوَقَّفَ «لِي وُون» عَنِ السَّيْرِ وَظَلَّ وَاقِفاً هُنَاك. أَدَارَ «قَيْصَر» رَأْسَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ الخُطُوَاتِ وَنَظَرَ إِلَيْه. وَلِفَتْرَةٍ مِنَ الوَقْت، تَبَادَلَا النَّظَرَاتِ دُونَ أَنْ يَقُولَا شَيْئاً، حَتَّى كَانَ «قَيْصَر» هُوَ مَنْ بَدَأَ الحَدِيثَ بِصَوْتٍ خَافِت: “…مَا الَّذِي حَدَث؟” شَعَرَ «لِي وُون» بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ أَمَامَ هَذِهِ النَّبْرَةِ المُنْخَفِضَة؛ فَمَا السَّبَبُ الَّذِي يَجْعَلُ القَلَقَ مَصْحُوباً بِالِارْتِيَاح؟ صَمَتَ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ قَائِلاً: “لِيَكُنْ مَا يَكُون، وَفْقاً لِمَا سَمِعْتَه؛ فَإِنَّ «مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف» هُوَ وَالِدِي”. وَفِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَة، أَظْلَمَ وَجْهُ «قَيْصَر»، وَلَاحَظَ «لِي وُون» أَنَّ الرَّجُلَ كَبَحَ بِالكادِ رَغْبَتَهُ فِي الِاقْتِرَابِ الآن. وَقَالَ «قَيْصَر» وَهُوَ يُحَرِّكُ يَدَهُ الضَّخْمَةَ المَكْسُوَّةَ بِالقُفَّازِ الجِلْدِيِّ بِبُطْء: “مُنْذُ مَتَى؟” لَقَدْ كَانَ سُؤَالاً سَاخِراً، لَكِنَّ الشَّابَّ لَمْ يَضْحَك، بَلْ أَجَابَ: “حَسَناً، مُنْذُ الوِلَادَة”. دَوَى الصَّوْتُ كَصَرِيرِ أَسْنَانٍ حَادَّة، إِذْ ضَغَطَ «قَيْصَر» عَلَى أَسْنَانِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى «لِي وُون»، ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ قَائِلاً بِصُعُوبَة: “هَلْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي عَمْداً مُنْذُ البِدَايَة؟” عَقَدَ «لِي وُون» حَاجِبَيْهِ أَمَامَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الغَيْرِ مُتَوَقَّعَة، لَكِنَّ «قَيْصَر» لَمْ يَتَوَقَّفْ بَلْ وَاصَلَ حَدِيثَهُ قَائِلاً: “لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ أَيُّ فِكْرَةٍ عَنْ أَنَّكَ خَلَفُ «لُومُونُوسُوف». لَا بُدَّ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْخَرُ مِنِّي طَوَالَ الوَقْت، أَلَيْسَ كَذَلِك؟” فَرَدَّ عَلَيْهِ «لِي وُون» مُقَاطِعاً: “لَا تَقْفِزْ إِلَى الِاسْتِنْتَاجَاتِ! لَقَدْ كُنْتَ أَنْتَ أَوَّلَ مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!